تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مجلة معاوية بن أبي سفيان

أثر «حِيل بينهم وبين الماء»: تحريرُ نسبةِ منعِ الماء إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه «كلَّم عليٌّ طلحةَ — وعثمانُ في الدار محصور — فقال: إنهم قد حِيل بينهم وبين الماء، فقال طلحة: أما حتى تُعطي بنو أميةَ الحقَّ من أنفسها فلا»

أثر «حِيل بينهم وبين الماء»: تحريرُ نسبةِ منعِ الماء إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه «كلَّم عليٌّ طلحةَ — وعثمانُ في الدار محصور — فقال: إنهم قد حِيل بينهم وبين الماء، فقال طلحة: أما حتى تُعطي بنو أميةَ الحقَّ من أنفسها فلا»
مجلة معاوية بن أبي سفيان — الموسوعة الحديثية الشاملة

أثر «حِيل بينهم وبين الماء»: تحريرُ نسبةِ منعِ الماء إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه

«كلَّم عليٌّ طلحةَ — وعثمانُ في الدار محصور — فقال: إنهم قد حِيل بينهم وبين الماء، فقال طلحة: أما حتى تُعطي بنو أميةَ الحقَّ من أنفسها فلا»
المتون الكاملةاتّحادُ المدارتحرير محلّ النزاع خريطة الإسنادالجرح والتعديلنقد المتنقيادة الحصاراختبار المرآةمصفوفة الحكم

يدور على هذا الأثر أحدُ أشهرِ ما يُرمى به طلحةُ بن عبيد الله رضي الله عنه: أنه منع الماءَ عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وأنه من المحاصِرين المشاركين في دمه. وقد جرت العادة في الردّ عليه أن يُسلَك مسلكُ التضعيف الإسنادي — بجهالة حيّان بن بشر، وبانقطاعٍ مزعوم بين عمر بن شبة وسفيان بن عيينة. وهذه الدراسة تُراجع ذلك المسلك بالمصادر نفسها، فتنتهي إلى أن العلّتين المشهورتين لا تصحّان، وأن الردّ الصحيح المُحكَم يقوم على أمرين آخرين: اتّحادِ مدار الطرق كلِّها على إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر، وتحريرِ ما يدلّ عليه المتن حقيقةً — إذ ليس فيه أن طلحة منع الماء أصلًا.

تنبيه منهجي مقدَّم: تصحيحُ الطريق إلى الراوي الأخير شيء، وثبوتُ المشهد التاريخي شيء آخر، والدلالةُ التي تُلصَق بالمشهد شيء ثالث. وأكثرُ الغلط في هذا الباب — من الطاعنين ومن المدافعين معًا — إنما جاء من الخلط بين هذه المراتب الثلاث.

أولًا: المتون كاملة بنصوصها الأصلية

1. لفظ «المصنَّف» لابن أبي شيبة (ح ٤٠٤٧٢) — وليس فيه ذكرُ الماء

عن حكيم بن جابر قال: «لمّا حُصِر عثمانُ أتى عليٌّ طلحةَ وهو مستندٌ إلى وسائدَ في بيته، فقال: أنشدُك اللهَ، لمّا رددتَ الناسَ عن أمير المؤمنين فإنه مقتول. فقال طلحة: لا واللهِ حتى تُعطيَ بنو أميةَ الحقَّ من أنفسها».
صحّح المحقق سعدُ بن ناصر الشثري إسنادَه في طبعته. والمناطُ هنا: طلبُ ردِّ الناس، لا الماء. ولا ذِكرَ للماء في هذا اللفظ بحال.

2. لفظ «أخبار المدينة» لعمر بن شبة (ج٦ ص٧٠–٧١) — وهنا تظهر زيادةُ الماء

قال سفيان: وحدثنا إسماعيلُ بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر قال: «كلَّم عليٌّ طلحةَ — وعثمانُ في الدار محصور — فقال: إنهم قد حِيل بينهم وبين الماء، فقال طلحة: أما حتى تُعطيَ بنو أميةَ الحقَّ من أنفسها فلا».
القائلُ «إنهم قد حِيل بينهم وبين الماء» هو عليٌّ رضي الله عنه مُخبِرًا مُستنجِدًا، لا طلحةُ مُقِرًّا. فالجملةُ خبرٌ عن فعل المحاصِرين، لا إسنادُ فعلٍ إلى طلحة.

3. اللفظ الآخر عند ابن شبة في السياق نفسه — إعلانُ طلحة ندمَه

حدثنا حيّانُ بن بشر قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثني سفيانُ بن عيينة، عن إسماعيلَ بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر قال: «سمعتُ طلحةَ بنَ عبيد الله يقول يومَ الجمل: إنّا قد كنّا أدهنّا في أمر عثمان فلا بدّ من المبالغة».
ورَوى ابنُ شبة بعده أن طلحة قال يوم الجمل أيضًا: «اللهمّ أعطِ عثمانَ منّي اليومَ حتى ترضى». وهذان الخبران في الكتاب نفسه وبالإسناد نفسه الذي يُحتجّ به عليه — فمن صحّح ذاك لزمه تصحيحُ هذا.

