حديثُ الاستِخلاف — إشارةُ النبيِّ ﷺ إلى خلافةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق «لقد هَمَمْتُ أن أُرسِلَ إلى أبي بكرٍ وابنِه فأعهَدَ... ثم قلتُ: يَأبى اللهُ ويَدفعُ المؤمنون» — «ويأبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أبا بكر»
هذا الحديثُ من أوضحِ ما استدلَّ به أهلُ السُّنَّةِ على أنَّ خلافةَ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضِي الله عنه كانت عن إشارةٍ نبويَّةٍ وتقديرٍ إلهيٍّ، لا عن مُغالبةٍ ولا صُدفة. فقد أخبرت أمُّ المؤمنين عائشةُ رضِي الله عنها أنَّ النبيَّ ﷺ في مرضِ موتِه هَمَّ أن يكتُبَ لأبي بكرٍ كتابًا يَعهَدُ إليه فيه بالخلافة، ثم عَدَلَ عن ذلك ثقةً بأنَّ اللهَ والمؤمنين لن يَختاروا سِواه؛ ولذلك ترجَمَ له البخاريُّ في «كتاب الأحكام» بـ«باب الاستخلاف». ومدارُ الحديثِ على عائشةَ، رواه عنها إمامان من فقهاء التابعين طريقَين مستقلَّين صحيحين: القاسمُ بنُ محمَّدِ بنِ أبي بكرٍ (عند البخاري)، وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ عن الزُّهريِّ (عند مسلم)؛ فهو حديثٌ متَّفقٌ عليه، تعضُدُه طرقٌ أُخرى عن ابنِ أبي مُلَيكةَ عن عائشة.
تنبيهٌ في الترقيم: اللفظُ الوارد في السؤال «البخاري ٧٢١٣» هو رقمُ حديثٍ آخَرَ في «باب بيعة النساء» على ترقيم بعض النُّسخ؛ أمَّا لفظُ الاستخلاف «لقد هَمَمْتُ أن أُرسِلَ إلى أبي بكرٍ وابنِه» فموضعُه في صحيح البخاري: كتاب الأحكام، باب الاستخلاف، حديث ٧٢١٧ (بترقيم فتح الباري)، وكرَّره البخاريُّ في كتاب المرضى، حديث ٥٦٦٦. وهو الموافقُ لِما ذكره السائلُ من الباب والمتن.
أولًا: المتون كاملة بنصوصها الأصلية
١. لفظ صحيح البخاري (٧٢١٧) — كتاب الأحكام، باب الاستخلاف — طريق القاسم بن محمد
قالت عائشةُ رضِي الله عنها: وارَأْساهْ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «ذاكِ لو كان وأنا حَيٌّ فأستغفِرُ لكِ وأدعو لكِ»، فقالت عائشةُ: واثُكْلِيَاهْ، واللهِ إني لأظُنُّكَ تُحِبُّ مَوتي، ولو كان ذاكِ لظَللتَ آخِرَ يومِكَ مُعَرِّسًا ببعضِ أزواجِكَ! فقال النبيُّ ﷺ: «بل أنا وارَأْساهْ، لقد هَمَمْتُ ـ أو أردتُ ـ أن أُرسِلَ إلى أبي بكرٍ وابنِه فأعهَدَ، أن يقولَ القائلونَ أو يتمنَّى المتمنُّونَ، ثم قلتُ: يأبى اللهُ ويَدفعُ المؤمنون، أو يَدفعُ اللهُ ويأبى المؤمنون».
حكمُ المصنِّف: أخرجه البخاريُّ في صحيحه محتجًّا به؛ فهو صحيحٌ اتِّفاقًا.
٢. لفظ صحيح البخاري (٥٦٦٦) — كتاب المرضى، باب قول المريض «إني وجِعٌ» أو «وارَأْساهْ»
قالت عائشةُ: وارَأْساهْ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «ذاكِ لو كان وأنا حَيٌّ، فأستغفِرُ لكِ وأدعو لكِ»، فقالت عائشةُ: واثُكْلِيَاهْ، واللهِ إني لأظُنُّكَ تُحِبُّ مَوتي، ولو كان ذاكَ لظَللتَ آخِرَ يومِكَ مُعَرِّسًا ببعضِ أزواجِكَ. فقال النبيُّ ﷺ: «بل أنا وارَأْساهْ، لقد هَمَمْتُ أو أردتُ أن أُرسِلَ إلى أبي بكرٍ وابنِه، وأعهَدَ أن يقولَ القائلونَ أو يتمنَّى المتمنُّونَ، ثم قلتُ: يأبى اللهُ ويَدفعُ المؤمنون، أو يَدفعُ اللهُ ويأبى المؤمنون».
