مجلة معاوية بن أبي سفيان
منجّمو البلاط والكتابة التاريخية
في بغداد العباسية المبكرة
عرضٌ تحليليٌّ موسَّع لبحث أنطوان بورّوت
تمهيد: لماذا المنجِّمون في كتابٍ عن حلقات العلم؟
يفتتح بورّوت بحثه بتقريرِ أنَّ الحديث عن المنجِّمين في مجلَّدٍ مخصَّصٍ للأوساط العلمية في بغداد العباسية أمرٌ وثيق الصلة بالموضوع، لا استطرادٌ فيه؛ وذلك للدور المِحوري الذي أدَّاه هؤلاء في تأسيس المدينة نفسها.
فقد أفاد اليعقوبي (ت بعد 292هـ/905م) في كتاب البلدان أنَّ جماعةً من المنجِّمين تولَّوا اختيارَ طالعِ العاصمة العباسية الجديدة، وهم:
- نوبَخت الفارسي (ت نحو 160هـ/777م)
- محمد بن إبراهيم الفَزاري (ت بين 180–190هـ/796–806م)
- ماشاء الله بن أثَري (أو ابن سارية، ت نحو 200هـ/815–816م)
- عمر بن الفرُّخان الطبري (ت 200هـ/815–816م)
وقد اختاروا يومًا سعيدًا لتأسيسها ضمانًا لمستقبلٍ باهر، وذلك في 30 يوليو 762م الموافق 3 جمادى الأولى 145هـ، بحسب الطالع الذي حفظه لنا البيروني (ت بعد 442هـ/1050م) في الآثار الباقية عن القرون الخالية. ويضرب بورّوت بهذا الصنيع مثلًا لِما يسمِّيه التنجيمَ الاختياري (catarchic astrology)، وهو المعروف في العربية بـ«الاختيارات»: فرعٌ رئيسٌ من فروع التنجيم الكلاسيكي، غايتُه انتقاءُ اللحظة المُثلى للشروع في أمرٍ من الأمور.
ومن ثمرات ذلك الطالع ما تناقلته الروايات من أنَّ المنجِّمين تنبَّؤوا بأن لا يموتَ خليفةٌ قطُّ في المدينة، وبشَّروا بعظمتها ومجدها — وهي نبوءةٌ صارت مادةً للتندُّر بعد مقتل الأمين سنة 198هـ/813م. ويستحسن بورّوت عبارةَ روجيه أرنالديز في وصف ذلك بأنَّ بغداد وُلدت «تحت رعاية العلماء».
ومن هنا ينطلق البحث إلى غرضَين متمايزَين:
- تقويمُ مكانة المنجِّمين ووظيفتهم في العصر العباسي المبكر تقويمًا أوسع.
- تحليلُ إسهامهم المُهمَل إلى حدٍّ بعيد في الكتابة التاريخية خلال القرون الأولى للإسلام، مع تتبُّع ازدهار جنسٍ أدبيٍّ بعينه ثم انحساره، وهو ما يسمِّيه «التواريخ التنجيمية» (astrological histories).
القسم الأول: التنجيم في العصر العباسي المبكر
يستهلُّ بورّوت بملاحظةٍ منهجيةٍ ضرورية نقلًا عن جورج صليبا: إنَّ المصادر العربية التي تصنِّف العلوم — ومنها الفهرست لابن النديم (كُتب سنة 377هـ/987–988م) — «كثيرًا ما يكون الخلطُ بين علم الهيئة (الفلك) وعلم أحكام النجوم (التنجيم) هو القاعدةَ فيها».
فالحقلان لم ينفصلا تدريجيًّا إلا من أواخر القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي فصاعدًا، ولم يُفصَل الفلكُ عن التنجيم فصلًا تامًّا إلا في وقتٍ متأخِّر، نحو القرن الثالث عشر الميلادي. ولذلك يُقرِّر بورّوت أنَّ الحقلَين متداخلان إلى حدٍّ بعيدٍ في الفترة موضوع البحث، ويُدرِجهما معًا تحت مصطلح «التنجيم».
1) من الأيديولوجيا الإمبراطورية إلى الرفض والمنازعة
أ — التنجيم بوصفه أداةَ حُكم
يبني بورّوت هنا على ما قرَّره دِمِتري غوتاس من أنَّ «الطلب على التنجيم» في العصر العباسي المبكر كان جزءًا لا يتجزَّأ من الأيديولوجيا الإمبراطورية لخلفاء الدولة الثانية، ولا سيَّما في عهد المنصور. وقد وصف ثيوفيلوس الرهاوي (ت 169هـ/785م)، منجِّمُ المهديّ، التنجيمَ بأنه «سيدة العلوم جميعًا»، وشهد الحقلُ ازدهارًا غيرَ مسبوقٍ في القرن العباسي الأول. ويُفهَم هذا الازدهار في سياق حركة الترجمة، بما ضخَّته من علومٍ وفلسفةٍ يونانيةٍ وهنديةٍ وفارسيةٍ في العالم الإسلامي.
ومن شواهد الاستعمال العملي للتنجيم التي يسوقها البحث:
- أُنبِئ المنصور بانتصاره الوشيك على العلوي إبراهيم بن عبد الله (ت 145هـ/763م) على يد نوبَخت.
- صحِبه أبو سهل بن نوبَخت (ت 170هـ/786م) — الذي خلَف أباه في منصب منجِّم البلاط — في حجَّته الأخيرة سنة 158هـ/775م.
- استُعمل التنجيم على نطاقٍ واسعٍ في الحملات العسكرية، بشهادة عددٍ من الرسائل في «التنجيم الحربي»، وأشهرُها رسالةُ ثيوفيلوس الرهاوي المؤلَّفة باليونانية؛ وكان المنجِّمون يقدِّرون عددَ جيش العدو، ويختارون الوقت السعيد للهجوم.
- كانت الطوالع تُضرَب في البلاط عند المواليد المهمَّة، وعند احتضار الرَّاعي (الممدوح).
ويشير في الحاشية إلى عادةٍ ساسانيةٍ نقلها ابن طاوس (ت 664هـ/1266م) عن الزمخشري (ت 1144م) في ربيع الأبرار: أنَّ ملوك الفرس كانوا يُقعِدون المنجِّمين قريبًا من مخادعهم؛ فإذا حانت اللحظة أشاروا إليهم ليرفعوا أسطرلاباتهم ويأخذوا الطالعَ لحظةَ العُلوق.
ب — نشأة العداء
يمثِّل عهد المأمون (197–218هـ/813–833م) ذروةً ثانيةً للتنجيم — وهو الخليفة المقترن عادةً بازدهار مؤسسة بيت الحكمة، التي يصفها بورّوت بأنها «شهيرةٌ لكن معرفتنا بها ضعيفة». ثم بدأ العداءُ للتنجيم يتنامى في العقود التالية، وكان محرِّكُه الأولُ المحدِّثين والمتكلِّمين أكثرَ بكثيرٍ من أدبيات التفسير المبكِّرة.
«كانت أوضحُ أسباب النزاع بين الدين والعلوم الدخيلة في ميدان التنجيم، وهو علمٌ يمسُّ العقيدةَ مباشرةً في مسائلَ كقِدَم العالم، ومشكلة حرية الإرادة، والقضاء والقدر.» — جورج صليبا، نقلًا في البحث
ويلاحظ بورّوت أنَّ اللاهوتيين المسيحيين في ما قبل الإسلام أفردوا التنجيمَ بالنقد للأسباب نفسها. وينقل قولَ الكِندي (ت نحو 252هـ/866م) بأنَّ الكواكب «كائناتٌ عاقلةٌ روحانيةٌ قادرةٌ على الفهم والنطق، وهي التي تُدبِّر كلَّ شيءٍ في هذا العالم بأمر الخالق الأول»؛ ويورد ما رُوي عن أبي معشر (ت نحو 272هـ/886م) — «ألبوماسر» المشهور في الغرب اللاتيني — من أنه «درس التنجيم حتى أَلْحَدَ» (والمصدر: صليبا نقلًا عن التنوخي ت 384هـ/994م وياقوت ت 626هـ/1229م).
ج — الدفاع والانحسار
صارت مسألةُ حدِّ سلطان الله في مقابل ما مُنِح للأجرام السماوية من استقلالٍ موضوعَ جدلٍ في ذاتها. ولذلك رفض التنجيمَ رفضًا صريحًا فلاسفةٌ كِبار كـالفارابي (ت 339هـ/950م) وابن سينا (ت 428هـ/1037م)، بينما انبرى المنجِّمون للدفاع عن حقلهم بتصنيف الرسائل المقابلة.
ومن أبرز الشواهد على رواج هذه المصنَّفات مدخلُ القَبيصي (ازدهر في النصف الثاني من القرن الرابع/العاشر) إلى التنجيم، الذي «بقي في عدة مخطوطاتٍ عربية، وفي ترجمةٍ لاتينيةٍ تربو مخطوطاتُها على المئتين». وكان القَبيصي — وقد ازدهر في بلاط الحمدانيين عند سيف الدولة (333–356هـ/945–967م) — شديدَ العناية بكشف الدجَّالين المحيطين بالحكَّام، لِما في وجودهم من إضرارٍ بمكانة المهنة، فصنَّف رسالة في امتحان المنجِّمين ممَّن هو متَّسِمٌ بهذا الاسم، أورد فيها قائمةَ أسئلةٍ تستوعب علمَ النجوم كلَّه لامتحان مدَّعي التنجيم، مشترطًا أن يحتفظ الأميرُ بالوثيقة سرًّا لأنَّ الأجوبةَ مُثبَتةٌ فيها أيضًا.