ثانيًا: جدول التخريج

المصدرالموضع/الرقمالطريقحدُّ الدلالة
المصنَّف — ابن أبي شيبة (ت٢٣٥هـ)مج٢١ ص٤١٦–٤١٧، ح٤٠٤٧٢يعلى بن عبيد ← إسماعيل بن أبي خالد ← حكيم بن جابرمناشدةُ ردِّ الناس؛ بلا ماء
أخبار المدينة — عمر بن شبة (ت٢٦٢هـ)ج٦ ص٧٠–٧١حيّان بن بشر ← يحيى بن آدم ← سفيان بن عيينة ← إسماعيل ← حكيمفرعُ زيادة الماء؛ ولا تصريحَ بمباشرة طلحة للمنع
تاريخ الطبري (ت٣١٠هـ)ج٤عبد ربّه بن نافع (أبو شهاب) ← إسماعيل بن أبي خالد ← حكيم بن جابربنحوه؛ ويلتقي بالمدار نفسه
تاريخ دمشق — ابن عساكر (ت٥٧١هـ)إسماعيل بن مجالد ← بيان بن بشر ← قيس بن أبي حازم ← «مَن دخل على طلحة»متابعةٌ خارج المدار، لكنها تنتهي إلى مُبهَم
ما لا يُدرَج في الجدول حتى يُقفَل: ما يُنسَب إلى «الطبقات» لابن سعد و«أنساب الأشراف» للبلاذري و«الإمامة والردّ على الرافضة» لأبي نعيم — لا تُسوَّى هذه بالطرق المتقدمة حتى تُحرَّر طبعاتُها وألفاظُها وأسانيدُها كاملةً. ونحن نلتزم في المجلة ألّا نُثبت في جدول التخريج موضعًا لم نقف عليه بنصّه.

ثالثًا: الأسانيد كاملة غير مختصرة

الطريق الأول: يعلى بن عبيد — عند ابن أبي شيبة

قال ابن أبي شيبة: حدثنا يعلى بن عبيد، عن إسماعيلَ بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، قال: «لمّا حُصِر عثمانُ أتى عليٌّ طلحةَ وهو مستندٌ إلى وسائدَ في بيته، فقال: أنشدُك اللهَ، لمّا رددتَ الناسَ عن أمير المؤمنين فإنه مقتول. فقال طلحة: لا واللهِ حتى تُعطيَ بنو أميةَ الحقَّ من أنفسها».
يعلى بن عبيد الطنافسي من رجال الشيخين. فهذا إسنادٌ نظيفٌ إلى حكيم بن جابر، ليس فيه حيّانُ بن بشر ولا يحيى بن آدم ولا سفيان — أي أن العلَّتين المشهورتين لا أثرَ لهما فيه أصلًا.

الطريق الثاني: سفيان بن عيينة — عند ابن شبة

قال عمر بن شبة: حدثنا حيّانُ بن بشر قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثني سفيانُ بن عيينة، عن إسماعيلَ بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، قال: «سمعتُ طلحةَ بنَ عبيد الله يقول يومَ الجمل: إنّا قد كنّا أدهنّا في أمر عثمان فلا بدّ من المبالغة». قال سفيان: وحدثنا إسماعيلُ بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر قال: «كلَّم عليٌّ طلحةَ — وعثمانُ في الدار محصور — فقال: إنهم قد حِيل بينهم وبين الماء، فقال طلحة: أما حتى تُعطيَ بنو أميةَ الحقَّ من أنفسها فلا».
تحرير مهمّ: قولُه «قال سفيان: وحدثنا إسماعيل...» ليس إسنادًا مستأنفًا معلَّقًا من عمر بن شبة إلى سفيان، بل هو تتمّةُ الإسناد السابق نفسِه: فسفيانُ ساق في المجلس أثرًا ثانيًا، فحكاه عنه يحيى بن آدم، فحكاه عن يحيى حيّانُ بن بشر، فحكاه عن حيّان عمرُ بن شبة. فلا انقطاعَ في الموضع بحال.

الطريق الثالث: عبد ربّه بن نافع — عند الطبري

رواه الطبري بنحوه من طريق عبد ربّه بن نافع (أبي شهاب الحنّاط)، عن إسماعيلَ بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، به.
وعبدُ ربّه بن نافع من رجال الشيخين أيضًا. فصار لإسماعيلَ بن أبي خالد ثلاثةُ تلاميذَ ثقات يروون عنه هذا الخبر.

الطريق الرابع (خارج المدار): إسماعيل بن مجالد — عند ابن عساكر

رواه ابن عساكر من طريق إسماعيلَ بن مجالد، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم قال: «أخبرني مَن دخل على طلحة»، فذكره بمعناه.
موضعُ الضعف فيها: هذه المتابعةُ لا تمرّ بإسماعيل عن حكيم، فهي في الظاهر عاضدة. غير أنها تنتهي إلى راوٍ مُبهَم لم يُسمَّ، والمبهمُ لا تقوم به حجّة. ففائدتُها أنها تكشف أن أصلَ القصة كان يُتداول عمّن حضر، لا أنها تُقوّي زيادةَ الماء.