هو نفسُ إسنادِ الطريقِ الأوَّلِ ومتنِه، بزيادةِ الواوِ في «وأعهَدَ»؛ كرَّره البخاريُّ في «المرضى» لموضِع الشاهدِ من قولها «وارَأْساهْ».
٣. لفظ صحيح مسلم (٢٣٨٧) — كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر — طريق عروة عن الزهري
قال لي رسولُ اللهِ ﷺ في مرضِه: «ادعي لي أبا بكرٍ وأخاكِ حتى أكتُبَ كتابًا، فإني أخافُ أن يتمنَّى مُتمنٍّ ويقولَ قائلٌ: أنا أَولى، ويأبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أبا بكر».
حكمُ المصنِّف: أخرجه مسلمٌ في صحيحه محتجًّا به؛ فهو صحيحٌ اتِّفاقًا. و«أخوكِ» هو عبدُ الرحمن بنُ أبي بكرٍ شقيقُ عائشة.
٤. لفظ مسند أحمد (٢٥١١٣ ط الرسالة) — طريق عروة عن الزهري بتمامه
دخل عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ في اليومِ الذي بُدِئَ فيه، فقلتُ: وارَأْساهْ، فقال: «وَدِدْتُ أنَّ ذلك كان وأنا حَيٌّ، فهَيَّأْتُكِ ودفنتُكِ»، قالت: فقلتُ غَيْرَى: كأني بك في ذلك اليومِ عروسًا ببعضِ نسائِك! قال: «وأنا وارَأْساهْ، ادعوا لي أباكِ وأخاكِ حتى أكتُبَ لأبي بكرٍ كتابًا، فإني أخافُ أن يقولَ قائلٌ ويتمنَّى مُتمنٍّ: أنا أَولى، ويأبى اللهُ عزَّ وجلَّ والمؤمنونَ إلَّا أبا بكر».
هو لفظُ مسلمٍ نفسُه من طريقِ عُروةَ عن الزُّهريِّ، لكن أتمُّ سياقًا. قال الألبانيُّ في «أحكام الجنائز» (ص١٨٧): «إسنادُه صحيحٌ على شرطِ الشيخين».
٥. لفظ سنن ابن ماجه (١٤٦٥) — كتاب الجنائز — طريق عبيد الله بن عبد الله عن الزهري
رجَعَ رسولُ اللهِ ﷺ من البقيعِ فوجَدَني وأنا أجِدُ صُداعًا في رأسي وأنا أقولُ: وارَأْساهْ، فقال: «بل أنا يا عائشةُ وارَأْساهْ». ثم قال: «ما ضَرَّكِ لو مِتِّ قبلي فقُمتُ عليكِ فغَسَّلتُكِ وكفَّنتُكِ وصلَّيتُ عليكِ ودفنتُكِ».
ضعيف: حكم عليه الشيخُ شعيبٌ ودارُ السلامِ بالضَّعف؛ في إسنادِه محمدُ بنُ إسحاقَ مُدلِّسٌ وقد عنعَن، ويعقوبُ بنُ عتبةَ. وهذا اللفظُ في «الغُسل» لا في الاستخلاف، وإنما هو قِطعةٌ من القِصَّة نفسِها.
٦. لفظ فضائل الصحابة لأحمد (٢٢٦) والمسند (٢٤١٩٩) — طريق ابن أبي مليكة
لمَّا ثَقُلَ رسولُ اللهِ ﷺ قال رسولُ اللهِ ﷺ لعبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ: «ائتِني بكَتِفٍ أو لَوحٍ حتى أكتُبَ لأبي بكرٍ كتابًا لا يُختَلَفُ عليه». فلمَّا ذهب عبدُ الرحمنِ ليقومَ، قال: «أبى اللهُ والمؤمنونَ أن يُختَلَفَ عليك يا أبا بكر».
