تخطي إلى المحتوى الرئيسي
اشترك

قراءة عثمانية في الجمل، ومسؤولية القيادة، وفقه الدولة

قراءة عثمانية في الجمل، ومسؤولية القيادة، وفقه الدولة
مجلة معاوية بن أبي سفيان

سؤال القصاص… أم انتقاء السؤال؟


يُطرح سؤالٌ يتكرر دائمًا في سياق الجدل حول الفتنة الكبرى: لماذا لم يطالب معاوية بالقصاص من عليّ بسبب قتال أم المؤمنين عائشة في وقعة الجمل؟ السؤال يبدو غيورًا في ظاهره، لكنه في بنيته يُحمّل معاوية بن أبي سفيان مسؤولية حدث لم يكن طرفًا فيه، ويغفل في الوقت نفسه سؤالًا أقرب وأولى بالمنطق المنهجي: من كانت بيده القيادة المباشرة يوم الجمل؟ ومن كانت بيده سلطة المحاسبة بعد انقضاء القتال؟ التاريخ لا يُقرأ بانتقاء زاوية واحدة لتصفية الحسابات، بل بإقامة ميزان واحد على الجميع.

خطة المقال

  • التجييش المتعمد ومسؤولية القيادة
  • مسؤولية ما بعد المعركة وهودج أم المؤمنين
  • الاتساق المفقود ودماء طلحة والزبير
  • العقدة المركزية وشرعية المطالبة
  • معاوية وفقه الدولة وحماية الثغور
  • الخاتمة: السؤال الذي يجب أن يُطرح

أولًا: التجييش المتعمد ومسؤولية القيادة

تُجمع المصادر التاريخية المبكرة على أن المواجهة العسكرية في الجمل لم تكن صدفة عابرة أو مجرد انفلات من "طرف ثالث" مجهول، بل سبقها إعداد عسكري وحشد متعمد. لقد وجّه علي بن أبي طالب رسائله ومبعوثيه — وعلى رأسهم الحسن بن علي وعمار بن ياسر — إلى الكوفة لاستنفار المقاتلين وتجييش الجيوش لقتال طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة [1]. القتال إذن وقع بين جيشين متقابلين تحت قيادتين واضحتين، والمبدأ السياسي هنا قاطع: من يعقد الألوية، ويُكاتب الأمصار لجمع المقاتلين، ويقود الجيش، يتحمّل المسؤولية الكاملة عما يقع باسمه وتحت رايته.


ثانيًا: مسؤولية ما بعد المعركة.. هودج أم المؤمنين

تذكر الروايات المتواترة أن السهام تكاثرت على الجمل الذي كانت عليه عائشة بنت أبي بكر حتى صار كـ "القنفذ" من كثرتها، وأن القتال اشتد حوله حتى عُقر الجمل وسقط الهودج [2]. السؤال المنهجي لا يتعلق بلحظة الانفجار الأولى فحسب، بل بما بعدها: - هل فُتح تحقيق قضائي فيمن تجرأ ورمى هودج أم المؤمنين بالسهام؟ - هل حوسب من ثبت اعتداؤه المباشر؟ - هل أُقيم حدّ أو قصاص على فاعل بعينه؟ المصادر لا تنقل محاكمة محددة ولا قصاصًا معلنًا في هذا الملف المروّع. إذا كان القصاص مبدأً سياديًا، فالأولى أن يُسأل عنه من كان بيده زمام القضاء والسلطة الميدانية يومئذ، لا من كان مرابطًا في ثغر الشام.


ثالثًا: الاتساق المفقود.. دماء طلحة والزبير

إذا كان من المشروع أن يُسأل: "لماذا لم يطالب معاوية بالقصاص لعائشة؟"، فالسؤال الموازي والأقرب الذي يُسقط الانتقائية هو: لماذا لم تُفعّل المحاسبة على دماء كبار الصحابة التي سُفكت في ذلك اليوم؟ لقد انسحب حواريّ رسول الله، الزبير بن العوام، من المعركة ولم يقاتل، فتبعه عمرو بن جرموز واغتاله غدرًا، ثم جاء بسيفه إلى معسكر الكوفة يفتخر بقتله [3]. وكذلك سقط طلحة بن عبيد الله — شهيدًا يمشي على الأرض — بسهم أودى بحياته في خضم تلك المعركة [4]. أين كان القصاص الفوري هنا؟ وكيف يُغض الطرف عن قتلة هؤلاء الأكابر بينما كانت السلطة الميدانية منتصرة وقائمة؟ المساءلة لا تُجزّأ، والهيبة الرمزية لأي شخصية لا تعني تعليق الأسئلة المنهجية الموجهة إليها.