موضعُ العلّة الحقيقيّ: ما فوق حكيم بن جابر

حكيمُ بن جابر ثقةٌ باتفاق، وقد أدرك القوم وحضر يومَ الجمل بنصّ روايته («سمعتُ طلحةَ يقول يوم الجمل»). لكنه في مشهد الحوار بين عليٍّ وطلحة في البيت لم يقُل «سمعتُ» ولا «شهدتُ» ولا «أخبرني فلان». فتصحيحُ الطريق إليه لا يساوي معرفةَ طريقِه هو إلى المشهد. وهذه هي العلّةُ التي ينبغي أن يُبنى عليها التوقّف، لا جهالةُ حيّان ولا الانقطاعُ المزعوم.

رابعًا: شبكة الأسانيد ومقارنة الألفاظ

جدول مقارنة ألفاظ الروايات

اللفظالمصدر الأساسيعدد الطرقالدلالة
«لمّا رددتَ الناسَ عن أمير المؤمنين» — بلا ماءالمصنَّف لابن أبي شيبة١طلبُ وساطةٍ وامتناعٌ عنها
«إنهم قد حِيل بينهم وبين الماء» — بزيادة الماءأخبار المدينة لابن شبة١إخبارُ عليٍّ عن فعل المحاصِرين
«بنحوه»تاريخ الطبري١يلتقي بالمدار نفسه
«بمعناه» عن مُبهَمتاريخ دمشق لابن عساكر١خارج المدار، لكن في سنده مُبهَم

توزيع الروايات حسب فئات المصادر

فئة المصادرعدد المصادرعدد الطرقالمدار
المصنَّفات الحديثية١١إسماعيل ← حكيم
كتب التاريخ والبلدان٢٢إسماعيل ← حكيم
كتب التراجم الكبرى١١خارج المدار (وفيه مُبهَم)
الخلاصة الإحصائية: ثلاثةٌ من أربعةِ طرقٍ تلتقي عند إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر. فالكتبُ متعدّدة والشاهدُ واحد. وتعدُّدُ المصنَّفات لا يُنتج تعدُّدَ الشهود، ولا يحمل الفرعُ الخالي من الماء زيادةَ الفرع الآخر.

خامسًا: خريطة الأسانيد

خريطة أسانيد أثر حيل بينهم وبين الماء
اتّحادُ المدار: ثلاثةُ تلاميذَ ثقاتٍ لإسماعيل بن أبي خالد، وكلُّهم عن حكيم بن جابر. والحلقةُ الحمراء المتقطّعة أعلى حكيم هي موضعُ العلّة: مصدرُه للمشهد غير مصرَّح به. ولاحظ أن فرعَ «أخبار المدينة» وحدَه هو الذي فيه زيادةُ الماء.
المتابعة الخارجة عن المدار وأخبار ندم طلحة
يمينًا: أخبارُ ندم طلحة رضي الله عنه ورجوعه، وهي في «أخبار المدينة» نفسِه وبالإسناد نفسِه. ويسارًا: متابعةُ ابن عساكر الخارجةُ عن المدار، وهي تنتهي إلى راوٍ مُبهَم فلا تُقوّي زيادةَ الماء.

سادسًا: خريطة انتشار الأثر في المدارس الحديثية

هذا الأثرُ كوفيُّ المنشأ بامتياز: مدارُه ورواتُه الأُوَل كلُّهم كوفيّون، ثم انتشر عنهم إلى مكة وبغداد. وهذه ملاحظةٌ منهجيةٌ ذاتُ دلالة، إذ الكوفةُ هي البيئةُ التي نشطت فيها روايةُ أخبار الفتنة بأوجهها المختلفة.

مدرسة الكوفة (المنشأ)

يعلى بن عبيد الطنافسي ← إسماعيل بن أبي خالد ← حكيم بن جابر الأحمسي
يحيى بن آدم ← سفيان بن عيينة ← إسماعيل بن أبي خالد ← حكيم بن جابر
إسماعيل بن مجالد ← بيان بن بشر ← قيس بن أبي حازم ← مُبهَم

مدرسة مكة

سفيان بن عيينة (نزيل مكة، وأصلُه كوفيّ) ← إسماعيل بن أبي خالد ← حكيم بن جابر

مدرسة بغداد وأصبهان

عمر بن شبة النميري ← حيّان بن بشر الأسدي (قاضي أصبهان ثم الشرقية ببغداد) ← يحيى بن آدم

