ملف سياسي — نقد السردية العددية

تفكيك “أسطورة الستة المتصارعين”
ابن عوف مُحكّمًا ومُولّيًا لا مجرد عضو

الموضوع: إثبات التفويض العمري المباشر وإسقاط صورة “اللجنة المغلقة”

الفكرة التي رسّختها سردياتٌ متأخرة عن “شورى الستة” ليست مجرد خطأٍ في التفاصيل، بل انقلابٌ في طبيعة الحدث: تُصوِّر انتقال أخطر منصب في الدولة على أنه “لجنة سداسية” تُغلق بابًا وتتقاسم السلطة بالتصويت والمساومة، وكأن المدينة يومئذٍ تُدار بعقلية برلمانٍ حديث لا بمنهج دولةٍ راشدةٍ تقوم على الحسم والانضباط.

وهذه الصورة —إذا فُحصت سياسيًا قبل أن تُفحص روائيًا— لا تليق بعبقرية عمر الإدارية ولا بوقار الصحابة، وتُنتج تلقائيًا نتيجتين خطيرتين: تضخيم “الصراع” وتفريغ “الشرعية” من معناها. لذلك سنعيد الحدث إلى اسمه الحقيقي: ولاية عهد عبر التحكيم والتفويض، لا “انتخابات لجنة مغلقة”.

تمهيد المنهج: لماذا نرفض “الكاريكاتور العددي”؟

قاعدة المجلة: حين تتحول “الأرقام” إلى عقيدة، يصبح العددُ أداةَ حبكة لا أداةَ تاريخ. ليس المقصود إنكار أن عمر حدّد دائرةً من كبار الصحابة، بل رفض تحويل تلك الدائرة إلى “نظام تصويت” مغلقٍ يُصنع منه مشهدُ تعادلٍ وتكتلٍ ثم “صوتٌ مرجّح”.

الدولة الراشدة لا تُدار بالارتجال في لحظة الفراغ. وعمر بن الخطاب —بما عُرف عنه من إحكامٍ في العزل والتولية وترتيب الأمصار— لا يُتصوَّر أن يترك الأمة أمام مجلسٍ متعدد الرؤوس بلا “مُنفّذ” ولا “فصل”. ومن هنا تبدأ القراءة الصحيحة: إن ذروة الحدث ليست “عدد المرشحين”، بل صفة المكلّف بالحسم.

أولاً: نقد العدد (الستة) والاضطراب الروائي

1) غياب الحصر اليقيني: العدد ليس “مقدسًا” ولا “مُغلقًا”

كثيرٌ من الروايات المتداولة تُقدّم “الستة” كأنهم قائمةٌ نهائيةٌ متطابقةٌ في كل مصدر: (علي، عثمان، طلحة، الزبير، سعد، عبد الرحمن). لكن في مروياتٍ أخرى تظهر تبايناتٌ في التصوير والسياق: من حيث حضور بعض الأسماء أو تأخرها، ومن حيث ذكر أسماءٍ مؤهلة لم تُدرج ضمن “القائمة المشهورة”.

وهذه التباينات ليست تفصيلاً هامشيًا؛ لأنها تكشف أن عمر لم يُنشئ “حصراً عددياً مقدساً” يُبنى عليه سيناريو تصويتٍ متعادل، بل حدّد دائرة اعتبار سياسية داخل كبار قريش والمهاجرين: رؤوسٌ معروفة، وأهلُ رأيٍ ووزن، تُغلق بهم أبواب التنازع، لا تُفتح بهم أبواب “التكتل”.

الخلاصة: منطق الدولة يقول: عمر حدّد “نطاق الاختيار” لا “صندوق الاقتراع”. وحين يختلط النطاق بالصندوق تُولد الأسطورة.

2) إسقاط العدد لخدمة السيناريو: صناعة “تعادل 3 ضد 3”

لماذا أُصرّ على تثبيت الرقم ستة؟ لأن “ستة” تسمح بحبكة جاهزة: تُصنع منها ثنائيةُ أقطاب، ثم يُحشر الباقون كأحزابٍ داعمة، ثم يُبنى “تعادل 3 ضد 3” ليظهر “المرجّح” — فتُصوَّر الشرعية وكأنها نتيجة حيلة عددية داخل غرفة.