وقد أفضت هذه المناظرات — مع عواملَ أخرى — إلى عمليةِ أَسْلَمةٍ لعلم الفلك بلغت ذروتها في القرن السابع/الثالث عشر مع أولِ ذكرٍ لمؤسسة المُوَقِّت: الفلكيِّ المحترف المُلحَق بمؤسسةٍ دينية، وأصلُ عمله ضبطُ أوقات الصلاة. ويستنتج بورّوت من ذلك نتيجتين:
- النتيجةُ الظاهرة: رفضُ التنجيم آخِرَ الأمر، وتقلُّصُ أهمِّ أدواته في العربية تقلُّصًا كبيرًا، وهي الجداول الفلكية أو الزِّيج.
- النتيجةُ الأقلُّ ظهورًا والأقلُّ التفاتًا من الباحثين المعاصرين: اختفاء التواريخ التنجيمية — وهي لُبُّ البحث.
ملاحظة منهجية للباحث
يقرِّر بورّوت أنه من الممكن جدًّا أن يكون بعضُ الخلفاء — كالمنصور والمأمون — مؤمنين بالتنجيم إيمانًا حارًّا؛ إذ يُلِحُّ المسعودي في مروج الذهب على قُرب المنصور من المنجِّمين وامتثاله لأحكام النجوم، وثمَّة رواياتٌ شديدةُ الشبه بروايات المسعودي محفوظةٌ عند اليعقوبي في مشاكلة الناس لزمانهم. لكنه يُنبِّه إلى أنَّ الحكم على الحالات الفردية شيءٌ، وأنَّ الثابتَ الأعمَّ هو أنَّ التنجيم كان منتشرًا في المجتمعات الإسلامية الوسيطة، وقد أثبت «صلابةً لافتةً عبر قرونٍ كثيرة».
2) حلقات العلم: الشبكات العلمية والأُسَر
يُبيِّن بورّوت أنَّ المنجِّمين شكَّلوا شبكةً نافذةً من العلماء في العصر العباسي المبكر: يُشيرون على الخلفاء والأمراء في الشؤون العسكرية، ويعينونهم على اختيار الأيام المواتية لضروبٍ من القرارات والأعمال، ويتنبَّؤون بالحوادث، ويضربون الطوالعَ لأعيان البلاط. وقد تشكَّلت هذه الجماعات على نحوَين: أُسَرٌ من المنجِّمين، وشبكاتٌ كثيفةٌ من الشيوخ والتلاميذ.
أ — بنو نوبَخت: سُلالةُ منجِّمين
يعدُّ بورّوت آلَ نوبَخت خيرَ مثالٍ على «سُلالةٍ من المنجِّمين» ازدهرت من مبتدأ السلطان العباسي حتى أفول الأسرة في منتصف القرن العاشر الميلادي — وإن بقي بعض أعقابهم نشِطين في عصورٍ أبعدَ كثيرًا، كمحمد بن يعقوب بن نوبَخت الذي صنَّف كتابًا في الاختيارات سنة 659هـ/1260م.
| العَلَم | الوفاة / الازدهار | الخليفة أو الموضع |
|---|---|---|
| نوبَخت الفارسي | ت نحو 160هـ/777م | ضارِبُ طالع بغداد، ثم منجِّم المنصور |
| أبو سهل بن نوبَخت (ابنه) | ت 170هـ/786م | ازدهر منجِّمًا في بلاط المنصور |
| أبو سهل الفضل بن نوبَخت (ابن أبي سهل) | ت 200هـ/815م | منجِّم الرشيد، وعمل في خِزانة الحكمة |
| عبد الله بن سهل بن نوبَخت (حفيد) | ازدهر 197–218هـ/813–833م | في خدمة المأمون |
| الحسن بن سهل بن نوبَخت (حفيد) | ازدهر 227–247هـ/842–861م | في خدمة الواثق والمتوكِّل |
| موسى بن نوبَخت | ت نحو 328هـ/940م | صنَّف كتاب الأزمنة والدهور (نظري) والكتاب الكامل (تاريخ تنجيمي) |
| الحسن بن موسى (ابنه) | ت بين 300–310هـ/912–923م | عُرف متكلِّمًا وفيلسوفًا، وصنَّف مجلَّداتٍ في الفلك والتنجيم |
ولا يبقى من إنتاج الأسرة إلا كتابا موسى بن نوبَخت، وإن كان بعضُ أسلافه مُكثرين في التصنيف، وأبرزُهم أبو سهل. ويلفت بورّوت إلى أنَّ نفوذ بني نوبَخت لم ينحصر في علم النجوم، فقد كان جمعٌ من أفراد الأسرة متكلِّمين نابهين وعلماءَ بارزين في بغداد خلال القرنَين العباسيَّين الأولَين أو نحوهما.
ويصف بورّوت هذه الأسرة — وقد اعتنقت التشيُّع — بأنها «نموذجٌ مثاليٌّ لِما يمكن أن تبلغه الاستراتيجياتُ الأسرية من كفاءةٍ في البلاط العباسي»، ويستشهد بملاحظة صليبا أنَّ «توصيةَ الأبِ لابنه — كما فعل غيرُ واحدٍ من بني نوبَخت، فأورثت منصبَ الأبِ ابنَه — كانت أسلوبًا مُثمِرًا في الصعود الاجتماعي». على أنَّ بني نوبَخت لم يحتكروا هذا التكتيك، فيبدو أنَّ أبناءَ عمر بن الفرُّخان وأبناءَ ماشاء الله اشتغلوا بالتنجيم أيضًا.
ب — شبكات الشيوخ والتلاميذ
وراء الشبكات الأسرية، كانت العلاقةُ بين الشيخ وتلاميذه أهمَّ سُبل الترقِّي الاجتماعي، ولا سيَّما حين يقود الشيخُ جماعةً نافذة. ومَثَلُ ذلك «حلقة الكِندي» في بغداد، وقد كانت — بحسب برنِت ويامَموتو — «تُكلِّف بالترجمات، وبالنَّسخ، وبالتأليف بعباراتهم الخاصة» ضروبًا من المصنَّفات، فنشأت بذلك شبكاتٌ نافذةٌ ذاتُ مواردَ خاصة.
ومن أحسن الأمثلة على ذلك تلميذُ أبي معشر: أبو سعيد شاذان بن بحر (ازدهر أواخر القرن الثالث/التاسع)، وقد بلغت هذه الممارسةُ عنده ذروتَها في كتابه المُذاكَرات في أسرار النجوم، حيث نقل عن شيخه أخبارًا ذاتَ بال. وثمَّة مثالٌ آخرُ في تلميذ الكِندي الأشهر السَّرَخْسي (ت 286هـ/899م).
القسم الثاني: التواريخ التنجيمية
هنا يدخل بورّوت في صُلب أطروحته. فالنجاحُ الباهر للتنجيم في العصر العباسي المبكر لعلَّ خيرَ ما يُجلِّيه ازدهارُ جنسِ «التواريخ التنجيمية». وينقل عن غوتاس تحليلًا مركزيًّا يُعوِّل عليه البحث كلُّه:
«كان التاريخ التنجيمي — أو التنجيم السياسي — مُهِمًّا للعباسيين الأوائل لأنه أدَّى وظيفتَين حيويتَين: وظيفةً سياسية، إذ قدَّم سلطانَ الدولة العباسية — التي كان دَورُها لتوِّه في ابتدائه — بوصفه أمرًا قضت به النجومُ وقضى به اللهُ في نهاية المطاف، وفي ذلك رسالةٌ ضِمنيةٌ لكلِّ خصمٍ محتمَلٍ للنظام العباسي أنَّ العمل السياسي ضدَّهم عبَث؛ ووظيفةً أيديولوجية، إذ رسَّخ النظرَ إلى الدولة العباسية بوصفها الوريثَ الشرعيَّ الوحيدَ — في النظام الكوني الكبير الذي تحكمه النجوم — للإمبراطوريات القديمة في بلاد ما بين النهرين وإيران، وأقربِها عهدًا: الساسانيين.» — دِمِتري غوتاس، Greek Thought, Arabic Culture، ص 46
ومن ثَمَّ — يُعلِّق بورّوت — فإنَّ ضربَ طالعِ الثورة العباسية لم يكن مجردَ إثباتِ معلَمٍ في المشهد التاريخي الإسلامي، بل كان تأكيدًا على أنَّ السماء نطقت نطقًا لا يُنازَع فيه لصالح بني العباس، وختمت بذلك مصيرَ بني أمية.