سابعًا: الرواة جرحًا وتعديلًا

الراويترجمتُه وأقوالُ النقادخلاصةُ الحكم
حكيم بن جابر بن طارق الأحمسي الكوفي (ت في آخر ولاية الحجاج)تابعيٌّ كوفيّ، أبوه جابرُ بن طارق صحابيّ. روى عن عمر وابن مسعود وعبادةَ بن الصامت وأبيه؛ وروى عنه إسماعيلُ بن أبي خالد وبيانُ بن بشر وطارقُ بن عبد الرحمن. قال ابن معين — برواية إسحاق بن منصور —: «ثقة». وقال العجلي: «كوفيٌّ ثقة». ووثّقه النسائي. وقال ابن سعد: «تُوفي في آخر ولاية الحجاج وكان ثقةً قليلَ الحديث». وذكره ابنُ حبان في «الثقات»، وابنُ خلفون في جملة الثقات.ثقة — لكنّه لم يُصرِّح بمصدره في مشهد الحوار
إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي الكوفي (ت١٤٦هـ)من كبار أصحاب الحديث بالكوفة، ومن رجال الجماعة، وهو مدارُ هذا الأثر؛ روى عنه فيه ثلاثةٌ ثقات.ثقة ثبت
يعلى بن عبيد الطنافسي (ت٢٠٩هـ)كوفيٌّ من رجال الشيخين، وهو راوي لفظِ «المصنَّف» الخالي من ذكر الماء.ثقة
سفيان بن عيينة الهلالي (ت١٩٨هـ)إمامُ أهل مكة في الحديث، حافظٌ حجّة. وقولُه في النصّ «قال سفيان: وحدثنا إسماعيل» استمرارٌ للسند السابق لا تعليقٌ مستأنف.إمام حافظ حجّة
عبد ربّه بن نافع، أبو شهاب الحنّاطمن رجال الشيخين، وهو راوي طريق الطبري.ثقة
يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي (ت٢٠٣هـ)ثقةٌ حافظ من رجال الجماعة؛ وهو الواسطةُ الظاهرة بين حيّان وسفيان.ثقة حافظ
حيّان بن بشر بن المخارق، أبو بشر الأسديله ترجمةٌ في «تاريخ بغداد» (٩/٢١٣–٢١٥ رقم ٤٣٣٦): سمع هشيمًا وأبا يوسف القاضي ويحيى بن آدم وأبا معاوية الضرير؛ وروى عنه بشرُ بن موسى وابنُ الجنيد وأبو القاسم البغوي. وَلِيَ قضاءَ أصبهان أيام المأمون ثم قضاءَ الشرقية للمتوكل. وسُئل عنه ابن معين فقال: «ليس به بأس... لا بأس به، وادعٌ ساكن»، وأنكر ما رُمي به من قول جهم وقال: «معاذ الله، هذا باطلٌ وكذب». وقيل فيه: «كان من جِلّة أصحاب الحديث».لا بأس به (ابن معين) — ودعوى جهالته مردودة
إسماعيل بن مجالد / بيان بن بشر / قيس بن أبي حازمرجالُ متابعة ابن عساكر. وقيسُ بن أبي حازم ثقةٌ مخضرم، لكنه لم يُسمِّ شيخَه فيها.في السند مُبهَم لا يُحتجّ به

ثامنًا: أقوال الأئمة والمحققين — وتحريرُ محلّ الخلاف

المسألةُ عند التحقيق ذاتُ قولين معاصرَين، ونحن نسوق كلَّ قولٍ بحجّته ثم نُبيّن ما نختاره، لا نُخفي أحدَهما:

القائلحكمُه وحجّتهالمناقشة
محقّق «موسوعة محاسن الإسلام وردّ شبهات اللئام» (المجلد السابع)ضعيف. واستدلّ بعلّتين: (١) أن حيّان بن بشر ذكره ابنُ أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٣/٢٤٨) ولم يذكر فيه شيئًا، فمثلُه مجهول. (٢) أنه منقطعٌ بين عمر بن شبة وسفيان بن عيينة؛ إذ لم يُذكر سفيانُ في شيوخ عمر بن شبة، ولا عمرُ في تلاميذ سفيان، وإنما يروي عنه بواسطةٍ في سائر كتابه. وزاد: مخالفةُ المتن لما ثبت من نُصرة طلحة.العلّتان لا تسلمان: أما الأولى فسكوتُ ابن أبي حاتم لا يُثبت جهالةً مع تنصيص ابن معين على أنه «لا بأس به»، وهي عند ابن معين عبارةُ تعديل. وأما الثانية فقولُ ابن شبة «قال سفيان» متّصلٌ بالسند السابق بواسطة حيّان عن يحيى بن آدم، لا تعليقٌ مبتدأ. وأهمُّ من ذلك: أن ابن أبي شيبة رواه من طريق يعلى بن عبيد، ليس فيه حيّانُ ولا سفيان، فسقطت العلّتان معًا.
سعد بن ناصر الشثري (محقّق «المصنَّف»)صحّح إسنادَ لفظِ «المصنَّف» (ح٤٠٤٧٢) — وهو اللفظُ الذي لا ذكرَ للماء فيه.ويلزم من قَبِله ألّا يُحمِّل هذا اللفظَ زيادةً ليست فيه، فيُنسَب إلى الأثر ما لا يقوله.
مركز الفتوى — إسلام ويب (فتوى ١٢٠٧٥١)«رجالُه كلُّهم ثقاتٌ رجالُ الشيخين، عدا حكيمِ بن جابر فثقةٌ من رواة السنن»، ونقل تعديلَ ابن معين لحيّان، وأخرج متابعتَي ابن أبي شيبة والطبري ومتابعةَ ابن عساكر.هو الأدقُّ في تحرير حال الرجال. لكنّ إثباتَ عدالةِ الرجال شيء، وإثباتَ سماعِ حكيمٍ للمشهد شيءٌ آخر لم يُتعرَّض له.
شيخ الإسلام ابن تيمية — «منهاج السنة»«وكذلك طلحةُ ندم على ما ظنّ من تفريطه في نصر عثمان... ولكن نحن نعلم أن التوبةَ مشروعةٌ لكلِّ عبد، للأنبياء ولمن دونهم، وأن الله سبحانه يرفع عبدَه بالتوبة، وإذا ابتلاه بما يتوب منه فالمقصودُ كمالُ النهاية لا نقصُ البداية».وهذا هو المخرجُ المنهجيّ الجامع: لا يحتاج إلى ردّ الرواية، ولا يُسلِّم بالدعوى المركّبة.
اختيارُ المجلةالطريقُ إلى حكيم قويٌّ في ظاهره، والخبرُ محجورٌ عن إثبات الاتهام.لا نُضعّفه بعلّتين ثبت خطؤهما، ولا نُصحّح به دعوى منعِ الماء التي لا يقولها المتنُ أصلًا.