بينما الواقع السياسي الأرجح —بميزان الوزن الاجتماعي في المدينة— أن الأمر كان محصورًا عمليًا بين قطبين: عثمان وعلي رضي الله عنهما؛ وأما سائر الأسماء فكان وزنها في تلك اللحظة وزنَ أهل رأيٍ وسند، لا وزنَ منافسين حقيقيين على منصب الخلافة. توسيع “الستة” إلى صورة صراعٍ شامل هو الذي نفخ الدراما ونفخ معها شبهات نزع الشرعية.

نقطة فاصلة: حين تُقرأ الشورى كـ “معركة أرقام”، تُفهم البيعة كصفقة. وحين تُقرأ كـ “عملية انتقال دولة”، تُفهم البيعة كحسمٍ شرعيٍّ لإغلاق باب الفتنة.

ثانياً: إثبات التفويض العمري لعبد الرحمن بن عوف — نظرية “الحاكم المُنفّذ”

1) ابن عوف: “الأمير المؤقت” لا “العضو السادس”

جوهر الحدث ليس أن عبد الرحمن واحدٌ من ستة، بل أنه مُفوضٌ بالحسم. عمر لم يرد مجلسًا يتنازع، بل أراد رجلًا يُنهي. ومن هنا يتغير تعريف عبد الرحمن: ليس “عضوًا يصوّت”، بل “محكّمًا يُولّي”: يدير الانتقال بسلطةٍ مُستمدةٍ من الوصية ومن قبول الأطراف.

وهذا ينسجم مع الشخصية المعروفة لعبد الرحمن: رجاحة، وورع، وبعد عن الطمع، ووزن اجتماعي قادر على مخاطبة الناس واستفتائهم. فالتكليف السياسي لا يذهب لمن يُنازع، بل لمن يَفصل.

2) قرينة “خلع النفس”: ليس زهدًا طارئًا بل وظيفة مُسبقة

العبارة المشهورة: أن عبد الرحمن “خلع نفسه” من الخلافة. القراءة السطحية تجعلها لحظة زهدٍ مفاجئ. أمّا القراءة السياسية المتماسكة فتقول: الخلع هو علامةُ الدور الحقيقي: أنه مكلّفٌ ابتداءً بصناعة الخليفة لا بطلب الخلافة. لأن التحكيم لا يستقيم مع المنافسة: إما قاضٍ أو خصم، ولا يجتمعان.

معنى الخلع هنا: إعلانُ الحياد ليُكتسب الإلزام. من دون خلعٍ لا تحكيم، ومن دون تحكيم يعود الباب مفتوحًا على نزاعٍ لا ينتهي.

3) سلطة الفصل لا سلطة التصويت: مواثيق الإلزام

لو كانت الشورى “لجنة متساوية”، لما كان لعبد الرحمن سلطانٌ على بقية الأسماء. لكن ما يظهر في جوهر القصة —في صورتها المنطقية المستقيمة— أنه أخذ المواثيق من الأطراف بالرضا بما ينتهي إليه حكمه. وهذه ليست صلاحية “زميلٍ في لجنة”، بل صلاحيةُ “مُحكّم” مُعطى حق الفصل.

بهذه النقطة تسقط سردية “المرجح العددي”. لأن “المرجح” يكون داخل مساواةٍ في الأصوات؛ أما “المحكّم” فهو فوق الأصوات: يُنهي النزاع، ثم تُغلق بعده أبواب المراجعة حفاظًا على الجماعة.

النتيجة: عبد الرحمن ليس رقماً في معادلة، بل هو الآلية نفسها. من جعله “عضوًا سادسًا” أراد تحويل التفويض إلى تصويت، والحسم إلى مساومة.