1) صمتُ الدراسات الحديثة وازدراءُ المصادر
يسجِّل بورّوت مفارقةً لافتة: إذا كان التنجيم — والتواريخ التنجيمية خاصةً — في صميم استراتيجيات التشريع عند العباسيين الأوائل، فمن المنطقي أن يكون هذا النمطُ من الكتابة التاريخية قد أثَّر في التأريخ الإسلامي عمومًا. ومع ذلك فإنَّ المقدِّمات المختلفة للكتابة التاريخية في الإسلام — ويُحيل على أعمال تشيس روبنسون، وطريف الخالدي، وجولي سكوت مَيْسَمي — يسودها الصمتُ عن التنجيم والتواريخ التنجيمية، إلا في ملاحظاتٍ عارضة.
أمَّا في المصادر الأولية نفسها — ولا سيَّما كتب الحوليات — فإنَّ ازدراءَ المنجِّمين، بل الرفضَ العنيف لخبرتهم أحيانًا، يكشف عن توتُّرٍ بين مقارباتٍ متنافسةٍ للكتابة التاريخية. ومن ذلك أنَّ النبوءات الخاطئة صارت مادةً للسخرية، كما في تقدير منجِّمي الواثق (227–232هـ/842–847م) — ومنهم الحسن بن سهل ومحمد بن موسى الخوارزمي (ت بعد 232هـ/847م) — أنَّ الخليفة سيُشفى من عِلَّته ويعيش خمسين سنةً أخرى، «فمات في أقلَّ من عشرة أيام»! (والخبر عند الطبري في تاريخ الرسل والملوك).
2) خصوصيةُ هذا الجنس الأدبي
ينقل بورّوت عن غوتاس ملاحظةً دقيقة: إنَّ التنجيم في هذه المصنَّفات «لم يكن مجردَ موضوعٍ من الموضوعات التي يتناولها المؤرِّخون، بل كان — كما يتَّضح عند أبي سهل بن نوبَخت وحمزة الأصفهاني (ت بعد 350هـ/961م) — الدافعَ وراء كتابة هذا الضرب من التاريخ».
وبعبارةٍ أخرى: كانت النظرياتُ التنجيمية هي المحرِّكَ الذي يُغذِّي مجرى التاريخ. فالتنجيم — إذا فُهم في سياقٍ ما قبل حديثٍ أو حتى حديثٍ مبكِّر — كان يقدِّم طريقةً علمية لفهم أحداث الماضي وتأريخها والتنبُّؤ بالمستقبل في آنٍ واحد. فهو إذن إطارٌ فكريٌّ يُضفي على التاريخ البشري معنًى. وهذه ممارسةٌ ليست جديدة، وتطوُّرُها الإسلاميُّ مَدينٌ كثيرًا للتقاليد اليونانية والهندية، وللساسانية على وجه الخصوص. ويُلاحظ برنِت ويامَموتو أنَّ «الفرس يبدون شديدي الحماس للتاريخ التنجيمي (الذي كان محظورًا في الإمبراطورية الرومانية)، ومن سوء الحظ ألَّا يكون قد بقي نصٌّ منه بالفارسية».
وكانت النظريات التنجيمية راسخةً في الفلسفة الطبيعية الأرسطية، فتمتَّع التنجيم بـ«مكانةٍ شبيهةٍ بمكانة الطب، بمعنى أنَّ كلا الحقلَين عُدَّ من العلوم الطبيعية غير البرهانية، وفُهِم ضمن الإطار الأرسطي الأوسع». بل احتجَّ أبو معشر في كتاب المدخل الكبير إلى علم أحكام النجوم بأنَّ الأطباء الحقيقيين «يدركون أنَّ الطبَّ مبنيٌّ على التنجيم». ومن ثَمَّ عُومل المنجِّمون معاملةَ «الأطباء والعلماء وأهل المِهَن»، فأُفرِدوا بمصنَّفاتٍ في التراجم، وأحسنُ ما يمثِّلها في طورٍ متأخِّر كتابُ ابن طاوس (ت 664هـ/1266م): فَرَج المهموم في تاريخ علماء النجوم.
3) النظريات والأدوات
أ — القِرانات: البصمة المميِّزة
يقرِّر بورّوت أنَّ أميزَ خصائص التواريخ التنجيمية العربية هو الدور المركزي المعطى لقِرانات الكواكب العُلوية، ولا سيَّما زُحل والمشتري — اتِّباعًا لسابقةٍ ساسانية — بدلًا من الاعتماد الأول على تركيز بطليموس على كسوف الشمس وخسوف القمر. ويُضاف إلى ذلك فارقٌ مهمٌّ آخرُ عن الرباعية (Tetrabiblos) لبطليموس، وهو «البروزُ المعطى للأديان والدُّوَل»؛ فهذه القِرانات تُستعمل أولًا وقبل كلِّ شيءٍ لتسويغ التحولات الدينية أو السياسية الكبرى أو التنبُّؤ بها.
وخيرُ مثالٍ على ذلك التاريخُ التنجيمي لـماشاء الله، وإن كان النصُّ يثير أسئلةً مشروعةً حول انتقاله؛ إذ لم يُحفَظ في صورته الأصلية، بل نقله جزئيًّا ابن هِبِنتا (ت بعد 320هـ/932م). وقد لخَّص ديفيد بِنغري وإدوارد كِنِدي — وهما مَن أعاد بناء تاريخه التنجيمي — نظريتَه على النحو الآتي:
«مقاربةُ ماشاء الله لتاريخ العالم تقدِّمها نظريةٌ ساسانيةٌ مفادها أنَّ التحولات الدينية والسياسية المهمَّة تدلُّ عليها قِراناتُ زُحل والمشتري، المتكرِّرةُ على فتراتٍ تقارب العشرين سنة. والقِراناتُ المتعاقبة تنزع إلى البقاء في المُثلَّثة الفلكية نفسها [والمُثلَّثةُ مجموعةٌ من ثلاثة بروجٍ تنتمي إلى عنصرٍ واحد: نارٍ أو أرضٍ أو هواءٍ أو ماء]. غير أنها بعد أمدٍ طويل [نحو 240 سنة] تنتقل إلى مُثلَّثةٍ أخرى. وكلُّ «انتقالٍ» من هذا القبيل يدلُّ على تغيُّراتٍ أشملَ من مجرَّد قِران — كنهوض أمَّةٍ جديدةٍ أو سُلالةٍ حاكمة. أمَّا ظهورُ نبيٍّ كبير — وهو أعظمُ الحوادث دلالة — فيُنبِئ به اكتمالُ دورةٍ من الانتقالات عبر المُثلَّثات الأربع جميعًا [أي نحو 960 سنة].» — كِنِدي وبِنغري، The Astrological History of Māshāʾallāh
وثمَّة نظريةٌ أخرى قائمةٌ على القِرانات، لكنها أقلُّ شيوعًا بكثير، بل تكاد تنحصر في الكِندي وتلميذِه السَّرَخْسي وأبي معشر، وتتركَّز على قِرانات النَّحسَين: زُحل والمريخ، المتكرِّرة كلَّ ثلاثين سنة.
ب — نظريات الألوف والأطر الزمنية الأخرى
إلى جانب القِرانات، تستعمل التواريخ التنجيمية جملةً من العناصر الأخرى، منها النظريات الألفية القائمة على مفهوم «سنة العالم» (world-year)، وأُطُرٌ زمنيةٌ متنوِّعةٌ كدورات الستين سنة. وهذه المكوِّنات لا تتنافى عادةً مع القِرانات الكوكبية، كما يُبيِّنه صنيعُ ماشاء الله، ومن أسباب ذلك أنَّ هذه الفواصل (سواءٌ الألوف أم دورات الستين) تتوافق تقريبًا مع قِراناتٍ كوكبيةٍ ذات دلالة. وقد «ألَّف ماشاء الله أقدمَ تاريخٍ نملكه قائمٍ على نظريةٍ ألفية، تُقاس فيها كلُّ ألفيةٍ بمرور قِرانات الكوكبَين الأبعدَين عن الأرض — زُحل والمشتري — عبر المُثلَّثات الأربع في التنجيم اليوناني الكلاسيكي». ثم إنَّ الأقاليم والشعوب بل الحكَّام كانوا يُقرَنون بكواكبَ أو بروجٍ بعينها، فنشأت من ذلك تركيباتٌ شتَّى من الجغرافيا والتنجيم.
ومع مركزية القِرانات، ظلَّت الكسوفاتُ والخسوفاتُ وسائرُ الطوالع السماوية ذاتَ أهمية، وظلَّت تُسجَّل تسجيلًا دقيقًا، امتدادًا لممارسةٍ راسخةٍ تعود إلى العهود البابلية، وثابتةٍ أيضًا عشيَّةَ الإسلام في مواضعَ كأنطاكيةَ والرُّها. وخيرُ ما يُجلِّي ذلك كتاب الكسوفات الوجيز لماشاء الله، والجهدُ الواسع في المصادر الإسلامية وغير الإسلامية لتسجيل الكسوفات والمذنَّبات والشُّهُب.
ج — الزِّيج: الأداة الأساسية
لماذا يهمُّ الزِّيج؟
كانت الأداةُ الأساسية للمنجِّمين هي الزِّيج — الجدولَ الفلكي — إذ به يُؤرِّخون قِرانات الكواكب وسائرَ الظواهر السماوية، وبه يضربون الطوالع. بل إنَّ أكثر الحسابات — حتى في طوالع الحوادث المعاصرة — لم تكن مبنيةً على أرصادٍ فلكية، بل على أساس الجداول الفلكية. ومن هنا كانت دقةُ الزِّيجات أمرًا بالغَ الخطورة، وهو ما يفسِّر ضخامةَ الجهود المبذولة في تنقيح الجداول الخاطئة أو المتقادِمة.