نقدُ المتن (١): ماذا يقول الأثرُ حقًّا؟

أخطرُ ما في هذه الشبهة أنها تُبنى على قفزةٍ من نصٍّ إلى دعوى لا يحملها النصّ. فالمتنُ — على فرض ثبوت المشهد بتمامه — أقصى ما فيه: أن عليًّا طلب من طلحة وساطةً في ردّ الناس، وأن طلحة امتنع حتى تُعطيَ بنو أميةَ الحقَّ من أنفسها. وليس فيه: نصبُ حرسٍ على الماء، ولا إصدارُ أمرٍ بمنعه، ولا قيادةُ المحاصِرين، ولا مباشرةُ الاقتحام أو القتل. فالانتقالُ من «امتناعٍ عن وساطةٍ مطلوبة» إلى «مسؤوليةٍ جنائيةٍ عن الدم» انتقالٌ بلا دليل.

ويزيد المتنُ إشكالًا من جهةٍ أخرى: فهو يفترض لطلحة سلطةً على المحاصِرين ثم لا يُبيّن مصدرَها — أيُّ فصيلٍ كان يُطيعه؟ ومن أين جاءته تلك السلطة؟ ولماذا لم يباشر عليٌّ الدورَ نفسَه وقد وُصف في روايةٍ أخرى بأن له عند الناس قدرًا يسمعون منه؟ وهذه حلقةٌ تفسيريةٌ مفقودة تضع عبءَ الإثبات على الخبر لا على مَن توقّف فيه.

نقدُ المتن (٢): مَن كان يقود الحصارَ فعلًا؟

تفترض الدعوى أن طلحةَ كان يملك مفتاحَ الحصار: يمنع الماءَ إن شاء ويأذن به إن شاء. وهذا يصادم ما تُطبِق عليه كتبُ التاريخ في وصف بنية المحاصِرين: فقد قدموا أخلاطًا من ثلاثة أمصار — مصرَ والكوفةِ والبصرة — ولكلِّ رفقةٍ أميرُها: عبد الرحمن بن عُديس البلوي، وكنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران السكوني، وقُتَيرة السكوني، وعلى القوم جميعًا الغافقيُّ بن حرب العكّي؛ ومع أهل الكوفة الأشترُ النخعي وزيدُ بن صوحان وزيادُ بن النضر، ومع أهل البصرة حرقوصُ بن زهير السعدي وحكيمُ بن جبلة العبدي.

موضعُ الإشكال: ليس في هذه القيادات كلِّها رجلٌ واحدٌ من أتباع طلحة ولا من بني تيم. فمن أين له أن يمنع الماءَ أو يأذن به؟ والرواية تنسب إليه نفوذًا ولا تُقيم عليه دليلًا — وافتراضُ النفوذ لا يصلح دليلًا على النفوذ. وكان كبارُ الصحابة أنفسُهم في المدينة أقربَ إلى المغلوبين على أمرهم منهم إلى المتحكّمين.

نقدُ المتن (٣): اختبارُ التماسك الداخلي — عثمانُ نفسُه أرسل إلى طلحة يطلب الماء

وهذه أقوى ما في الباب، وهي من داخل المدوّنة التاريخية نفسِها التي يُستخرج منها الاتهام: فقد جاء في أخبار الحصار أن عثمان رضي الله عنه — لمّا اشتدّ به الأمر — أرسل إلى عليٍّ سرًّا، وإلى طلحةَ والزبيرِ وأزواجِ النبي ﷺ: «إنهم قد منعوني الماء، فإن قدرتم أن تُرسلوا إلينا ماءً فافعلوا». وفيها أيضًا أن عليًّا وأمَّ حبيبةَ نالهما الأذى حين حاولا ذلك، وأن عثمان بقي يسقيه آلُ حزمٍ في الغَفَلات.

وجهُ الدلالة: عثمانُ رضي الله عنه هو أعلمُ الناس بمَن يمنع عنه الماء. فلو كان طلحةُ هو المانع، لكان إرسالُه إليه يستجديه الماءَ عبثًا لا يُتصوَّر من عاقل. فالخبرُ يشهد بأن الخليفةَ المحصورَ كان يَعُدّ طلحةَ من جهة الغوث لا من جهة الحصار، وأن المانعين هم المحاصِرون («إنهم قد منعوني») — وهو عينُ ما في لفظ الأثر محلِّ الدراسة: «إنهم قد حِيل بينهم وبين الماء»، بضمير الغائب الجمع العائد على المحاصِرين لا على طلحة.