ثالثاً: السياق السياسي — حماية الدولة من الفراغ لا صناعة “مجلسٍ مغلق”

1) منهجية عمر في الحسم: شخصية الدولة لا مزاج الراوي

عمر الذي كان يحسم في الولايات، ويقيم الحدود، ويعزل ويولي وفق ميزان المصلحة، لا يترك الخلافة —وهي عمود الدولة— رهينة مساوماتٍ داخل غرفة. هذا لا ينسجم مع عمر كما عرفته الدولة الراشدة. الذي ينسجم: أن يحدد نطاق الاختيار وأن يحدد منفّذ الانتقال.

2) الشورى كانت مع الأمة لا بين “الستة”

النقلة الأوضح: عبد الرحمن لم يقضِ ليله في جدالِ “الخمسة”. بل خرج إلى الناس: المهاجرين، الأنصار، وجوه الرأي، حتى النساء في بيوتهن، يسأل عن القبول العام. هذا ليس “مجلسًا مغلقًا”؛ هذا استفتاء اجتماعي.

في هذا التصوير تستقيم الوقائع: المرشحون ينتظرون، والمدينة تُعبّر عن ميلها، المحكّم يجمع الميل ويُنزله قرارًا ملزمًا. فإذا تقررت النتيجة انعقدت البيعة، وانغلق باب الفتنة.

الفرق الجوهري: في المجلس المغلق تُولد الصفقات. في الاستفتاء العام تُولد الشرعية.

رابعاً: لفات التحقيق: تفكيك "رواية الشورى" بالوثائق

استناداً إلى المخطوطات وكتب الجرح والتعديل: كيف تسللت "السردية الكوفية" إلى أصح الكتب؟

1. شريح الإسناد: حديث الشورى (البخاري 1403)

الرواية العمدة التي وصفت الشورى بـ "المساومات" وتضمنت عبارات مثل "لا أكلم رجلاً منكم أبداً" (كما في الوثيقة 3)، مدارها على إسناد كوفي فيه علتان قادحتان في "باب الفتن":

الراوي (1)
جرير بن عبد الحميد الضبي المصدر: كتاب الإرشاد في معرفة علماء الحديث (الخليلي) - ص 568
"يُعد في أهل الكوفة والري... لكني سمعته يشتم معاوية علانية."

التحليل: كيف تُقبل رواية سياسية دقيقة في تأسيس الخلافة ممن يجاهر بشتم أحد كُتاب الوحي ومؤسس الدولة (معاوية)؟ هذا يطعن في "العدالة السياسية" للراوي.

↓ يروي عن ↓
الراوي (2)
حصين بن عبد الرحمن السلمي المصدر: تهذيب الكمال / الميزان (وثيقة رقم 26)
"ذكره ابن الصلاح فيمن اختلط وتغير... وقال النسائي: تغير... وعن يزيد بن هارون: وكان قد نسي... وعنه أيضاً: أنه قال: اختلط."

التحليل: جرير (الشاتم لمعاوية) يروي عن حصين الذي (اختلط ونسي في آخر عمره). هذه "الفجوة في الذاكرة" هي الثغرة التي دخلت منها التفاصيل الدرامية المكذوبة التي لا تتناسب مع وقار الصحابة.

2. البيئة الحاضنة: الكوفة

هل كانت الكوفة بيئة محايدة لنقل التاريخ؟ الوثائق تجيب بالنفي القاطع.

المصدر: كتاب قبول الأخبار (ص 104)

"كان معمر يتشيع... وما أقل من كان بالكوفة إلا برًا."


حتى الرواة الكبار (مثل الأعمش وعوف) وُصفوا بأوصاف شديدة، حيث نُقل عن بندار في "عوف": "والله لقد كان عوف قدرياً رافضياً شيطاناً".

الخلاصة: البيئة الكوفية كانت "مشبعة" بالكراهية للأمويين، مما يستدعي تفعيل "فقه الحذر" عند قبول تفرّداتهم التاريخية.

3. اختراق المحدثين

التشيع لم يكن مجرد مذهب فقهي، بل تيار سياسي اخترق صفوف الرواة.

