حين يتحول الدين إلى أداة سيطرة
لم تُهزم الأمة الإسلامية يومًا بقوة السيف وحده في ميادين الوغى، بل كانت هزائمها الكبرى حين سُلِّم العقل، ثم الضمير، ثم المال، باسم "القداسة". وحين يُختطف الدين من كونه ميزانًا للعدل ومقاصد للشريعة، ليُعاد تصنيعه كأداة إخضاع نفسي، فنحن لا نكون أمام «تديّن»، بل أمام هندسة اجتماعية خبيثة واستبداد روحي مُحكم الصياغة.
إن ما كرّسته "السردية الكوفية"، وما ثبّتته الشخصية السياسية المُتَخيلة لعلي بن أبي طالب في كتب القوم، ثم ما ورثه العباسيون وطوّرته الفرق الباطنية، ليس مجرد انحراف فقهي، بل هو تطبيق مبكر ومخيف لما يُعرف اليوم بـ (Dark Psychology)، حيث استُخدمت دماء آل البيت وقودًا لبناء "سلطة الكهنوت" لا دولة الإسلام.
أولًا: الكوفة… حين دخل كسرى من باب المسجد
لم تكن الكوفة مجرد حامية عسكرية، بل كانت "مختبرًا نفسيًا" لفلول الامبراطورية الساسانية المنهارة. سقط التاج الكسروي سياسيًا، لكن "الذهنية الكسروية" التي تؤمن بالملك المقدس والعصمة السلالية لم تسقط، بل تسللت إلى الإسلام عبر باب "محبة الآل".
قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب واصفًا التركيبة النفسية المضطربة لأهل الكوفة: «أهل الكوفة قوم لا يرضيهم شيء، ولا يصبرون على حق، ولا يتركون باطلًا» — تاريخ الطبري
هذا التوصيف العمري الدقيق يكشف عن بيئة خصبة لـ "الاضطراب الجمعي"، بيئة تبحث عن "مخلص" (Messiah) لا عن "حاكم"، وشروط مثالية لأي خطاب غوغائي يستثمر العاطفة لتعطيل العقل.
ثانيًا: قتلة عثمان وتكتيك "قلب الطاولة"
قبل ظهور مصطلح (Gaslighting) بقرون، مارسه قتلة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- باحترافية مرعبة.
- الضحية: خليفة راشد، ذو النورين، شيخ جاوز الثمانين.
- الجناة: غوغاء من الأمصار تقودهم رؤوس الفتنة.
- التكتيك النفسي: تحويل الضحية إلى جانٍ. أطلقوا على أنفسهم لقب "المصلحين" واتهموا الخليفة بـ "إفساد الدين".
هذا التشويه الإدراكي للواقع هو الأساس الذي بُنيت عليه شرعية ما بعد عثمان؛ حيث أصبح المطالب بالقصاص (معاوية وعائشة) "بغاة"، وأصبح القتلة "ثوارًا".
ثالثًا: أدوات الهيمنة النفسية في "دين الإمامة"
عند تفكيك أدبيات الفرق الباطنية وتيارات الإسلام السياسي التي خرجت من عباءة الكوفة، نجد تطابقًا مذهلًا مع ركائز الهيمنة النفسية الحديثة:
١) احتكار الحديث باسم السماء (God Complex)
في المنهج الراشدي والأموي، الحاكم بشر يصيب ويخطئ، ويُناصح ويُعزل. أما في "دين الإمامة"، فقد تحول الحاكم إلى "معصوم". حين تُربط طاعة القائد بطاعة الله وجوديًا، وتُربط مخالفته بالكفر، يُعطَّل التفكير النقدي تمامًا. لم يعد السؤال حقًا، بل أصبح "شكًا" يوجب التوبة.
٢) التشكيك الروحي (Spiritual Gaslighting)
انظر إلى لغة الخطاب في المصادر الشيعية المنسوبة لعلي:
«يا أشباه الرجال ولا رجال... ملأتم قلبي قيحًا» — نهج البلاغة
هذا النمط من الخطاب يقوم على "تحطيم تقدير الذات" (Self-Esteem Destruction) للأتباع. يتم إشعارهم دائمًا بالدونية، والنقص، والعار، ليصبحوا في حاجة دائمة لـ "الولي" الذي يمنحهم صك الغفران.