ويرسم بورّوت منحنى هذا الجنس على النحو الآتي: كانت هذه الكتب قبل ظهور الإسلام «تُحسَب وتُستعمل في إيران الساسانية»؛ ثم ازدهر الجنسُ ازدهارًا حقيقيًّا من مطلع القرن الثاني/الثامن فصاعدًا، «فأُنتِج ما يزيد على مئة زِيجٍ مختلف» (بحسب كِنِدي). ثم يبدو أنَّ عدد الزِّيجات تقلَّص تقلُّصًا حادًّا خلال القرنَين الرابع/العاشر والخامس/الحادي عشر، قبل أن يعاود الظهور في البلاطات المختلفة التي ازدهرت بعد التفكُّك السياسي للإمبراطورية العباسية — لكن بالفارسية في المقام الأول، وبالعربية بدرجةٍ أقلَّ كثيرًا (مع استثناءٍ لافتٍ للأندلس التي أُنتج فيها عددٌ لا بأس به من الزِّيجات من سنة 1000م فصاعدًا).
| الزِّيج | صاحبه | ملاحظات |
|---|---|---|
| الزِّيج السِّندهند | محمد بن موسى الخوارزمي | مبنيٌّ على مادةٍ هندية، والاسم تحريفٌ للسنسكريتية siddhānta؛ تُرجم إلى اللاتينية على يد أدِلارد الباثي في القرن الثاني عشر، والأصلُ العربي مفقود |
| الزِّيج المُمتَحَن | يحيى بن أبي منصور (ت نحو 214هـ/830م) | يعدُّه بورّوت لعلَّه أعظمَ إنجازٍ في بابه: نسخةٌ مصحَّحةٌ موحَّدةٌ من الجداول السابقة |
ويخلص إلى قاعدةٍ إجرائية: ازدهارُ الزِّيجات وانحسارُها مفتاحٌ حاسمٌ لإضاءة كرونولوجيا التواريخ التنجيمية؛ فهذه الأدوات هي التي أسنَدت نهوضَ التنجيم — والتواريخ التنجيمية خاصةً — في العهد العباسي المبكر.
4) ما بقي وما فُقِد من التواريخ التنجيمية
على أساس تلك النظريات والأدوات، ضُرِبت في العصر العباسي المبكر طوالعُ لا تُحصى، وبقيت مئاتٌ منها في التواريخ التنجيمية وفي المخطوطات العربية عامة. وتكشف سلاسلُ من الطوالع عن وجود تواريخَ تنجيميةٍ مفقودة، منها:
- خمسةٌ وثلاثون طالعًا حفظها السِّجْزي (ت نحو 410هـ/1020م)، «كانت يومًا ما لُبَّ تاريخٍ تنجيميٍّ للخلافة المبكِّرة، تغطي المدة من 571 إلى 786م» — وهو ما يكشف عن تصنيف تاريخٍ تنجيميٍّ في خلافة هارون الرشيد (170–193هـ/786–809م).
- مجموعاتُ طوالعَ في أعمال المنجِّم الهندي كَنَكَة، النشِط في بلاط الرشيد والمعروف بالعربية بـ«كَنَكَة الهندي» (ازدهر 158–205هـ/775–820م)، في كتابه في الأحكام على الأدوار والفَردارات والقِرانات وانتقال المِلَل والدُّوَل، وهي مجموعاتٌ «تنتهي بولاية هارون الرشيد (786م) والأمين (809م) والمأمون (813م) على التوالي».
- قائمةُ خمسةَ عشرَ طالعًا حفظها السِّجْزي تنتهي في 22 ديسمبر 679م — ممَّا يُرجِّح وجودَ تواريخَ تنجيميةٍ من العهد الأموي.
ويورد بورّوت — نقلًا عن الدراسة المفصَّلة لأبي معشر عند برنِت ويامَموتو — قائمةً بمَن صنَّف تواريخَ تنجيميةً بالعربية، بقيت كلُّها أو بعضُها:
| # | الاسم | # | الاسم |
|---|---|---|---|
| 1 | أبو معشر | 9 | النَّيريزي |
| 2 | زرادُشت | 10 | البتَّاني |
| 3 | جامَاسْب | 11 | ابن كِبْريا النوبَختي |
| 4 | ماشاء الله | 12 | السِّجْزي |
| 5 | كَنَكَة الهندي | 13 | ابن مَغْهور |
| 6 | عمر بن الفرُّخان | 14 | ابن أبي الرِّجال |
| 7 | سهل بن بِشْر | 15 | مُحيي الدين المغربي |
| 8 | الكِندي |
وينبِّه بورّوت إلى أنَّ هؤلاء الخمسةَ عشرَ لم يكونوا كلُّهم نشِطين في بغداد، ولا كانوا كلُّهم منجِّمي بلاطٍ بالمعنى الدقيق، لكنهم يشهدون على نمطٍ واسعٍ من الكتابة التاريخية.
المؤرِّخون الذين أدرجوا الطوالع في سرودهم
ويتعزَّز هذا كلُّه إذا نُظر إلى مؤرِّخين آخرين أدرجوا صراحةً موادَّ تنجيميةً وطوالعَ في سرودهم، وأبرزُهم اليعقوبي: ففي تاريخه تُصدَّر تراجمُ الخلفاء بطوالعهم، وأكثرُها مجهولُ الأصل، لكن بعضَها مأخوذٌ صراحةً عن ماشاء الله أو الخوارزمي — وكلاهما مذكورٌ في مصادره في مقدِّمة كتابه. وهذا شاهدٌ على تداوُل التواريخ التنجيمية خارجَ دائرة المنجِّمين المحترفين.
ويلاحظ بورّوت أنَّ كثيرين ممَّن تعاملهم الدراساتُ الحديثة على أنهم «مؤرِّخون» كانوا في الوقت نفسه فلكيين/منجِّمين أو شديدي العناية بالتنجيم، ومنهم:
- الدِّينَوَري (ت نحو 282هـ/895م)
- حمزة الأصفهاني (ت بين 350–360هـ/961–971م)
- ابن حائك (ت 334هـ/945–946م)
- أبو إسحاق إبراهيم الصابي (ت 384هـ/994–995م)
وهي أسماءٌ نبَّه عليها منذ زمنٍ بعيدٍ فِرديناند فوستنفِلد في مؤرِّخو العرب ومصنَّفاتهم (غوتنغن 1882م).
5) المصادر المفقودة: مثالان مركزيان
مسألةُ المصادر المفقودة من أكثر ما شغل المتخصِّصين في الإسلام المبكر، وهو أمرٌ متوقَّعٌ نظرًا لشُحِّ المصادر السردية للقرون الأولى. ويُقرِّر بورّوت أنَّ التحدِّيات المنهجية هائلة، وأنَّ «فكرةَ أنَّ الاقتباسات المحفوظة في نصوصٍ متأخِّرةٍ — ولو بأسانيدَ سليمة — تسمح بإعادةِ بناءٍ مباشرةٍ للنصوص المفقودة قد رُفِضت بحقٍّ». لكنه يُضيف أنَّ هذا لا يعني أنَّ الدراسات الدقيقة — مع الاحتياطات المنهجية الواجبة — عاجزةٌ عن الكشف عن طبقاتٍ قديمةٍ من المادة المنقولة. ثم يسوق مثالَين.
المثال الأول: تاريخُ الخوارزمي المفقود
يطرح بورّوت سؤالًا يقول إنه حيَّره طويلًا: محمد بن موسى الخوارزمي — المُلحَق بـ«بيت الحكمة» في عهد المأمون (مُنقَطِعًا إليه) — يتمتَّع بشهرةٍ علميةٍ هائلةٍ تمتدُّ من الجبر والرياضيات (فاسمُه أصلُ كلمة algorithm) إلى الفلك والجغرافيا ورسم الخرائط، ومع ذلك نُسي نسيانًا شبهَ تامٍّ بوصفه مؤرِّخًا، مع أنه من الثابت أنه صنَّف كتاب التاريخ المفقود اليوم. فلماذا اختفى مؤرِّخًا وبقي مرجعًا بارزًا في حقولٍ أخرى كثيرة؟
والسؤال أشدُّ إلحاحًا إذا عُلم أنَّ تاريخ الخوارزمي معاصرٌ تقريبًا لتاريخ خليفة بن خيَّاط (ت 240هـ/854م)، الذي يُعدُّ من أقدم الحوليات الإسلامية الكاملة التي وصلتنا. ويشدِّد بورّوت على أنَّ أيَّ منفذٍ إلى تاريخ الخوارزمي المفقود أمرٌ حاسم، لأنه صُنِّف قبل عقودٍ قليلةٍ من هجر سامرَّاء (279هـ/892م) وعودة الخلافة إلى بغداد — وهي مدةٌ اتَّسمت بتقنين نسخةٍ متَّفَقٍ عليها من الماضي الإسلامي.