شاهدٌ من طريقِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ المُلَيكيِّ عن ابنِ أبي مُلَيكةَ عن عائشة، ومن طريقِ أحمدَ أخرجه أبو نُعيمٍ في «فضائل الخلفاء». صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٦٩٠)، وأعلَّه أبو حاتمٍ بالإرسال.
٧. لفظ مسند الطيالسي (٣/١٠٤) — متابعة عبد العزيز بن رفيع
قال لي رسولُ اللهِ ﷺ في مرضِه الذي مات فيه: «ادعي لي عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ، أكتُبْ لأبي بكرٍ كتابًا لا يُختَلَفُ عليه بعدي». ثم قال: «دعيه، معاذَ اللهِ أن يختلِفَ المؤمنونَ في أبي بكر».
ضعيف الإسناد: فيه محمدُ بنُ أبانَ، ضعَّفه ابنُ معينٍ، وقال البخاريُّ: «ليس بالقويِّ»؛ لكنَّه متابعةٌ يتقوَّى بها أصلُ الطريق.
٨. لفظ مسند أحمد (٢٤٧٥١) — متابعة نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة
لمَّا كان وجَعُ النبيِّ ﷺ الذي قُبِضَ فيه، قال: «ادعوا لي أبا بكرٍ وابنَه فليكتُبْ، لكيلا يطمَعَ في أمرِ أبي بكرٍ طامعٌ، ولا يتمنَّى مُتمنٍّ». ثم قال: «يأبى اللهُ ذلك والمسلمون» ـ مرَّتين ـ. قالت عائشةُ: فأبى اللهُ والمسلمونَ ـ وقال مُؤمَّلٌ مرَّةً: والمؤمنونَ ـ إلَّا أن يكونَ أبي، فكان أبي.
ضعيف الإسناد: فيه مُؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، صدوقٌ سيِّئُ الحفظ؛ ورجَّح أبو حاتمٍ إرسالَه عن ابنِ أبي مُلَيكةَ عن النبيِّ ﷺ. وهو شاهدٌ للمعنى الثابتِ في الصحيحين.
ثانيًا: المصادر التي أخرجت الحديث (جدول التخريج)
المصدر
الموضع / الرقم
الطريق
صحيح البخاري
الأحكام، الاستخلاف · ٧٢١٧
يحيى بن يحيى ← سليمان بن بلال ← يحيى بن سعيد الأنصاري ← القاسم بن محمد ← عائشة
صحيح البخاري
المرضى · ٥٦٦٦
نفس الطريق (القاسم بن محمد) بلفظٍ مقارب
صحيح مسلم
الفضائل · ٢٣٨٧
عبيد الله بن سعيد ← يزيد بن هارون ← إبراهيم بن سعد ← صالح بن كيسان ← الزهري ← عروة ← عائشة
مسند أحمد
٢٥١١٣ (ط الرسالة)
يزيد بن هارون ← إبراهيم بن سعد ← صالح بن كيسان ← الزهري ← عروة ← عائشة
صحيح ابن حبان
٦٥٨٦
طريق الزهري عن عروة عن عائشة (شاهد صحيح للمعنى)
سنن ابن ماجه
الجنائز · ١٤٦٥
محمد بن يحيى الذهلي ← أحمد بن حنبل ← محمد بن سلمة ← ابن إسحاق ← يعقوب بن عتبة ← الزهري ← عبيد الله بن عبد الله ← عائشة
فضائل الصحابة لأحمد · المسند
٢٢٦ · ٢٤١٩٩
أبو معاوية ← عبد الرحمن بن أبي بكر المُلَيكي ← ابن أبي مليكة ← عائشة
فضائل الخلفاء لأبي نعيم
ص١٤٢
من طريق أحمد (السابق)
مسند الطيالسي
٣/١٠٤
محمد بن أبان ← عبد العزيز بن رفيع ← ابن أبي مليكة ← عائشة
مسند أحمد
٢٤٧٥١
مؤمل بن إسماعيل ← نافع بن عمر ← ابن أبي مليكة ← عائشة
الطبقات الكبرى لابن سعد
٣/١٦٥
عفان ← ... ← عبد الله بن أبي مليكة مرسلًا (رجَّحه أبو حاتم)
ثالثًا: الأسانيد كاملة غير مختصرة
الطريق الأول: القاسم بن محمد عن عائشة (طريق البخاري المحفوظ)
صحيح البخاري (٧٢١٧): حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، سمعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ قال: قالت عائشةُ رضِي الله عنها: وارَأْساهْ... [ثم ساق المتنَ التامَّ المذكورَ في القسم الأول].