نقدُ المتن (٤): اختبارُ المرآة — الكيلُ بمكيالين في أخبار «الهوى»

ومن أخبار الحصار أن الوافدين لمّا قاربوا المدينة تفرّقوا: فنزل ناسٌ من أهل البصرة ذا خُشُب وكان هواهم في طلحة، وتقدّم ناسٌ من أهل الكوفة وكان هواهم في الزبير، وجاء ناسٌ من أهل مصر وكان هواهم في عليٍّ.

اختبارُ المرآة: فإن صحّت هذه الأخبار فهي تُوزّع «الهوى» على الثلاثة توزيعًا متماثلًا، ولا تخصّ طلحةَ بشيء. ومن احتجّ بها على طلحة لزمه أن يحتجّ بها على عليٍّ والزبير بالقدر نفسِه — وهو ما لا يقوله ولا نقوله. وميلُ طائفةٍ إلى رجلٍ ليس فعلًا من الرجل، ولا يُحمَّل أحدٌ تبعةَ مَن رفع اسمَه بغير إذنه. فالاحتجاجُ الانتقائي بهذه الأخبار كيلٌ بمكيالين، وهو أوضحُ ما يكشف الغرضَ من وراء الشبهة.

نقدُ المتن (٥): أبناءُ الصحابة على الباب بأمر آبائهم

قال ابن كثير في «البداية والنهاية» في ذكر الحصار: «وسار إليه جماعةٌ من أبناء الصحابة عن أمرِ آبائهم، منهم: الحسنُ والحسينُ، وعبدُ الله بن الزبير — وكان أميرَ الدار — وعبدُ الله بن عمرو، وصاروا يُحاجّون عنه ويُناضلون دونه أن يصل إليه أحدٌ منهم».

تحريرُ حدود هذا الدليل: قوله «عن أمر آبائهم» نصٌّ في أن كبار الصحابة وجّهوا أبناءهم للذبّ عن الدار — وهذا يُعارض صورةَ الصحابة المتخاذلين أو المؤلِّبين. غير أنّا نُنبّه على أن ابن كثير في هذا الموضع لم يُسمِّ محمدَ بن طلحة ضمن مَن عدّ، وإنما سمّى الحسنَ والحسينَ وابنَ الزبير وابنَ عمرو. فمن أراد إدخالَ ابن طلحة في العدّ فليأتِ بموضعٍ يذكره بعينه؛ ولا نُثبت في المجلة ما لم نقف عليه بنصّه، وإن كانت العبارةُ العامة تشمل صنيعَ الآباء جملةً.

وماذا عن الأخبار المضادّة التي يُحتجّ بها؟

يُحتجّ في المقابل بثلاثة أصناف، ولكلٍّ جوابُه:

الخبر المحتجّ بهمصدرهالجواب
«كان طلحةُ قد استولى على حصار عثمان مع نفرٍ من بني تيم»«الفتوح» لابن أعثم الكوفيابنُ أعثم إخباريٌّ متروكٌ عند أهل الحديث، وكتابُه من أضعف ما يُعتمد في الفتن، ولا إسنادَ لهذا الخبر يُنظر فيه.
«أكثرُ مَن كان يؤلّب على عثمان طلحةُ والزبيرُ وعائشة»«تاريخ اليعقوبي»اليعقوبيُّ مؤرّخٌ شيعيُّ النزعة يسوق أخبارَه بلا أسانيد، وهو خصمٌ في محلّ النزاع فلا يُحتجّ بتفرّده.
«اللهمّ اكفني طلحةَ بن عبيد الله فإنه حمل عليّ هؤلاء وألّبهم»«تاريخ الطبري»من أخبار الإخباريين التي لم تُقفل أسانيدُها، ويُعارضه إرسالُ عثمان إلى طلحة نفسِه يستمدّه الماء — ولا يجتمعان.
قاعدةُ المجلة في هذا الباب: لا نردّ خبرًا لأنه ضدَّنا، ولا نقبله لأنه معنا؛ وإنما نطلب الإسنادَ ونطالب بالتماسك الداخلي. وما تقدّم من أخبار — لنا وعلينا — أكثرُه من مرويّات الإخباريين التي لا تُقفَل أسانيدُها، وهو سببُ توقّفنا عن بناء اتهامٍ أو براءةٍ مطلقةٍ عليها، واكتفائنا بردّ الدعوى إلى حدّها.