المصدر: الملل والنحل (للشهرستاني) - ص 190

"رجال الشيعة ومصنفو كتبهم من المحدثين"

  • وكيع بن الجراح
  • عبيد الله بن موسى (شيخ البخاري)
  • الفضل بن دكين

المنهج: قبول روايتهم في "الأحكام" (لصدقهم اللفظي) لا يعني قبول روايتهم في "السياسة والتاريخ" (لوجود الهوى المذهبي)، خاصة فيما يطعن في خصومهم (بني أمية).

النتيجة التحقيقية:

سندُ قصة الشورى الدرامية = (راوٍ شاتم لمعاوية) + (شيخ مختلط الذاكرة) + (بيئة كوفية رافضة).

∴ الحكم: تُرد التفاصيل، ويبقى أصل استخلاف عثمان بالإجماع.

الخلاصة المركبة: تهافت الرواية وسقوط "الدراما"

بناءً على التحقيق الوثائقي في القسم الرابع، والتحليل السياسي في الأقسام السابقة، نخلص إلى نتيجة نهائية تدمج بين نقد السند ونقد المتن: إن الرواية التي تتسق مع السياسة الشرعية وعظمة الصحابة ليست رواية "الأرقام التي تتعادل" ولا "التهديد بالسيف"، بل هي رواية "التفويض والاستفتاء".

  • من حيث السند (الوثيقة): ثبت أن الرواية الدرامية هي "صناعة كوفية" بامتياز، قام عليها رواةٌ مجروحون في عدالتهم السياسية (كجرير الشاتم لمعاوية) أو ضبطهم (كحصين المختلط). وبسقوط السند، تسقط كل التفاصيل "السينمائية" التي شوهت صورة الشورى.
  • من حيث السياسة (المتن): عمر بن الخطاب لم يترك الدولة لـ "لجنة تصويت"، بل حدّد "نطاقاً" للاختيار، وعيّن "عبد الرحمن بن عوف" بصفة (المُحكّم المفوّض) لا العضو المصوّت. ومهمته كانت استنطاق رغبة الأمة، لا إدارة صفقة مغلقة.
الخاتمة القاطعة: حين نجمع بين (سقوط سند الدراما) وبين (قوة منطق الدولة)، يتبدد الدخان التاريخي. وتظهر الحقيقة ناصعة: بيعة عثمان رضي الله عنه انعقدت بإجماعٍ شعبي كاسح رصده "الأمين" ابن عوف بتكليف من "الحازم" عمر، خاليةً من لوثات "المساومة" التي اختلقها الرواة المتأخرون.

تنبيه تحريرى

هذا الملف يفكك “الصورة الكاريكاتورية” (اللجنة المغلقة/المرجّح العددي/التهديد) بوصفها إطارًا تفسيرياً متأخرًا ومكذوباً سنداً، ويؤسس بدلها إطار “التفويض والتحكيم والاستفتاء العام” الثابت بالنقل الصحيح والعقل السياسي.

The Legend of the Six Wrestlers - 02
وصف الصورة (02)
The Legend of the Six Wrestlers - 03
وصف الصورة (03)
The Legend of the Six Wrestlers - 04
وصف الصورة (04)
The Legend of the Six Wrestlers - 05
وصف الصورة (05)
The Legend of the Six Wrestlers - 06
وصف الصورة (06)
The Legend of the Six Wrestlers - 07
وصف الصورة (07)
The Legend of the Six Wrestlers - 08
وصف الصورة (08)
The Legend of the Six Wrestlers - 09
وصف الصورة (09)
The Legend of the Six Wrestlers - 10
وصف الصورة (10)
The Legend of the Six Wrestlers - 11
وصف الصورة (11)
The Legend of the Six Wrestlers - 12
وصف الصورة (12)
The Legend of the Six Wrestlers - 13
وصف الصورة (13)
The Legend of the Six Wrestlers - 14
وصف الصورة (14)
The Legend of the Six Wrestlers - 15
وصف الصورة (15)
The Legend of the Six Wrestlers - 16
وصف الصورة (16)

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.