رابعًا: العقدة المركزية.. وشرعية المطالبة

قضية دم عثمان بن عفان لم تكن تفصيلًا عاطفيًا، بل كانت نقطة الانفجار السياسي الكبرى. وتذكر المصادر بوضوح أن عناصر اتُّهمت بالمشاركة في حصار الخليفة الشهيد كانت حاضرة في المشهد الجديد، بل ومندمجة ضمن التشكيلات العسكرية المنتصرة. هنا يبرز السؤال الأكبر: إذا كانت الدولة الجديدة تملك الشرعية وقوة التجييش، فلماذا لم يُحسم ملف قتلة عثمان فورًا؟ يُلخص شيخ الإسلام ابن تيمية الموقف المبدئي لمعاوية قائلًا: "ومعاوية لم يدَّعِ الخلافة، ولم يُبايَع له بها حتى قُتل علي، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحقها، وإنما كان يطلب قتلة عثمان، ويقول: أنا ولي دمه، وقد قُتل مظلومًا" [5]. المطالبة بالقصاص كانت حقًا شرعيًا، والميزان يجب أن يكون واحدًا، أو لا يكون ميزانًا.


خامسًا: معاوية.. فقه الدولة وحماية الثغور

معاوية بن أبي سفيان لم يكن طرفًا في الجمل، بل كان والي الشام، والثغر الشامي يومها كان في تماس دائم مع الإمبراطورية البيزنطية. يصف الإمام الذهبي هذا الدور المحوري قائلًا: "وكان داهية، سياسيًا، مُدبّرًا، وقد أرعب الروم، وقمعهم، وحمى الثغور الإسلامية" [6]. الدولة كانت مهددة خارجيًا، ومنهكة داخليًا. فتح جبهة جديدة في الداخل لردود أفعال عاطفية دون تثبيت الحدود الخارجية لم يكن قرارًا رشيدًا في منطق الدول. يضع ابن خلدون يده على جوهر هذا الخلاف السياسي مبينًا أن تأخير العدالة يضرب هيبة الدولة: "ورأى معاوية أن تأخير القصاص يجرئ على الدماء ويُبطل الحدود" [7]. السياسة الشرعية عند معاوية لم تكن تُدار بالاندفاع، بل بترتيب صارم للأولويات: تثبيت الثغر، منع انهيار الدولة أمام الروم، ثم المطالبة الحازمة بتطهير المجتمع من قتلة الخليفة المظلوم.


الخاتمة: السؤال الذي يجب أن يُطرح

الغيرة على أم المؤمنين قيمة إيمانية لا ينازع فيها أحد، لكن إدارة الدولة زمن الفتنة تحتاج عقلًا باردًا. القرار السياسي في تلك اللحظة لم يكن سؤال غيرة فردية، بل سؤال بقاء أمة. السؤال الحقيقي في قراءة التاريخ ليس: لماذا لم يفعل فلان ما لم يكن في سلطته المباشرة؟ بل: لماذا لم تُفعّل المحاسبة حيث كانت السلطة قائمة ومتحكمة؟ ولماذا يُنتقى طرف واحد للمساءلة، وتُعفى الأطراف الأخرى من أبسط قواعد السؤال المنهجي؟ القراءة العثمانية الراشدة لا تقوم على تقديس الأخطاء، بل على مبدأ واحد: دم الخليفة لا يُهمل، وهيبة الدولة لا تُبنى على تجاوز القتل السياسي. ومن أراد الاتساق، فليطبّق ميزانه على الجميع؛ فالتاريخ لا يخضع للعاطفة وحدها، ولا يُحاكم بمنطق الانتقاء.

هوامش وتوثيق

  1. تاريخ الطبري (تاريخ الرسل والملوك) للإمام محمد بن جرير الطبري: أحداث سنة 36 هـ.
  2. البداية والنهاية للإمام ابن كثير: المجلد السابع، أحداث وقعة الجمل.
  3. البداية والنهاية للإمام ابن كثير: المجلد السابع، أحداث سنة 36 هـ.
  4. الاستيعاب في معرفة الأصحاب للإمام ابن عبد البر: المجلد الثاني، ترجمة طلحة بن عبيد الله.
  5. منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية: المجلد الرابع، ص 383.
  6. سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي: المجلد الثالث، ص 132.
  7. مقدمة ابن خلدون: فصل (في ولاية العهد).

خلاصة محكمة

القراءة العثمانية الراشدة لا تقوم على تقديس الأخطاء، بل على مبدأ واحد: دم الخليفة لا يُهمل، وهيبة الدولة لا تُبنى على تجاوز القتل السياسي. ومن أراد الاتساق، فليطبّق ميزانه على الجميع؛ فالتاريخ لا يخضع للعاطفة وحدها، ولا يُحاكم بمنطق الانتقاء.

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.