وسبيلُ الوصول — مع الاحتياط المنهجي — هو الشذراتُ المحفوظة في مصادرَ لاحقةٍ إسلاميةٍ وغيرِ إسلاميةٍ على السواء، وخيرُ ما يمثِّل الثانيةَ المؤرِّخُ السرياني الشرقي إيليا النَّصيبيني (ت 438هـ/1046م). وقد لاحظ هاينريش سوتر مبكِّرًا سنة 1900م أنَّ المسعودي أدرج تاريخ الخوارزمي ضمن مصادره في مروج الذهب. ومن نتائج هذا التحقيق:
- يبدو أنَّ حوليات الخوارزمي بدأت بمولد النبيِّ ﷺ واستمرَّت إلى سنة 210هـ/826م على الأقل، إذ ينقل عنه الطبريُّ (ت 310هـ/923م) وابن أبي طاهر طَيفور (ت 280هـ/893م) لتلك السنة.
- يبدو أنَّ الخوارزمي كان يُقدِّم تفسيرًا تنجيميًّا للتاريخ، بشهادة الطوالع التي استعارها منه اليعقوبي: طالعُ مولد النبيِّ ﷺ ووفاتِه، وطالعُ الوحي، وطالعُ استشهاد الحسين في كربلاء.
- يكشف هذا التحقيقُ عن التأريخ العباسي في طور التكوين، إذ يُظهر مثلًا صياغةَ ما سيصير النسخةَ المعيارية لما يسمَّى «الثورة العباسية».
ويخلص بورّوت إلى فرضيةٍ مركزية: لعلَّ كونَ الخوارزمي صنَّف تاريخًا تنجيميًّا هو ما يفسِّر دفنَه إلى حدٍّ بعيدٍ بوصفه مؤرِّخًا، مع بقائه شخصيةً عملاقةً في العلم الإسلامي.
المثال الثاني: ثيوفيلوس الرهاوي ومشكلة التصنيفات
يكشف المثال الثاني عن أنَّ مشكلة المصادر المفقودة تزداد تعقيدًا بسبب التصنيفات التي يستعملها المتخصِّصون المعاصرون. فأيُّ تعريفٍ بسيطٍ لـ«التأريخ الإسلامي» أو «التأريخ العربي» هو تعريفٌ خادع، إذ يتعذَّر حصرُ الكتابة التاريخية في الإمبراطورية الإسلامية الناشئة في المؤلِّفين المسلمين أو في العرب إثنيًّا.
المفارقة التي يرصدها البحث
يمتدح الباحثون مترجمي العصر العباسي المُجيدين — وأكثرُهم من غير المسلمين — للدور المؤسِّس الذي أدَّوه في حركة الترجمة وفي عالَم الإسلام المبكِّر الكوزموبوليتي، حيث كانت التعدُّديةُ اللغوية بين المتعلِّمين قاعدةً لا استثناء؛ ثم هم في الوقت نفسه يترددون في إدماج الفاعلين غير المسلمين في البلاط الخليفي بوصفهم شخصياتٍ رئيسةً في التأريخ الإسلامي المبكر. ويستحضر بورّوت هنا خُطى مارشال هودجسون، وأحدثَ منه تشيس روبنسون في قوله إنَّ «التصنيفات [التي نستعملها] تستحقُّ التمحيص».
ويُبيِّن أنَّ الطريقة التقليدية في تأطير التأريخ الإسلامي نزعت إلى مقابلة «المصادر الداخلية» (ما أنتجه المسلمون بالعربية) بـ«المصادر الخارجية» (ما أنتجه غير المسلمين بالعربية وبلغاتٍ شتَّى)؛ وقد حاجَّ بورّوت في أعمالٍ أخرى بأنَّ هذه الثنائية تحرمنا من مقاربةٍ شاملةٍ لتأريخات الشرق الأدنى في القرون الأولى للإسلام.
مَن هو ثيوفيلوس؟
- عالمٌ من العصر العباسي المبكر ذو مهاراتٍ لغويةٍ لافتة، وإن انتُقدت جودةُ بعض ترجماته نقدًا شديدًا من بعض أقرانه كـحُنين بن إسحاق (ت 259–260هـ/873م).
- كان يكتب باليونانية والسريانية، ومن المرجَّح جدًّا أنه كان يُتقن العربية، ويبدو أنه عرف شيئًا من البهلوية.
- ترجم مؤلِّفين يونانيين — ومنهم هوميروس — إلى السريانية، ويذكر ابن العبري (ت 685هـ/1286م) أنه صنَّف حولياته بالسريانية، بينما أكثرُ ما بقي من أعماله التنجيمية باليونانية.
- كان مسيحيًّا خَلقيدونيًّا (ويُشار إليه أحيانًا بأنه ماروني، وإن بقي معنى هذا التصنيف غيرَ يقينيٍّ للمدة المدروسة)، وقد خدَم كبيرَ منجِّمين ومستشارًا عسكريًّا للخليفة المهدي (158–169هـ/775–785م)، بل لعلَّه كان نشِطًا في العهد الأموي، خاصةً في خلافة مروان الثاني (127–132هـ/744–750م).
مشكلة «المصدر السرياني المشترك»
لم يبقَ من عمله إلا شذرات: مقاطعُ من رسائله التنجيمية باليونانية، بينما نُقل عملُه التاريخي نقلًا واسعًا في طائفةٍ كبيرةٍ من المصادر المسيحية. وقد عُرِّف ثيوفيلوس منذ زمنٍ طويلٍ بأنه «المصدر السرياني المشترك» الشهير. ويؤكِّد هذا التعريفَ صراحةً أغابيوس المَنبِجي (كتب نحو 330هـ/942م)، إذ يذكر أنه وجد معلوماته عن الثورة العباسية (أو حتى الثورة العباسية) في كتاب «تُوفيل المنجِّم».
غير أنَّ مكانة ثيوفيلوس بوصفه مصدرًا مشتركًا فريدًا لعدة نصوصٍ مسيحيةٍ قد اعتُرِض عليها حديثًا، ويرجِّح بورّوت أن ينقسم النقاش إلى معسكرَين:
- الأقلِّيّون (minimalists): يرون أنَّ إسهام ثيوفيلوس ينحصر في الواقع في روايته للحادثة التي أفضت إلى سقوط الأمويين.
- الأكثريّون (maximalists): يدعون إلى تأثيرٍ أوسعَ كثيرًا للمنجِّم في المصادر المسيحية، لا في التاريخ الإسلامي وحده، بل ربما في الماضي ما قبل الإسلامي أيضًا.
وينبِّه بورّوت إلى أنَّ محاولة روبرت هويلاند لإعادة بناء حوليات ثيوفيلوس المفقودة تُثير أسئلةً منهجيةً كثيرة، وأنَّ الأشكل من ذلك — من زاوية بحثه هذا — أنَّ البُعد التنجيمي لثيوفيلوس مُهمَلٌ إهمالًا شبهَ تامٍّ عند هويلاند، وكذلك سائرُ الدراسات المتصلة بالمسألة؛ وهو أمرٌ مؤسِفٌ خاصةً بالنظر إلى ضخامة المادة التي جمعها ديفيد بِنغري عن ثيوفيلوس. ويُثبِت ذلك — في نظر بورّوت — قِلَّةَ الالتفات الذي يوليه الباحثون المعاصرون للتنجيم، «مع أنه بالإقرار أهمُّ مفتاحٍ يُقارَب به تكوينُ ثيوفيلوس الفكري وإنجازاتُه العلمية».
وقد أظهر بِنغري أهميةَ ثيوفيلوس في تداوُل المعرفة التنجيمية في الأوساط العباسية، ولا سيَّما إدخالُه رِيتوريوس المصري (النشِط في الإسكندرية مطلعَ القرن السابع الميلادي على الأرجح) إلى زملائه من منجِّمي البلاط، بينما كان هو نفسُه متأثرًا بالنظريات الساسانية، وهي فكرةٌ يعزِّزها اهتمامُه بالمواد البهلوية.
تلميذُه اسْطِفانوس الفيلسوف
ومن اللافت أنَّ تلميذ ثيوفيلوس — اسْطِفانوس الفيلسوف (المعروف أيضًا بـ«اسْطِفانوس الإسكندري المنحول»، كتب نحو 158هـ/775م) — صنَّف باليونانية تاريخًا تنجيميًّا للخلافة «قائمًا على طالع السنة التي وقعت فيها الهجرة». وكان اسْطِفانوس «معروفًا جيدًا في بغداد في القرن التاسع، إذ يُحيل أبو معشر إليه كثيرًا عند شاذان، وتُنقَل أقوالُه عند غيره في هذه المدة». ويرى بِنغري أنَّ ثيوفيلوس كان في نهاية المطاف مسؤولًا عن إعادة إدخال الرياضيات والتنجيم إلى بيزنطة عبر تلميذه اسْطِفانوس، الذي زار القسطنطينية في تسعينيات القرن الثامن وصنَّف فيها رسالةً في الاحتجاج للتنجيم — وإن كان بورّوت يرى في القول باختفاء التنجيم اختفاءً تامًّا من بيزنطة قبل أواخر القرن الثاني/الثامن مبالغةً.