٣) العزل الشعوري (Isolation & Bara'ah)
أخطر أدوات السيطرة هي عقيدة "الولاء والبراء" بمفهومها البدعي: "لا يصح ولاؤك لنا حتى تتبرأ من أعدائنا (الصحابة)". هذا يخلق عزلة اجتماعية وشعورية للتابع عن تاريخ أمته ورموزها (أبي بكر وعمر)، فيصبح محبوسًا داخل "جيتو" عقدي، يرى العالم الخارجي كله كفارًا أو نواصب، مما يضمن استحالة انشقاقه.
٤) قصف الحب المشروط (Love Bombing)
يتم استدراج العوام بدغدغة عواطفهم عبر "حب آل البيت"، والبكائيات، والمظلومية. وبمجرد الدخول في الدائرة، يتحول هذا الحب إلى سوط: "إن لم تفعل كذا، فقد كسرت ضلع الزهراء!". هذا ابتزاز عاطفي يربط النجاة الأخروية بخدمة أجندة سياسية دنيوية.
رابعًا: الاقتصاد السياسي للكهنوت (المال والجسد)
لم تكتفِ هذه المنظومة بالسيطرة على العقول، بل أسست لنظام اقتصادي وجنسي يضمن استدامة التبعية:
| الأداة | الوظيفة السيكولوجية والاجتماعية |
|---|---|
| الخُمس (المال) | تحويل التابع إلى "مموّل دائم" للمؤسسة الدينية. هذا ليس مجرد ضريبة، بل هو إعلان ولاء مادي يومي، يجعله شريكًا في استمرار المؤسسة التي تستعبده (Sunk Cost Fallacy). |
| المتعة (الجسد) | تفكيك بنية الأسرة المستقرة (التي هي حصن المجتمع)، واستبدالها بعلاقات مؤقتة تُشرعن بركة "السيد". هذا يُنتج مجتمعًا مفككًا يسهل قياده. |
خامسًا: البديل الراشد.. النموذج الأموي
في مقابل هذا "اللاهوت السياسي" المظلم، قدّم معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- نموذجًا مضادًا قائمًا على "الواقعية السياسية" و "الحلم".
- فصل القداسة عن الإدارة: معاوية لم يدّعِ العصمة، ولم يقل إنه يتلقى وحيًا، بل قال: «أنا أول الملوك». أي أن العلاقة بيننا هي علاقة عقد سياسي، ورعاية مصالح، وحقن دماء.
- نزع فتيل الاحتقان: بسياسة "شعرة معاوية"، استطاع احتواء المعارضين بالدهاء والعطاء، لا بالتكفير والإقصاء الروحي.
- إطفاء الفتنة: أدرك معاوية أن استمرار "المظلوميات" يمزق الأمة، فعمل على جمع الكلمة (عام الجماعة) وتوحيد الصف، بينما عاش الآخرون على استثمار الجراح واجترار الآلام.
الخلاصة
إن الصراع بين الدولة الأموية والمشروع العلوي-الكوفي (ومن ورثه من عباسيين وباطنية) لم يكن صراعًا على الكرسي فحسب، بل كان صراعًا بين منهجيتين: منهج يريد بناء "دولة" سيدة تحمي بيضة الإسلام، ومنهج يريد بناء "طائفة" مقدسة تعيش على أنقاض الدولة.
حين يُلغى العقل باسم "التسليم"، ويُسرق المال باسم "الحق الشرعي"، وتُهدم الكرامة باسم "الموالاة"، نكون قد عدنا إلى كسرى وقيصر، ولكن بعمامة إسلامية مزيفة.
المراجع والإحالات المنهجية
- الطبري، أبو جعفر، تاريخ الرسل والملوك (تحليل أحداث الفتنة والكوفة).
- ابن تيمية، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (لتفكيك عقيدة الإمامة).
- الشريف الرضي، نهج البلاغة (دراسة تحليلية للخطاب النفسي).
- Almond, Gabriel & Verba, Sidney, The Civic Culture (لمقارنة الثقافة السياسية).
- Lifton, Robert Jay, Thought Reform and the Psychology of Totalism (مرجع أساسي في غسيل الدماغ).
- Hassan, Steven, Combating Cult Mind Control (نموذج BITE للسيطرة السلوكية).
- Cialdini, Robert, Influence: The Psychology of Persuasion (لفهم آليات التلاعب الاجتماعي).
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.