وما لا يصلح علّةً قاطعة — إنصافًا في المنهج

التزامًا بالأمانة العلمية نُنبّه على ثلاثةِ استدلالاتٍ شائعةٍ في الدفاع عن طلحة، لا تصلح أن تُبنى عليها العلّة وحدها:
مطالبتُه بدم عثمان يوم الجمل لا تمحو آليًّا كلَّ موقفٍ سابق؛ فاختلافُ المرحلة يسمح بالتحوّل والندم — بل الندمُ ثابتٌ عنه بنصّه.
فضائلُ طلحة الثابتة وكونُه من العشرة المبشَّرين لا تقوم مقامَ نقد السند؛ فالفضلُ لا يُصحِّح ولا يُضعِّف إسنادًا.
دعوى أن طلحة هو الذي أرسل الماء إلى عثمان لم نقف لها على روايةٍ صحيحةٍ مُقفَلة؛ والذي وقفنا عليه أن عثمان طلب الماءَ من عليٍّ وطلحةَ والزبيرِ وأمهاتِ المؤمنين، وأن الذي كان يسقيه هم آلُ حزم في الغَفَلات. وفرقٌ بين «طُلِب منه» و«أرسل»؛ فالأولى ثابتةٌ في السياق والثانية تحتاج إسنادًا. فلا نُثبتها حتى تُحرَّر.
إعلالُ الخبر بعنعنة إسماعيل بن أبي خالد لا يستقيم: فإسماعيلُ ليس معدودًا في المدلّسين، والعنعنةُ إنما تُعِلّ في حقّ المدلّس أو المعاصر الذي لم يثبت لقاؤه. وقد ثبتت روايةُ إسماعيل عن حكيم بن جابر واشتُهرت حتى عُدّ إسماعيلُ من أشهر الرواة عنه. فالتعليلُ بها تكلُّفٌ يُضعف الحجّة لا يُقوّيها.
دعوى أن لفظ «بنو أمية» إسقاطٌ سياسيٌّ متأخر لا تصحّ عندنا: فمطالبُ الوافدين كانت تدور على عزل ولاةٍ بأعيانهم، وأكثرُهم من بني أمية — كالوليد بن عقبة وسعيد بن العاص وعبد الله بن أبي سرح ومروان. فاللفظُ مطابقٌ لخطاب المرحلة، لا غريبٌ عنها. والاحتجاجُ بغرابته يُضعف الردَّ لأنه يُسلّم للخصم أن نقدَنا مبنيٌّ على الذوق لا على الصناعة.

مصفوفةُ الحكم

الدعوىالحكمالتعليل
باشَر طلحةُ منعَ الماء عن عثمانلا يثبتلا يُصرّح به أيُّ لفظ، وزيادةُ الماء منفردةٌ بفرعٍ واحد
قاد طلحةُ المحاصِرين أو شارك في الدملا يثبتقفزةٌ من امتناعٍ عن وساطة إلى مسؤوليةٍ جنائية
ورد خبرٌ في طلب ردّ الناس والامتناع عنهثابتٌ إلى حكيمٍ ظاهرًاطريقُ «المصنَّف» صحّحه محقّقه
حيّان بن بشر مجهولمردودتعديلُ ابن معين الصريح في «تاريخ بغداد»
عمر بن شبة يُعلّق عن سفيان فينقطع السندمردودالسياقُ يحفظ: حيّان ← يحيى بن آدم ← سفيان
المتنُ منكَرٌ لمجرّد موقف الجمللا يكفياختلافُ الزمن يسمح بالتحوّل والندم
تعدُّدُ الكتب يُقوّي الخبرمردودثلاثةُ طرقٍ تلتقي عند مدارٍ واحد: إسماعيل عن حكيم
ندمُ طلحة ورجوعُه ثابتثابتٌ بالإسناد نفسه«أدهنّا في أمر عثمان فلا بدّ من المبالغة» — عند ابن شبة
كان لطلحة نفوذٌ على المحاصِرينلا دليل عليهالقيادةُ للغافقيّ ورؤساء الرفاق، وليس فيهم أحدٌ من أتباعه
عثمانُ عدّ طلحةَ من المانعينيُعارضه السياقأرسل إليه هو والزبيرَ وعليًّا يطلب الماء: «إنهم قد منعوني»
أخبارُ «الهوى» تخصّ طلحةَ بالتهمةمردودتوزّع الهوى على الثلاثة معًا؛ والاحتجاجُ الانتقائي كيلٌ بمكيالين
لفظُ «بنو أمية» إسقاطٌ متأخرلا يصلح علّةمطالبُ الوافدين دارت على عزل ولاةٍ أكثرُهم أمويّون
عنعنةُ إسماعيل بن أبي خالد علّةمردودليس بمدلِّس، وروايتُه عن حكيم مشهورة ثابتة

تاسعًا: الخلاصة

✦ الحكم النهائي المنضبط
لا يثبت اتهامُ طلحةَ بن عبيد الله رضي الله عنه بأنه منع الماءَ عن عثمان رضي الله عنه، أو قاد المحاصِرين، أو شارك في الاقتحام والقتل.

من جهة الإسناد: الطريقُ إلى حكيم بن جابر قويٌّ في ظاهره، ولا يصحّ ردُّه بجهالة حيّان بن بشر — وقد عدّله ابنُ معين — ولا بانقطاعٍ بين ابن شبة وسفيان، وقولُه «قال سفيان» متّصلٌ بما قبله. لكنّ الطرقَ الثلاثةَ تلتقي عند مدارٍ واحد هو إسماعيلُ بن أبي خالد عن حكيم بن جابر، فتعدُّدُ الكتب لا يُنتج تعدُّدَ الشهود. والعلّةُ الحقيقية فوق حكيم: لم يُصرّح بكيفية بلوغ المشهد إليه، ولا شهِد الحوارَ ولا سمّى مَن أخبره.