صحيح البخاري (٥٦٦٦): حدثنا يحيى بنُ يحيى أبو زكرياءَ، أخبرنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ قال: قالت عائشةُ: وارَأْساهْ... بنحوِه.
إسنادٌ مدنيٌّ نظيفٌ، رجالُه كلُّهم ثقاتٌ من رجال الشيخين، والقاسمُ بنُ محمدٍ أحدُ فقهاءِ المدينةِ السبعةِ سمعه من عمَّتِه عائشةَ مباشرةً («سمعتُ»)، فلا عِلَّةَ فيه. وهو الطريقُ الذي انفرد به البخاريُّ بلفظ «لقد هَمَمْتُ أن أُرسِلَ إلى أبي بكرٍ وابنِه».
الطريق الثاني: عروة بن الزبير عن الزهري عن عائشة (طريق مسلم المحفوظ)
صحيح مسلم (٢٣٨٧): حدثنا عبيدُ اللهِ بنُ سعيدٍ، حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ، أخبرنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، حدثنا صالحُ بنُ كيسانَ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت: قال لي رسولُ اللهِ ﷺ في مرضِه: «ادعي لي أبا بكرٍ وأخاكِ...» [المتن التام].
مسند أحمد (٢٥١١٣): حدثنا يزيدُ، أخبرنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحِ بنِ كيسانَ، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت: دخل عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ في اليومِ الذي بُدِئَ فيه... [المتن التام الأطول].
إسنادٌ مدنيٌّ صحيحٌ على شرط الشيخين؛ الزُّهريُّ حافظٌ ثبتٌ صرَّح عنه صالحُ بنُ كيسانَ، وعروةُ من فقهاء المدينة السبعة، سمِعَ من خالتِه عائشةَ. فاجتمع للحديث مَداران صحيحان مستقلَّان عن عائشة: القاسمُ والزُّهريُّ.
الطريق الثالث: عبيد الله بن عبد الله عن الزهري (طريق ابن ماجه الضعيف)
سنن ابن ماجه (١٤٦٥): حدثنا محمدُ بنُ يحيى، حدثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، حدثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن يعقوبَ بنِ عتبةَ، عن الزُّهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن عائشةَ قالت: رجَعَ رسولُ اللهِ ﷺ من البقيعِ... [متن الغُسل التام].
وجه الضعف: مدارُه على محمدِ بنِ إسحاقَ صاحبِ المغازي وهو مدلِّسٌ عنعَنَ، وشيخُه يعقوبُ بنُ عتبةَ؛ فهو طريقٌ ضعيفٌ منفردٌ بلفظِ الغُسل، لكنَّ أصلَ قِصَّةِ «وارَأْساهْ» ثابتٌ في الصحيحين، فلا يضُرُّ ضعفُ هذه القطعة.
الطرق الرابعة فصاعدًا: طرق ابن أبي مليكة عن عائشة (شواهد ومتابعات)
فضائل الصحابة لأحمد (٢٢٦) والمسند (٢٤١٩٩): عن أبي معاويةَ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ القرشيُّ [المُلَيكيُّ]، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ: «لمَّا ثَقُلَ رسولُ اللهِ ﷺ... ائتِني بكَتِفٍ أو لَوحٍ...».
مسند الطيالسي (٣/١٠٤): حدثنا محمدُ بنُ أبانَ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رفيعٍ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ: «ادعي لي عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ، أكتُبْ لأبي بكرٍ كتابًا لا يُختَلَفُ عليه بعدي...».
مسند أحمد (٢٤٧٥١): حدثنا مؤمَّلٌ، حدثنا نافعٌ ـ يعني ابنَ عمرَ ـ، حدثنا ابنُ أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ: «ادعوا لي أبا بكرٍ وابنَه فليكتُبْ...».
الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/١٦٥): عفَّانُ، عن ... عبدِ اللهِ بنِ أبي مُلَيكةَ مرسلًا: «قال النبيُّ ﷺ لعائشةَ لما مرض: ادعوا لي عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ أكتُبْ لأبي بكرٍ كتابًا لا يُختَلَفُ عليه أحدٌ من بعدي...».
الاختلاف والترجيح: مدارُ هذه الشواهدِ على عبدِ اللهِ بنِ أبي مُلَيكةَ، واختُلِفَ عليه: فوصَله جماعةٌ عنه عن عائشةَ، وأرسَله آخرون عنه عن النبيِّ ﷺ. قال أبو حاتمٍ الرازيُّ في «العلل» (٦/٤٥٢): «... يُسْرةُ عن نافعٍ عن ابنِ أبي مُلَيكةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ..، مرسلٌ؛ وهو أشبَهُ». وضعَّف محقِّقو المسندِ طريقَ المُلَيكيِّ (٢٤١٩٩)، وصحَّح الألبانيُّ المجموعَ (الصحيحة ٦٩٠). فحاصلُه أنَّ هذه الطرقَ تتقوَّى إلى الحُسن لغيره، وأصلُ المتنِ صحيحٌ في الشيخين يُغني عنها.
رابعًا: شبكة الأسانيد والإحصائيات الشاملة
جدول مقارنة ألفاظ الروايات
اللفظ
المصدر الأساسي
عدد الطرق
الدلالة / الرتبة
«لقد هَمَمْتُ... يأبى اللهُ ويَدفعُ المؤمنون»
البخاري ٧٢١٧ · ٥٦٦٦
٢ (طريق القاسم)
لفظُ الاستخلافِ المتَّفقُ على صحَّتِه — انفرد به البخاري
«ويأبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أبا بكر»
مسلم ٢٣٨٧ · أحمد ٢٥١١٣
٢+ (طريق عروة)
لفظُ مسلمٍ الصحيح — مدارُه الزهري عن عروة
«ائتِني بكَتِفٍ أو لَوحٍ... أبى اللهُ والمؤمنون»
أحمد فضائل ٢٢٦ · المسند ٢٤١٩٩
١ (المُلَيكي)
شاهدٌ حسَّنه الألباني — أعلَّه أبو حاتم بالإرسال
«معاذَ اللهِ أن يختلِفَ المؤمنونَ في أبي بكر»
الطيالسي ٣/١٠٤
١ (ابن أبان)
متابعةٌ ضعيفةٌ يتقوَّى بها الطريق
«ادعوا لي أبا بكرٍ وابنَه فليكتُبْ...»
أحمد ٢٤٧٥١
١ (نافع/مؤمل)
متابعةٌ ضعيفةٌ (مؤمل سيِّئ الحفظ)
«ما ضَرَّكِ لو مِتِّ قبلي فغَسَّلتُكِ...» (الغُسل)
ابن ماجه ١٤٦٥
١ (ضعيف)
قِطعةٌ من القِصَّة بلفظِ الغُسل لا الاستخلاف
توزيع الروايات حسب فئات المصادر
فئة المصادر
عدد المصادر
عدد الطرق
الصحيحان (البخاري ومسلم)
٢
٣ طرق صحيحة
المسانيد (أحمد، الطيالسي)
٢
٣+ طرق
السنن (ابن ماجه)
١
١ طريق (ضعيف)
صحيح ابن حبان
١
١ طريق (صحيح)
كتب الفضائل والطبقات والعلل
٣
شواهد ومراسيل
جملةُ الطرقِ الصحيحةِ الثابتةِ عن عائشةَ طريقان مستقلَّان (القاسم، وعروة عن الزهري)، ويعضُدُهما نحوُ ٤+ طرقٍ عن ابنِ أبي مُلَيكةَ متفاوتةِ القوَّةِ ترتقي بمجموعها إلى الحُسن.
خامسًا: خريطة الأسانيد
الطريقان المحفوظان الصحيحان (القاسم عند البخاري، وعروة عن الزهري عند مسلم)، وطريق ابن ماجه الضعيف.شواهد المتن ومتابعاته من طرق عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة، وما فيها من وصلٍ وإرسال.