الخلاصة في ثيوفيلوس
يُقرِّر بورّوت أنَّ المتخصِّصين في الإسلام الوسيط ما زالوا يعدُّون ثيوفيلوس «مصدرًا خارجيًّا» لسببَين: أنه مسيحيٌّ أولًا، وأنه يكتب بالسريانية واليونانية ثانيًا — مع أنه لا ينبغي استبعادُ كونه كتب بالعربية أيضًا. لكن بالنظر إلى دوره المِحوري في بلاط المهدي، وصِلاته الوثيقة بسائر علماء البلاط، فإنَّ فكرةَ كونه «خارجيًّا» عن الدولة الإسلامية إشكاليةٌ جدًّا. وإذا نظرنا إلى احتمال أنَّ حولياته كانت في الواقع تاريخًا تنجيميًّا، ساغ ربطُها بأعمالٍ من الجنس نفسه أنتجها معاصروه كماشاء الله، ومقاربةُ هذه المصادر بوصفها متنًا متجانسًا.
ومن شواهد شهرته بين أقرانه وعند المؤلِّفين المسلمين اللاحقين: ما رُوي من أنَّ أبا معشر وجد كتاب توفيل بن توما في خزائن الملوك — ولعلَّها بيتُ الحكمة. وقد افترض بِنغري أنَّ هذا «لا بدَّ أن يكون من أوائل ترجمات عملٍ علميٍّ يوناني»، وإن لم يُستبعَد تمامًا أن يكون ثيوفيلوس صنَّف كتابًا بالعربية مباشرة. ومن اللافت أنَّ ابن النديم يُدرِج ثيوفيلوس في الفهرست ضمن مَن ترجم من اللغات الأجنبية إلى العربية، ويذكر في موضعٍ آخرَ أنَّ أحد كتبه نُقل من السريانية إلى العربية. وعلى كل حال فـ«المؤلِّفون العرب الذين ينقلون عن ثيوفيلوس يشملون ماشاء الله، وسهل بن بِشْر، والقَصْراني، وعليَّ بن أبي الرِّجال»، فضلًا عن المؤلِّفين المسيحيين الذين استمدُّوا منه جزءًا كبيرًا من مادتهم.
ويخلص إلى أنَّ ثيوفيلوس والخوارزمي — كلاهما بصفته الرسمية — ربما أدَّيا دورًا في بناء السرود العباسية وطبقات الذاكرة التاريخية؛ ووراء هذين المثالَين الاستثنائيَّين، تنطوي تواريخُ تنجيميةٌ كثيرةٌ محفوظةٌ أو مفقودةٌ على إمكان إلقاء ضوءٍ جديدٍ على الكتابة التاريخية في الإسلام المبكر.
القسم الثالث: التأريخ الإسلامي المبكر في طور التكوين
يطرح بورّوت السؤالَ صراحةً: فماذا عسى هذه التواريخ التنجيمية أن تقدِّم؟ هل توفِّر معلوماتٍ جديدة أو مناظيرَ جديدةً على التاريخ الإسلامي المبكر؟
وجوابُه متوازن: قد تكون هذه النصوصُ مُحبِطةً للوهلة الأولى بسبب طبيعتها المُقتضَبة، بل قد تبدو أحيانًا شبهَ مُعمَّاة. لكنها تُقدِّم أحيانًا عناصرَ جديدةً تُكمِّل الحوليات المعروفة، وكثيرًا ما تُعين على تعضيد الكرونولوجيا. ومن أمثلة ذلك دراسةُ بِنغري وفِلْفِرد مادِلونغ عن العلويين في أواخر القرن الثالث/التاسع، حيث تُقدِّم سلسلةٌ من الطوالع معلوماتٍ فريدةً تُكمِّل روايات علماءَ كالطبري وابن إسفنديار (ازدهر مطلع القرن السابع/الثالث عشر).
1) بناء المعرفة التاريخية
ثم يقلب بورّوت زاويةَ النظر إلى «الجِدَّة»: قد يبدو للناظر السريع أنَّ هذه المصادر لا تضيف كثيرًا إلى معرفتنا بالماضي الإسلامي المبكر المبنيَّة أساسًا على حوليات العصر العباسي. لكنَّ مربط الفرس أنَّ بعض هذه التواريخ التنجيمية صُنِّف قبل زمنٍ طويلٍ من المصادر «الكلاسيكية» التي نستعملها عادةً لإعادة بناء ذلك الماضي.
الحجة الجوهرية
التاريخُ التنجيمي لماشاء الله صُنِّف قبل أكثرَ من قرنٍ من الأثر الأكبر للطبري. وبعبارةٍ أخرى: تُوفِّر التواريخُ التنجيمية مساربَ جديدةً للنفاذ إلى الطبقات التأريخية المبكِّرة، ولمقاومة «التَّطبير» — أي هيمنة الطبري على تصوُّرنا للتاريخ الإسلامي، وهو مصطلح Tabarization الذي صاغه فِرِد دونر. فحتى لو كنَّا نعلم هذا الخبر أو ذاك، تبقى لأقدمِ التواريخ التنجيمية وظيفةٌ مهمَّةٌ في إضاءة بناءِ المعرفة التاريخية وتطوُّرِ التأريخ الإسلامي.
أثرُ المنجِّمين في الكرونولوجيا
ثم يطرح سؤالًا يصفه بأنه أشدُّ إغراءً: ما أثرُ التواريخ التنجيمية في السرود التاريخية، خاصةً في المسائل الكرونولوجية؟ فمن الجليِّ أنَّ الفلكيين/المنجِّمين كانوا خبراءَ في حساب الزمن والتحويل بين التقاويم المستعملة في الشرق الأدنى في العصور القديمة المتأخِّرة والإسلام المبكر، فبذلوا جهدًا كبيرًا في تصنيف الأزياج والتقاويم وجداول التحويل. فكان تأريخُ الحوادث الكبرى — من الطوفان إلى مولد النبيِّ ﷺ بل الحوادثِ المستقبلية — في رأس اهتماماتهم. فهل يمكن إذن أن يكونوا مسؤولين — ولو جزئيًّا — عن إرساء الإطار الكرونولوجي الذي استعمله المؤرِّخون المسلمون لاحقًا؟
ويسوق شاهدًا ثابتًا على التلاعب بالكرونولوجيا لمطابقة الحوادث الفلكية أو النظريات التنجيمية:
«إنَّ المنجِّمين الزرادشتيين الذين تبعهم ماشاء الله نقلوا الطوفانَ إلى بُرج السرطان ليوافق تصوُّرَهم لتاريخ العالم، وليتطابق مع المذهب التنجيمي الذي يَعُدُّ ذلك البُرجَ مائيًّا. وقد جُمِع هذا ببراعةٍ مع النظرية الزرادشتية القائلة بأنَّ الكونَ يدوم اثنتي عشرةَ ألفيةً بإزاء البروج الاثني عشر.» — ديفيد بِنغري، Māshāʾallāh's Zoroastrian Historical Astrology
ويقترح بورّوت أنَّ من المُفيد استكشافَ هذه المسائل أبعدَ من ذلك: هل أثَّرت الحساباتُ التنجيمية في كرونولوجيا الماضي البعيد ما قبل الإسلامي؟ وما الدورُ الذي أدَّته التواريخ التنجيمية — إن كان لها دور — في الانتقال من التواريخ الإسلامية التي تبدأ بمولد محمدٍ ﷺ إلى التواريخ الكونية، إلى جانب مصادرَ أخرى للتأثير كالتواريخ الكونية المسيحية؟ وينبِّه في الحاشية إلى أنَّ الأمر قد لا يكون بهذه البساطة، إذ يبدأ خليفةُ بن خيَّاط — والخوارزميُّ على الأرجح — بمولد النبيِّ ﷺ، بينما تبدأ تواريخُ تنجيميةٌ سابقةٌ كتاريخ ماشاء الله بالطوفان.
«الهيكل العظمي التأريخي»
وتنسحب الأسئلةُ نفسُها إلى حدٍّ بعيدٍ على العهد الإسلامي؛ إذ تقتصر التواريخ التنجيمية عادةً على عددٍ محدودٍ من الحوادث المِفصلية التي تشكِّل كرونولوجيا أساسية، تكاد تكون «هيكلًا عظميًّا تأريخيًّا» للتاريخ الإسلامي.
وإلى جانب الأثر المحتمَل لهذه التواريخ في إرساء كرونولوجيا متَّفَقٍ عليها، يلفت بورّوت النظر إلى مسألةٍ أدقَّ: أيُّ الحوادث عُدَّ ذا معنًى، وأيُّها رُفض أو نُسي؟ وهنا يقدِّم ملاحظةً بالغة الدقة:
| الطرف | الحضور | الدلالة عند بورّوت |
|---|---|---|
| بنو أمية | غائبون في معظمها | يعزِّز الدور الحاسم لهذه المصادر في تأكيد الشرعية العباسية |
| العلويون | غائبون إلى حدٍّ بعيد، في أقدم التواريخ التنجيمية المحفوظة على الأقل | الشيء نفسه |
| الزُّبيريون | حاضرون حضورًا أكبرَ بكثير — رغم العداء الشديد لهم في المصادر العباسية | لعلَّه يعكس استعمالَ مصادرَ زبيريةٍ مفقودةٍ الآن، ويُظهر أنَّ جهدَ damnatio memoriae (محو الذكر) لم يكن قد اكتمل بعد |
| طالعُ الثورة العباسية | يظهر بوضوحٍ بؤرةً كبرى في هذه النصوص | يعزِّز شرعية الدولة الثانية ويُعضِّد بُعدَها المهدوي/المخلِّصي |
ويرى بورّوت أنَّ هذا الوضع يكشف عن التوتُّر بين التذكُّر والنسيان في تكوين ذاكرةٍ عباسيةِ العصر — بل عباسيةِ الرعاية في كثيرٍ من الأحيان — للماضي الإسلامي المبكر.
