الإمام مالك «العثماني»: مهندس السُّنّة النقيّة وكيف أغلق «البوابة الخلفية» التي فُتحت للتشيّع

في تاريخنا الإسلامي شخصيات أُعيد رسمها لتناسب «النسخة المعتمدة» من السرد، وشُذِّبت زواياها الحادّة لتبدو بلا موقف ولا شوكة. ولعلّ أكثر هؤلاء تعرّضاً لهذا «التجميل الطامس» هو الإمام مالك بن أنس.

يُقدَّم لنا مالك غالباً فقيهاً هادئاً، زاهداً في السياسة، حبيس محراب المسجد. غير أنّ القراءة الاستقصائية للتراث — كما نمارسها في مجلة معاوية — تكشف صورة أخرى: مالك كان رجل دولةٍ فقهياً، وحارس حدودٍ عقديّاً، وعقلاً استخباراتياً أدرك أنّ إسقاط الدولة الأموية لم يكن انقلاباً سياسياً فحسب، بل مشروعاً لتغيير الديانة من بوابة الرواية.

هذا التحقيق لا يمدح مالكاً على طريقة المناقب، ولا يجلده على طريقة الخصوم، بل يفكك «شيفرة الموطأ»، ويُظهر كيف بنى الإمام جداراً عازلاً حَمى به السُّنّة من طوفان الروايات الكوفية، قبل أن يهدمه «العباسيون الجدد» من أهل الحديث.

أولاً: استراتيجية الإقصاء — لماذا صَفَّر مالك الرواية عن عليّ وابن عباس؟

في كتاب «المجروحين» لابن حبان، تمرّ عبارة صادمة على القارئ السطحي مرور الكرام، لكنها عند منقّبي التاريخ تمثل «الصندوق الأسود» للصراع السردي:

«لست أحفظ لمالك بن أنس في الموطأ ولا في غيره عن علي بن أبي طالب شيئاً، ولا عن ابن عباس…»

هذا الصفر الحديثي ليس نسياناً ولا جهلاً — وحاشا لمالك — بل قرارٌ منهجيٌّ واعٍ بُني على قراءة جيو-سياسية للرواية.

1) عليّ بن أبي طالب: بوابة التشيّع

أدرك مالك أن اسم «علي» في العراق تحوّل إلى شِماعة أيديولوجية يُعلّق عليها الغلاة باطنيتهم، والثوار مظلوميتهم. ففرّق بوعيٍ حاد بين:

  • عليّ المدني: القاضي والمفتي في عهد عمر وعثمان، بلا حمولة سياسية.
  • عليّ الكوفي: النسخة المُسيَّسة التي صاغتها الفتنة.

فآثر الصمت الحديثي حمايةً للدين،

2) ابن عباس: بوابة العباسية

كان العباسيون يؤسسون شرعيتهم على «الحَبْر» ابن عباس، ويضخّمون مروياته لصناعة نسبٍ دينيٍّ وراثي. فأغلق مالك الصنبور من جذوره، قائلاً بفعله:

«الدين ما استقرّ عليه عمل المدينة، لا ما يُطبخ في العراق لخدمة السياسة».

ثانياً: الكوفة «دار ضرب العملة المزيفة» — مبدأ الحجر الصحي المالكي

بينما تساهل المحدثون المتأخرون مع رواة الكوفة بحجة «الثقة الفردية»، كان لمالك تشخيصٌ آخر، بالغ الدقة:

«إنما الكوفة دار الضرب، يُضرَب فيها الحديث بالليل، ويُنفق بالنهار».

لم يكن هذا تهجّماً بل تحليلاً سوسيولوجياً: بيئةٌ مشحونة بالتشيّع، والخروج، والإرجاء، تلوّث حتى الراوي الصادق دون أن يشعر.

لهذا أسّس مالك مبدأ الحجر الصحي الحديثي: لا يُؤخذ الدين من مناطق موبوءة، ولو كان ناقلوه من العُبّاد الزهّاد.

القائمة السوداء: عمالقة سقطوا في اختبار مالك

أ) الأعمش (ت 148هـ): ملك الإسناد الكوفي، مدلسٌ معروف، يحمل تشيّعاً خفيفاً لكنه نافذ. تجاهله مالك عمداً.

ب) منصور بن المعتمر (ت 132هـ): عابدٌ زاهد، لكنّه جزء من ماكينة كوفية تُنتج غرائب الفضائل.

ج) مدرسة ابن مسعود الكوفية: وثق مالك بالصحابي، لا بالنسخة العراقية المُعاد تدويرها سياسياً.

ثالثاً: «عمل أهل المدينة» — الدستور غير المكتوب للدولة الأموية

عندما قال مالك: «السُّنّة عندنا كذا»، لم يكن يقدّم رأياً فقهياً، بل يوثّق قانوناً عاماً استقرّ في عهد عثمان، وترسّخ في دولة معاوية وعبد الملك والوليد.

«عمل أهل المدينة» هو الممارسة الحيّة للإسلام قبل زمن الثورات، قبل أن تتحوّل الرواية إلى أداة تعبئة. ولهذا قدّمه مالك على أخبار الآحاد: لأن العمل لا يُزوَّر، أمّا الرواية فتُختَطف.

رابعاً: فتوى تحت السوط — «طلاق المكره» وإسقاط الشرعية العباسية

لم يكن جلد مالك ثمناً لخطأ فقهي، بل ضريبة موقف. حين أفتى: «ليس على مستكره طلاق»، كان ينسف بيعةً أُخذت بالإكراه والأيمان المغلظة.

فجُرِّد، وضُرب، ومُدَّت يده حتى انخلعت كتفه، لأنه قال بلسان الفقه ما عجز السياسيون عن قوله:

«الشرعية لا تُنتَزع بالسياط».

خامساً: الجريمة الكبرى — حين هدم «أهل الحديث» سدّ مالك

بعد رحيل مالك، ظهر منهج «تقديس الإسناد» ولو خالف العمل. ففُتحت البوابة التي أغلقها الإمام، وتدفّقت الروايات الكوفية إلى قلب السُّنّة.

ومن هنا، أصبحت كتب المسانيد والسنن — بحسن نية أو بسذاجة — مستودعاً يُغذّي الجدل الشيعي اليوم.

الخلاصة: العودة إلى مالك العثماني

نحن في مجلة معاوية نعلنها بوضوح: الإصلاح لا يكون بالمنهج الحديثي المتأخر، بل بالعودة إلى نقطة التفتيش المالكية.

  • مالك كان عثمانيّ الهوى، يرى أن الفتنة كسرت السرد.
  • مالك بنى الجدار الذي حمى السُّنّة من التسييس.
  • وتركُ منهجه هو أصل الفوضى السردية اليوم.

الحل: إعادة الاعتبار لـ عمل أهل المدينة، وتنقية التراث من النفايات الكوفية، للعودة إلى الإسلام الصافي: إسلام عثمان ومعاوية، وإسلام المدينة المنوّرة.

هامش التوثيق: وثائق محنة الإمام مالك

– ابن كثير، البداية والنهاية (10/327): ربط الفتوى بالبيعة القهرية.
– الذهبي، سير أعلام النبلاء (8/79–80): الجهر بالفتوى والجلد العلني.
– الطبري، التاريخ (7/559): إسقاط أيمان البيعة في سياق النفس الزكية.
– القاضي عياض، ترتيب المدارك (2/140): تفاصيل التعذيب والطواف.
– ابن خلكان، وفيات الأعيان (4/137): أثر الضرب وبقاء الندبة.

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.