سادسًا: خريطة انتشار الحديث في المدارس الحديثية
يتَّضحُ من الأسانيدِ أنَّ القلبَ الصحيحَ لهذا الحديثِ مدنيٌّ خالصٌ؛ فكلا طريقَيه الصحيحَين مدارُهما على تابعيَّين من فقهاء المدينةِ السبعةِ (القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير)، ثم انتقلَ عنهما إلى بقيَّةِ الأمصار. أمَّا الشواهدُ فمدارُها على قاضي مكَّةَ ابنِ أبي مُلَيكة.
مدرسة المدينة (أصل الحديث الصحيح)
يحيى بن سعيد الأنصاري ← القاسم بن محمد بن أبي بكر ← عائشة (البخاري ٧٢١٧، ٥٦٦٦)
صالح بن كيسان ← الزهري ← عروة بن الزبير ← عائشة (مسلم ٢٣٨٧)
يعقوب بن عتبة ← الزهري ← عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ← عائشة (ابن ماجه ١٤٦٥)
مدرسة مكة (الشواهد)
عبد العزيز بن رفيع (المكي) ← عبد الله بن أبي مليكة (قاضي مكة) ← عائشة
نافع بن عمر الجُمَحي (المكي) ← ابن أبي مليكة ← عائشة
عبد الرحمن بن أبي بكر المُلَيكي (المكي) ← ابن أبي مليكة ← عائشة
مدرسة الكوفة (النَّقَلة)
أبو معاوية الضرير (الكوفي) ← عبد الرحمن المُلَيكي ← ابن أبي مليكة (في سند فضائل أحمد)
محمد بن أبان (الكوفي) ← عبد العزيز بن رفيع (في سند الطيالسي)
مدرسة البصرة وواسط وبغداد (النَّقَلة إلى الدواوين)
يزيد بن هارون (الواسطي) ← إبراهيم بن سعد ← صالح بن كيسان (به دخل الحديثُ مسندَ أحمد ومسلمًا)
أبو داود الطيالسي (البصري) خرَّج طريق عبد العزيز بن رفيع؛ ومؤمَّل بن إسماعيل (بصري) خرَّج طريق نافع بن عمر
تاسعًا: استدلال العلماء على أنَّ الأمرَ استخلافٌ لأبي بكر
لأهلِ السُّنَّةِ في خلافةِ أبي بكرٍ رضِي الله عنه قولان: فجمهورُهم على أنَّها ثبتت بالإشارةِ القويَّةِ والنصِّ الخفيِّ لا بالتصريحِ المُلزِم، وذهب بعضُهم — وعلى رأسِهم الإمامُ ابنُ حزمٍ الظاهريُّ — إلى أنَّها ثبتت بالنصِّ. وهذا الحديثُ من أقوى ما احتجَّ به الفريقان على أحقِّيَّةِ الصِّدِّيقِ، ومن أصرحِ من قرَّر دلالتَه على الاستخلافِ: ابنُ حزمٍ وشيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ.
١. الإمام ابن حزم الظاهري (ت ٤٥٦ هـ)
في «المُحَلَّى» (كتاب الإمامة): عدَّ أصحَّ وجوهِ انعقادِ الإمامةِ وأفضلَها أن يعهدَ الإمامُ إلى مَن يكونُ إمامًا بعده، واستدلَّ على صحَّةِ هذا الوجهِ بصنيعِ رسولِ اللهِ ﷺ مع أبي بكرٍ في تقديمِه وعهدِه إليه، فجعَل فِعلَه ﷺ عهدًا إلى أبي بكرٍ بالخلافة.
في «الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل»: قرَّر أنَّ خلافةَ أبي بكرٍ ثبتت بالنصِّ، وأنَّ قولَه ﷺ «يأبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أبا بكر» مع أمرِه أن يُصلِّيَ بالناسِ في مرضِه دليلٌ على أنَّه أولى الأمَّةِ بالإمامةِ بعده.