وأهميةُ هذا النقاش أنَّ الإطار الكرونولوجي الموروث عن هذه النصوص المبكِّرة أثبت صلابةً بالغةً وإلزامًا حقيقيًّا لأجيال المؤرِّخين اللاحقة، بل للباحثين المعاصرين أيضًا. ويسوق أبا معشر مثالًا جيدًا: فقد اقترح كِفِن ڤان بلادِل حديثًا أنَّ عملَه «كان مَدينًا للتقليد الكرونوغرافي المسيحي»، وأنَّ «عمل التاريخ التنجيمي كان وثيقَ الصلة بعمل الكرونوغرافيا» عمومًا؛ فيعدُّه ڤان بلادِل كرونوغرافيًّا، ويذهب إلى أنَّ كتابه الألوف «لعلَّه كان من أهمِّ النصوص الكرونوغرافية في الأدب العربي المبكر». وهذا يعني أنَّ أنماط الكتابة التاريخية في الإسلام المبكر كانت أشدَّ نفاذيةً وتداخلًا ممَّا يُفترض عادة.
2) نحو رؤيةٍ ثيوسنترية للتاريخ؟
هنا يعالج بورّوت السؤالَ العكسي: إذا كانت التواريخ التنجيمية قد أدَّت دورًا لا يُنازَع في الأطوار المبكِّرة للتأريخ الإسلامي، فلماذا لم تترك إلا أثرًا محدودًا، ولماذا نُسيت إلى حدٍّ بعيد؟
ويربط ذلك أولًا بما سبق: الانحسارُ الكبير — لبعض الوقت — في الجداول الفلكية (الأزياج) يطرح مسألةَ تضاؤل التواريخ التنجيمية واختفائها آخِرَ الأمر من البلاط العباسي. ويستشهد بقول تشارلز برنِت: «بعد القرن الثالث/التاسع، لم تعد بغدادُ المركزَ الرئيسَ للإنتاج، وصارت الأعمالُ التنجيمية تُكتَب حيثما رعى أميرٌ قويٌّ بلاطًا يؤدِّي فيه المنجِّمُ دورًا فاعلًا». ومن ثَمَّ ينبِّه بورّوت إلى أنَّ الاتجاهات التي أبرزها هنا لبغداد ينبغي اختبارُها في سياقاتٍ أخرى.
أ — تحوُّلُ السببية التاريخية
التفسيرُ الأول الممكن يتعلَّق بتحوُّلٍ على مستوى السببية التاريخية: إذ يبدو أنَّ التواريخ التنجيمية اختفت إلى حدٍّ بعيدٍ لصالح التواريخ الثيوسنترية (المتمركزة حول الله). وقد حلَّل كْجِشْتوف بومْيان هذا التقابلَ الحاسم أحسنَ تحليل، فذهب إلى أنَّ:
«التنجيمَ كان كرونوصوفيا متماسكة، وعلى وجه التحديد: لاهوتًا طبيعانيًّا للتاريخ، مضادًّا لنظيره الثيوسنتري وغيرَ متوافقٍ معه منطقيًّا»، لأنهما «ينسبان إلى الشيء نفسِه صفاتٍ يُلغي بعضُها بعضًا.» — بومْيان، Astrology as a Naturalistic Philosophy of History
ويرى بورّوت أنَّ هذا منسجمٌ مع ما تقدَّم من أنَّ التنجيم كان جزءًا من الفلسفة الطبيعية الأرسطية، ويُفسِّر استحالةَ التعايش بين الجنسَين، أو على الأقلِّ يُسوِّغ منافسةً شديدةً بين المنجِّمين والمتكلِّمين — دون أن يستلزم ذلك تعارضًا مُبسَّطًا بين «العلم» و«الدين». فقد كان التنجيم أحيانًا يُخضَع للاهوت، بل يكون «نافعًا له حين يريد اللاهوتُ بلوغَ شيءٍ من الدقة في معرفة الماضي وفي التنبُّؤ بالمستقبل، أي في دراسة الكرونولوجيا والكرونوصوفيا».
على أنَّ الاتجاه بعيد المدى كان جليًّا: لم تَعُد قِراناتُ الكواكب قوةً مقبولةً تُحرِّك التاريخ، ووجب أن تحلَّ محلَّها مشيئةُ الله وحدها. وينقل عن تشيس روبنسون قولَه إنَّ «المحرِّك الصامت (عادةً) الذي يدفع التاريخ البشري لم يكن التقدُّمَ ولا الصراعَ الطبقي ولا حتى المصلحةَ الفردية، بل مشيئةَ الله، نافذةً إمَّا مباشرةً — عادةً عبر خروقٍ للنظام الطبيعي، أي المعجزات — أو، وهو الأكثرُ بكثير، عبر أفرادٍ من النُّخبة: كالأنبياء والملوك والقادة والولاة والمتنبِّئين والخارجين».
ب — صعودُ العلماء واستيلاؤهم على الكتابة التاريخية
ويرى بورّوت أنَّ هذا السيناريو منسجمٌ مع الصعود المتزامن لـالعلماء بوصفهم حائزين وحيدين للسلطة الدينية، وهو اتجاهٌ معروفٌ جيدًا في تلك المدة. وقد أثَّرت هذه المنافسةُ على السلطة الدينية في التأريخ الإسلامي، إذ استولى العلماءُ إلى حدٍّ بعيدٍ على الكتابة التاريخية.
ويقدِّم الطبري مثالًا جيدًا — إن تابعنا خلاصات بوعز شوشان — إذ جعل التاريخَ علمًا دينيًّا، وقدَّم رؤيةً للتاريخ «مستوحاةً من الإيقاعات المنتظمة للسرود القرآنية» (بتعبير الخالدي)، وحوَّل اللاهوتَ إلى تاريخٍ على نحوٍ أعمَّ.
المحصِّلة عند بورّوت
في التاريخ الجديد الذي انتصر عند منعطف القرنَين الثالث/التاسع والرابع/العاشر، حلَّت مشيئةُ الله محلَّ حركات الكواكب. وفي هذه العملية استولى العلماءُ إلى حدٍّ بعيدٍ على الكتابة التاريخية، وهُمِّش المنجِّمون. وتطوَّر التنجيمُ رويدًا رويدًا إلى علمٍ باطنيٍّ (occult)، بينما قُدِّر للفلك الإسلامي أن يزدهر آخِرَ الأمر. وهذا التحوُّل الجذري في السببية التاريخية أفضى إلى استبدال فاعلي الكتابة التاريخية أنفسِهم: فرض العلماءُ أنفسَهم حُكَّامًا جُددًا على المعرفة، وطوَّروا ما سُمِّي «تاريخَ الخلاص الإسلامي» (Islamic salvation history، بتعبير جون وانْزبرو)، في سياق منافسةٍ عنيفةٍ بين نُخَبٍ ثقافيةٍ متعدِّدة.
ج — انحسارُ التوقُّعات المهدوية
وثمَّة عاملٌ آخرُ يجب اعتبارُه لفهم اختفاء التواريخ التنجيمية: انحسارُ التوقُّعات المهدوية. فقد أظهر ديفيد كوك أنَّ تسجيل الحوادث الفلكية كان مرتبطًا بوضوحٍ بالآمال الأخروية، وشدَّد كذلك على تضاؤل الروايات الأخروية:
- في الإسلام السُّنِّي: بعد سنة 250هـ/864م.
- في الإسلام الشيعي: بعد ذلك بنحو قرن، أي نحو 350–400هـ/960–1000م.
ويرى بورّوت أنَّ هذه الفجوة الزمنية بين التقليدَين قد تفسِّر جيدًا استمرارَ التنجيم وروابط السببية التنجيمية في التقليد الشيعي، بينما يبدو أنها اختفت مبكِّرًا في الأوساط السنِّية.
ويختم هذا القسم بعبارةٍ بليغة: لم يكن النسيانُ التامُّ لهذه التواريخ التنجيمية ممكنًا، إذ إنَّ «نقطة الانطلاق [للتأريخ] ليست الصمتَ [...] بل ما قيل من قبلُ» (آن رِغني). ومع ذلك فقد مُحيت روابطُ السببية التنجيمية إلى حدٍّ بعيد:
«ظلَّت السماءُ تحكم التاريخ، لكنها لم تعد السماءَ نفسَها؛ فقد حلَّ فَلَكُ المتكلِّمين محلَّ سماء المنجِّمين.» — أنطوان بورّوت
الخاتمة
يفتتح بورّوت خاتمته بشكوى فرانتس روزنتال في مطلع الستينيات من قِلَّة البحث في الأدب التنجيمي العربي. ثم يسجِّل أنَّ باحثين كِبارًا — بِنغري، وكِنِدي، وبرنِت، وصليبا، وغيرهم — قد أَولَوا منذ ذلك الحين قدرًا هائلًا من العناية للفلك والتنجيم في الإسلام الوسيط.