من جهة المتن: زيادةُ «الماء» منفردةٌ بفرع «أخبار المدينة»، ولفظُ «المصنَّف» — وهو المصحَّح — خالٍ منها بالكلّية، فلا يشهد أحدُهما للآخر. ثم إن الأثر — لو ثبت بتمامه — لا يقول إن طلحة منع الماء؛ بل القائلُ «حِيل بينهم وبين الماء» هو عليٌّ مُخبِرًا عن فعل المحاصِرين، وغايةُ ما فيه امتناعُ طلحة عن وساطةٍ طُلبت منه.

ومن جهة التماسك الداخلي: الرواية تفترض لطلحةَ نفوذًا على المحاصِرين ولا تُقيم عليه دليلًا، والقيادةُ الثابتة إنما كانت للغافقيّ بن حرب ورؤساءِ الرفاق من مصرَ والكوفةِ والبصرة، وليس فيهم أحدٌ من أتباعه. بل إن عثمانَ رضي الله عنه أرسل إلى طلحةَ نفسِه — مع عليٍّ والزبيرِ وأمهاتِ المؤمنين — يقول: «إنهم قد منعوني الماء، فإن قدرتم أن تُرسلوا إلينا ماءً فافعلوا». ولو كان طلحةُ هو المانعَ لَما استجداه المحصورُ الماء. وهذا وحدَه يهدم الدعوى من داخل المدوّنة التي استُخرجت منها.

ومن جهة الإنصاف: الكتابُ الذي يُحتجّ منه على طلحة هو نفسُه الذي حفِظ إعلانَه الندمَ والرجوع: «إنّا قد كنّا أدهنّا في أمر عثمان فلا بدّ من المبالغة»، و«اللهمّ أعطِ عثمانَ منّي اليومَ حتى ترضى» — ثم بذل دمه يوم الجمل مطالبًا بدم عثمان. فمن أخذ شطرَ الكتاب وترك شطرَه فقد تحكَّم.

فالصيغةُ العلمية الجامعة: الخبرُ محجورٌ عن بناء الاتهام السياسيّ والجنائيّ الواسع؛ وهو غايتُه اجتهادٌ خاطئٌ في موقف، اعترف صاحبُه بخطئه فيه ورجع عنه، والتوبةُ مشروعةٌ لكلّ عبد، والمقصودُ كمالُ النهاية لا نقصُ البداية.

عاشرًا: المصادر والمراجع

  1. ابن أبي شيبة (ت٢٣٥هـ)، المصنَّف، تحقيق سعد بن ناصر الشثري، ط١، دار كنوز إشبيليا، الرياض، ١٤٣٦هـ، مج٢١ ص٤١٦–٤١٧، ح٤٠٤٧٢.
  2. عمر بن شبة النميري (ت٢٦٢هـ)، أخبار المدينة النبوية، دراسة وتحقيق د. العربي الدائز الفرياطي، ج٦ ص٧٠–٧١ (وج٤ في بعض الطبعات).
  3. الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ)، تاريخ بغداد، تحقيق بشار عوّاد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ج٩ ص٢١٣–٢١٥، ترجمة رقم ٤٣٣٦ (حيّان بن بشر بن المخارق).
  4. ابن أبي حاتم الرازي (ت٣٢٧هـ)، الجرح والتعديل، ٣/٢٤٨ (حيّان بن بشر)، وباب الجيم رقم ٨٧٢ (حكيم بن جابر).
  5. المزّي (ت٧٤٢هـ)، تهذيب الكمال، تحقيق بشار عوّاد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ٧/١٦٢–١٦٣ (حكيم بن جابر).
  6. ابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)، تهذيب التهذيب، ١/٤٧٢؛ وتقريب التهذيب.
  7. مُغلطاي (ت٧٦٢هـ)، إكمال تهذيب الكمال، ٤/١١٤.
  8. العجلي (ت٢٦١هـ)، معرفة الثقات؛ وابن حبان (ت٣٥٤هـ)، الثقات.
  9. الطبري (ت٣١٠هـ)، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ج٤.
  10. ابن عساكر (ت٥٧١هـ)، تاريخ دمشق، ترجمة طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.
  11. ابن تيمية (ت٧٢٨هـ)، منهاج السنة النبوية.
  12. ابن كثير (ت٧٧٤هـ)، البداية والنهاية، ج٧، «ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه».
  13. ابن العربي المعافري (ت٥٤٣هـ)، العواصم من القواصم، تحقيق محبّ الدين الخطيب.
  14. أخبارُ أمراء الرفاق وقيادة الغافقي بن حرب العكّي: تاريخ الطبري (رواية سيف بن عمر)، وأنساب الأشراف للبلاذري — تُساق للتوصيف العام لبنية المحاصِرين لا للاحتجاج الإسنادي المفرد.
  15. موسوعة محاسن الإسلام وردّ شبهات اللئام، المجلد السابع (شبهات حول الصحابة)، دار الآثار الإسلامية، ص٥٤٥.
  16. مركز الفتوى — إسلام ويب، فتوى رقم ١٢٠٧٥١: «هل قصَّر طلحة في نصرة عثمان بن عفان».
مجلة معاوية بن أبي سفيان — نقد الرواية وصناعة الذاكرة

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.