فابنُ حزمٍ يرى الحديثَ نصًّا في الاستخلافِ لا مجرَّدَ إشارةٍ؛ وعندَه أنَّ عدولَ النبيِّ ﷺ عن كتابةِ الكتابِ إنما كان لاستقرارِ الأمرِ ووضوحِه بحيثُ لا يُحتاجُ معه إلى كتاب. [المحلى، كتاب الإمامة؛ الفِصَل لابن حزم]
٢. شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)
«والتحقيقُ في خلافةِ أبي بكرٍ — وهو الذي يدلُّ عليه كلامُ أحمدَ —: أنَّها انعقدت باختيارِ الصحابةِ ومبايعتِهم له، وأنَّ النبيَّ ﷺ أخبرَ بوقوعِها على سبيلِ الحمدِ لها والرِّضى بها، وأنَّه أمرَ بطاعتِه وتفويضِ الأمرِ إليه، وأنَّه دلَّ الأمَّةَ وأرشدَهم إلى بيعتِه... وكقولِه: ادعي لي أباكِ وأخاكِ حتى أكتبَ لأبي بكرٍ كتابًا لا يختلفُ عليه الناسُ من بعدي، ثم قال: يأبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أبا بكر. فهذا إخبارٌ منه بأنَّ اللهَ والمؤمنينَ لا يعقِدونها إلَّا لأبي بكرٍ الذي همَّ بالنصِّ عليه».
فابنُ تيميَّةَ يجعلُ الحديثَ من بابِ «الخبرِ» النبويِّ بأنَّ اللهَ والمؤمنينَ لن يعقِدوا الخلافةَ إلَّا لأبي بكرٍ، وهو استخلافٌ بالإشارةِ والدلالةِ القاطعةِ. وقرَّر في «منهاج السنة» أنَّ من أهلِ السُّنَّةِ من نصَّ على خلافةِ أبي بكرٍ بمثلِ هذه الأحاديث. [مجموع الفتاوى ٣٥/٤٩؛ منهاج السنة النبوية ١/٤٨٦]
٣. تعضيدُ سائرِ أهلِ العلمِ لهذا الاستدلال
القاضي عياض (ت ٥٤٤ هـ) في «إكمال المُعلِم» (٧/٣٨٩): «فيه حجَّةٌ بيِّنةٌ لصحَّةِ إمامتِه، وعِظَمِ فضيلتِه عند اللهِ تعالى وعند المسلمين، وتقديمِه على الجميعِ، وعدمِ النصِّ في الإشارةِ لغيرِه جملةً واحدةً... وقولُه: فإني أخافُ أن يتمنَّى متمنٍّ: يريدُ الخلافة».
ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ) في «الاستذكار» (٢/٣٥٤): «قد رُويت في هذا البابِ آثارٌ تدلُّ على أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد عَلِم أنَّ أبا بكرٍ الخليفةُ بعده، ولكنَّه لم يُؤمَرْ بالاستخلافِ لتكونَ شورى».
الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) — كما في «مناقب الإمام أحمد» (ص٢١٦): «لمَّا مرِض رسولُ اللهِ ﷺ قدَّم أبا بكرٍ ليُصلِّيَ بالناسِ، وقد كان في القومِ من هو أقرأُ منه، وإنما أرادَ الخلافة».
ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ): «في هذا دليلٌ على أنَّه الخليفةُ بعد النبيِّ ﷺ؛ لأنَّه حسمَ بقولِه: سُدُّوا عني كلَّ خوخةٍ في المسجدِ، أطماعَ الناسِ كلِّهم عن أن يكونوا خلفاءَ بعده» [نقله ابن حجر في فتح الباري ٧/١٤].
النووي (ت ٦٧٦ هـ) في «شرح مسلم» (١٥/١٥٤): «هذا دليلٌ لأهلِ السُّنَّةِ في تقديمِ أبي بكرٍ ثم عمرَ للخلافةِ مع إجماعِ الصحابة».
ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) في «البداية والنهاية» (٥/٢٥٠): «لم ينُصَّ على الخلافةِ عينًا لأحدٍ من الناسِ، لا لأبي بكرٍ كما زعمه طائفةٌ من أهلِ السُّنَّةِ، ولا لعليٍّ كما يقولُه طائفةٌ من الرافضةِ، ولكن أشارَ إشارةً قويَّةً يفهمُها كلُّ ذي لُبٍّ وعقلٍ إلى الصِّدِّيق».
فتحصَّل أنَّ الحديثَ عند المحقِّقين استخلافٌ بالإشارةِ القاطعةِ والتعريضِ الذي يقومُ مقامَ التصريح؛ وإنما عدلَ النبيُّ ﷺ عن كتابةِ الكتابِ اعتمادًا على ما عَلِمه من تقديرِ اللهِ، وليُؤجَرَ المسلمون على الاجتهادِ فيقعَ إجماعُهم على أبي بكرٍ كما وقع.