ومع ذلك — وهذه هي المفارقة الختامية — فبسبب التخصُّصات الأكاديمية والحدود الصارمة بين الحقول، لم يستوعب مؤرِّخو الإسلام المبكر إلا القليلَ من هذه المادة الهائلة التي طوَّرها مؤرِّخو العلوم. وخيرُ ما يمثِّل هذا الوضعَ الإهمالُ التامُّ للتواريخ التنجيمية ومكانتِها الأساسية في التأريخ الإسلامي المبكر — وهو أمرٌ اشتكى منه حديثًا غوتاس أيضًا.
ويرى أنَّ سببًا آخرَ لهذا الفراغ يتَّصل بمكانة التنجيم نفسِه في العالم الحديث، إذ نُفِي إلى مرتبة العلوم الباطنية في أحسن الأحوال. لكنَّ هذه المقاربة — يُقرِّر بورّوت — لا صلة لها البتَّة بأكثر العصور ما قبل الحديثة بل والحديثة المبكِّرة، وينبغي اجتنابُها بكل ثمن؛ فما يبدو لنا لا عقلانيًّا كان عند غيرنا عقلانيًّا تمامَ العقلانية، حتى إنَّ هذه الثنائية في الواقع تأتي بعكس المقصود.
وأخيرًا: التصنيفاتُ نفسُها التي نُقارب بها القرونَ الأولى للإسلام موضعُ نظر. ومن نتائجها المؤسفة أن أُقصي فاعلون بعينهم — كالمساهمين غير المسلمين، مع أنهم يمثِّلون الغالبية العظمى من أهل ذلك الزمان — أو أُهملت أجناسٌ بعينها لأنها عُدَّت أقلَّ رفعةً من غيرها. ومن ثَمَّ أُغفِل إغفالًا تامًّا احتمالُ أن يكون منجِّمو البلاط قد اشتغلوا مؤرِّخين أيضًا.
الخلاصة النهائية
رغم القيود الراهنة في الحقل، فمن الواضح وضوحًا تامًّا أنَّ عددًا كبيرًا من التواريخ التنجيمية صُنِّف في العصر العباسي المبكر. وهذا الشكل من الكتابة التاريخية يستحقُّ عنايةً أكبرَ من الباحثين المهتمين بالكتابة التاريخية في الإسلام المبكر؛ إذ لا يقتصر على إلقاء ضوءٍ جديدٍ على فجوة المصادر السردية التي نواجهها في القرون الأولى، بل يعيننا كذلك على رسم صورةٍ أدقَّ وأشدَّ تركيبًا لأشكال الكتابة التاريخية التي ازدهرت في السياقات الإسلامية. فالتواريخ التنجيمية — كسائر الأشكال البديلة للكتابة التاريخية — قطعةٌ مهمَّةٌ وإن أُهمِلت كثيرًا في الأُحجيَّة العملاقة التي يشكِّلها التأريخُ الإسلامي.
مُلحَق: مسرد الأعلام الوارد ذكرُهم
| العَلَم | الوفاة/الازدهار | موقعه في حجَّة البحث |
|---|---|---|
| نوبَخت الفارسي | ت نحو 160هـ/777م | من ضاربي طالع بغداد، ومنجِّم المنصور |
| محمد بن إبراهيم الفَزاري | ت 180–190هـ/796–806م | من ضاربي طالع بغداد |
| ماشاء الله بن أثَري (ابن سارية) | ت نحو 200هـ/815–816م | من ضاربي طالع بغداد؛ صاحبُ أقدم تاريخٍ تنجيميٍّ ألفيٍّ نملكه، وكتاب الكسوفات |
| عمر بن الفرُّخان الطبري | ت 200هـ/815–816م | من ضاربي طالع بغداد؛ ومن مصنِّفي التواريخ التنجيمية |
| ثيوفيلوس الرهاوي | ت 169هـ/785م | كبيرُ منجِّمي المهدي ومستشارُه العسكري؛ «المصدر السرياني المشترك»؛ محورُ نقد بورّوت للتصنيفات |
| اسْطِفانوس الفيلسوف | كتب نحو 158هـ/775م | تلميذُ ثيوفيلوس؛ صنَّف تاريخًا تنجيميًّا للخلافة باليونانية على طالع سنة الهجرة |
| الكِندي | ت نحو 252هـ/866م | قال بعقلانية الكواكب؛ صاحبُ «حلقة» بغداد؛ من مصنِّفي التواريخ التنجيمية |
| أبو معشر البلخي | ت نحو 272هـ/886م | أهمُّ منجِّمي الإسلام المبكر؛ صاحبُ المدخل الكبير والألوف |
| محمد بن موسى الخوارزمي | ت بعد 232هـ/847م | صاحبُ الزِّيج السِّندهند وكتاب التاريخ المفقود؛ المثالُ الأول عند بورّوت |
| يحيى بن أبي منصور | ت نحو 214هـ/830م | صاحبُ الزِّيج المُمتَحَن |
| السَّرَخْسي | ت 286هـ/899م | أشهرُ تلاميذ الكِندي |
| أبو سعيد شاذان بن بحر | أواخر ق3هـ/9م | تلميذُ أبي معشر؛ صاحبُ المُذاكَرات في أسرار النجوم |
| كَنَكَة الهندي | ازدهر 158–205هـ/775–820م | منجِّمٌ هنديٌّ في بلاط الرشيد؛ حفظت أعمالُه مجموعاتِ طوالع |
| ابن هِبِنتا | ت بعد 320هـ/932م | ناقلُ تاريخ ماشاء الله التنجيمي جزئيًّا |
| السِّجْزي | ت نحو 410هـ/1020م | حفظ 35 طالعًا من تاريخٍ تنجيميٍّ مفقودٍ للخلافة المبكِّرة (571–786م) |
| القَبيصي | ازدهر ق4هـ/10م | في بلاط سيف الدولة؛ صاحبُ رسالة في امتحان المنجِّمين |
| اليعقوبي | ت بعد 292هـ/905م | أدرج الطوالعَ في تاريخه نقلًا عن ماشاء الله والخوارزمي؛ وذكر ضاربي طالع بغداد في البلدان |
| خليفة بن خيَّاط | ت 240هـ/854م | معاصرٌ للخوارزمي؛ من أقدم الحوليات الإسلامية الكاملة الواصلة |
| حمزة الأصفهاني | ت 350–360هـ/961–971م | مؤرِّخٌ كان التنجيمُ دافعًا وراء تصنيفه للتاريخ |
| أغابيوس المَنبِجي | كتب نحو 330هـ/942م | صرَّح بأخذه عن «تُوفيل المنجِّم» في كتاب العنوان |
| إيليا النَّصيبيني | ت 438هـ/1046م | مؤرِّخٌ سريانيٌّ شرقيٌّ حفظ شذراتٍ من تاريخ الخوارزمي |
| ابن طاوس | ت 664هـ/1266م | صاحبُ فَرَج المهموم في تاريخ علماء النجوم |
ملاحظاتٌ للقارئ المشتغل بالمنهج الحديثي
يُنبَّه على أنَّ ما تقدَّم عرضٌ لحجَّة الباحث كما هي، وهو باحثٌ يشتغل ضمن التقليد الاستشراقي في التأريخ لصدر الإسلام، وله مقدِّماتٌ منهجيةٌ خاصةٌ به. ومن مواضع النظر التي ينبغي للقارئ أن يَعيَها عند الإفادة من هذا البحث:
- مصطلح «التَّطبير» (Tabarization) الذي يستعمله بورّوت نقلًا عن دونر يقوم على تصوُّرٍ للطبريِّ بوصفه مُهيمنًا على المادة التاريخية؛ وهو تصوُّرٌ يحتاج إلى موازنةٍ بما هو مقرَّرٌ عند أهل الفنِّ من أنَّ الطبري إنما ساق بأسانيده، وأنَّ الحكم على مروياته إنما هو بالنظر في تلك الأسانيد لا بالحكم الإجمالي على الكتاب.
- مبدأُ ضمِّ «المصادر الخارجية» إلى المتن الواحد: دعوةُ بورّوت إلى تجاوز ثنائية الداخلي/الخارجي دعوةٌ لها وجهُها في التوسُّع في الشواهد، لكنها تُلزِم الباحثَ بمعيارٍ نقديٍّ للمصادر المسيحية والسريانية نظيرِ ما لأهل الحديث من معيارٍ في نقد الأسانيد؛ وإلا انتقل الإشكالُ ولم يُحَلّ.
- حضورُ الزُّبيريين وغيابُ الأمويين والعلويين في الطوالع المبكِّرة ملاحظةٌ نافعةٌ في بابها، لكنها تظلُّ استدلالًا بالسكوت (argumentum ex silentio)، ومداره على ما بقي من المادة لا على ما كان.
- يبقى أنفعُ ما في البحث للباحث العربي هو لفتُه إلى جنسٍ من المصادر مُهمَلٍ في دراسات صدر الإسلام، وإلى أنَّ عددًا ممَّن نعُدُّهم فلكيين أو منجِّمين — كالخوارزمي — كانوا مؤرِّخين أيضًا، وأنَّ لبعض هذه المواد قيمةً في ضبط الكرونولوجيا وتعضيدها.
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.