عاشرًا: الخلاصة
✦ الحكم النهائي
حديثُ الاستخلافِ صحيحٌ متَّفقٌ عليه، ثابتٌ عن أمِّ المؤمنين عائشةَ رضِي الله عنها من طريقين صحيحين مستقلَّين: القاسمُ بنُ محمدٍ عند البخاري (٧٢١٧، ٥٦٦٦) بلفظ «لقد هَمَمْتُ أن أُرسِلَ إلى أبي بكرٍ وابنِه... يأبى اللهُ ويَدفعُ المؤمنون»، وعروةُ عن الزهري عند مسلم (٢٣٨٧) بلفظ «ويأبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أبا بكر». وأقوى الطرقِ طريقُ القاسمِ لتصريحِه بالسماعِ ونظافةِ إسنادِه المدنيِّ. وأمَّا طريقُ عبيدِ اللهِ عن الزهري (ابن ماجه ١٤٦٥) فضعيفٌ لعنعنةِ ابنِ إسحاقَ، وهو بلفظِ الغُسل لا الاستخلاف. وأمَّا شواهدُ ابنِ أبي مُلَيكةَ («ائتِني بكَتِفٍ أو لَوحٍ...») ففيها اختلافٌ بالوصلِ والإرسالِ رجَّح أبو حاتمٍ فيه الإرسالَ، لكنَّها تتقوَّى بمجموعِها إلى الحُسن لغيره، والأصلُ الصحيحُ في الشيخين يُغني عنها. ودلالةُ الحديثِ ظاهرةٌ في أنَّ خلافةَ أبي بكرٍ كانت بإشارةٍ نبويَّةٍ صريحةٍ وتقديرٍ إلهيٍّ، ولذلك بوَّب له البخاريُّ «بابَ الاستخلاف». وقد نصَّ ابنُ حزمٍ على أنَّها خلافةٌ بالنصِّ، وقرَّر شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ أنَّ الحديثَ إخبارٌ نبويٌّ بأنَّ اللهَ والمؤمنينَ لا يَعقِدونها إلَّا لأبي بكرٍ الذي همَّ النبيُّ ﷺ بالنصِّ عليه.
حادي عشر: المصادر والمراجع
صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف، حديث ٧٢١٧؛ وكتاب المرضى، حديث ٥٦٦٦.
صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الصديق، حديث ٢٣٨٧ (٤/١٨٥٧ ت عبد الباقي).
مسند الإمام أحمد (ط الرسالة)، ٢٥١١٣ و٢٤٧٥١ و٢٤١٩٩، وفضائل الصحابة له (١/٢٠٥) حديث ٢٢٦.
سنن ابن ماجه، كتاب الجنائز، حديث ١٤٦٥ (١/٥٢٠ ت عبد الباقي).
صحيح ابن حبان، حديث ٦٥٨٦.
مسند أبي داود الطيالسي (٣/١٠٤)؛ فضائل الخلفاء الراشدين لأبي نعيم (ص١٤٢)؛ الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/١٦٥ ط الخانجي).
العلل لابن أبي حاتم (٦/٤٥٢ ت الحميّد)؛ السلسلة الصحيحة للألباني (٢/٣٠٤ رقم ٦٩٠)؛ أحكام الجنائز للألباني (ص١٨٧)؛ صحيح الجامع الصغير (٥١٤٣).
منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/٤٨٦)، ومجموع الفتاوى (٣٥/٤٩)؛ المُحَلَّى لابن حزم (كتاب الإمامة)، والفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل له؛ إكمال المُعلِم للقاضي عياض (٧/٣٨٩)؛ الاستذكار لابن عبد البر (٢/٣٥٤)؛ شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/١٥٤)؛ فتح الباري لابن حجر (٧/١٤)؛ البداية والنهاية لابن كثير (٥/٢٥٠)؛ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص٢١٦).
الموسوعة الحديثية والموسوعة العقدية — الدرر السنية (dorar.net)؛ موسوعة الحديث (sunnah.com)؛ ديوان الحديث (diwan-ahadiths.com)؛ موقع د. علي الصلابي (alsalabi.com).
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق
لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.