حديث تقميص عثمان رضي الله عنه
هذا الحديثُ عَلَمٌ من أعلام النبوة؛ أخبر فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم عثمانَ بن عفان رضي الله عنه بأن الله سيوليه الخلافة («القميص»)، وأن المنافقين سيطلبون منه خلعها، وأمره ألا يفعل. وقد وقع الأمر كما أخبر يومَ الدار سنةَ 35هـ؛ إذ طلب منه المحاصِرون التنازل عن الخلافة فأبى صابرًا محتسبًا حتى قُتل شهيدًا رضي الله عنه. ومدار الحديث على حديث عائشة رضي الله عنها، وله شواهد عن عثمان نفسه وابن عمر ومرسل جبير بن نفير. وفيما يلي جمعٌ لمتونه وأسانيده وطرقه جميعًا مع دراسة رواتها والحكم عليها.
أولًا: متون الحديث بألفاظه
1. لفظ الترمذي (3705)
«يا عثمانُ إنَّه لعلَّ اللهَ يُقمِّصُك قميصًا، فإن أرادوك على خَلْعِه فلا تَخْلَعْه لهم»
2. لفظ ابن ماجه (112)
«يا عثمانُ، إن ولَّاك اللهُ هذا الأمرَ يومًا، فأرادك المنافقون أن تخلعَ قميصَك الذي قمَّصَك اللهُ فلا تخلَعْه» — يقول ذلك ثلاثَ مرات
3. لفظ أحمد (24566) — المطوَّل
عن عائشة قالت: أرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان، فأقبل عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأينا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أقبلَتْ إحدانا على الأخرى، فكان من آخِر كلامٍ كلَّمه أن ضرب مَنكِبَه وقال:
«يا عثمان، إن الله عز وجل عسى أن يُلبِسَك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خَلْعِه فلا تَخْلَعْه حتى تلقاني» — قالها ثلاثًا
4. لفظ أحمد (24466)
عن عائشة قالت: كنتُ عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عائشة، لو كان عندنا مَن يحدِّثنا». قالت: قلت: يا رسول الله، ألا أبعثُ إلى أبي بكر؟ فسكت، ثم قال: «لو كان عندنا من يحدثنا»، فقلت: ألا أبعث إلى عمر؟ فسكت، ثم دعا وَصيفًا بين يديه فسارَّه فذهب، فإذا عثمانُ يستأذن، فأذِن له فدخل، فناجاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم طويلًا ثم قال:
«يا عثمان إنَّ الله عز وجل مُقمِّصُك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على أن تخلَعَه فلا تخلَعْه لهم، ولا كرامة» — يقولها له مرتين أو ثلاثًا
5. لفظ ابن أبي عاصم في «السنة» (1179)
«يا عثمان، إنَّ الله مُقمِّصُك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خَلْعِه فلا تَخْلَعْه»
6. لفظ الشاهد من حديث عثمان نفسه (قوله يوم الدار)
«إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد عَهِد إليَّ عهدًا فأنا صابرٌ عليه» — وفي رواية: «وأنا صائرٌ إليه»
7. لفظ مرسل جبير بن نفير
«إنَّ الله كساك يومًا قميصًا، وإن أرادك المنافقون أن تخلَعَه فلا تخلَعْه»
ثانيًا: المصادر التي أخرجت الحديث (جدول التخريج)
| المصدر | الموضع/الرقم | الطريق |
|---|---|---|
| سنن الترمذي، المناقب | 3705 | الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر، عن النعمان بن بشير، عن عائشة |
| سنن ابن ماجه، المقدمة | 112 | أبو معاوية، عن فرج بن فضالة، عن ربيعة بن يزيد، عن النعمان بن بشير، عن عائشة |
| مسند أحمد | 24566 | أبو المغيرة، عن الوليد بن سليمان بن أبي السائب، عن ربيعة، عن عبد الله بن عامر، عن النعمان، عن عائشة |
| مسند أحمد | 24466 | موسى بن داود، عن فرج بن فضالة، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة |
| مسند أحمد | 25162 | عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة، عن عبد الله بن أبي قيس، عن النعمان، عن عائشة |
| فضائل الصحابة لأحمد | 815، 816، 728 | بأسانيد المسند نفسها، ومرسل جبير بن نفير |
| السنة لابن أبي عاصم | 1172، 1173، 1179، 1180 | زيد بن الحباب وغندر عن معاوية بن صالح؛ والوليد بن مسلم عن الوليد بن أبي السائب؛ والزهري عن سالم عن أبيه |
| صحيح ابن حبان | 6915 | زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة، عن عبد الله بن قيس، عن النعمان، عن عائشة |
| المستدرك للحاكم | 3/ 99-100 | الحارث بن أبي أسامة، عن موسى بن داود، بطريق فرج عن الزبيدي عن الزهري |
| مصنف ابن أبي شيبة | الفضائل | زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح |
| تاريخ المدينة لابن شبة | 3/ 1066-1069 | طرق متعددة: الوليد بن مسلم مصرِّحًا بالتحديث، وأسد بن موسى، وروايات فرج المضطربة |
| مسند الشاميين للطبراني | 1234، 1934 | من طريق أبي المغيرة؛ ومن طريق أسد بن موسى وعبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح |
| المعجم الأوسط للطبراني | 2854 | إبراهيم بن زياد سبلان، عن فرج، عن محمد بن الوليد، عن الزهري، عن القاسم، عن النعمان، عن عائشة |
| السنة للخلال | 418 | من طريق عبد الرحمن بن مهدي |
| الشاهد: أحمد، الترمذي، ابن ماجه | 407؛ 3711؛ 113 | إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي سهلة مولى عثمان، عن عثمان |
ثالثًا: الأسانيد كاملة كما في المصادر
الطريق الأول: الوليد بن سليمان بن أبي السائب عن ربيعة (أصح الطرق)
الطريق الثاني: معاوية بن صالح عن ربيعة (واختُلف عليه في شيخ ربيعة)
وقد اختُلف على معاوية بن صالح على ثلاثة أوجه:
الطريق الثالث: فرج بن فضالة (ضعيف، واضطرب فيه اضطرابًا شديدًا)
أسانيد الشواهد
رابعًا: خريطة الأسانيد
خامسًا: الرواة جرحًا وتعديلًا
| الراوي | ترجمته وأقوال النقاد | خلاصة الحكم |
|---|---|---|
| عائشة أم المؤمنين (ت 57هـ) | الصدِّيقة بنت الصدِّيق، أفقه نساء الأمة، راوية الحديث. | صحابية جليلة |
| النعمان بن بشير (ت 65هـ) | صحابي صغير، أول مولود وُلد للأنصار بعد الهجرة، ولي الكوفة وحمص. | صحابي |
| عبد الله بن عامر اليحصبي (ت 118هـ) | أبو عمران المقرئ، أحد القراء السبعة، إمام أهل الشام في القراءة، قاضي دمشق. وثَّقه غيرُ واحد، وعدَّه محققو المسند في رجال هذا الإسناد الثقات. | ثقة |
| عبد الله بن أبي قيس النصري | حمصي، روى له مسلم؛ وقع في رواية ابن مهدي وزيد بن الحباب عن معاوية بن صالح بدل عبد الله بن عامر. | ثقة |
| ربيعة بن يزيد الدمشقي (ت نحو 123هـ) | أبو شعيب الإيادي القصير، من رجال الشيخين، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي، وُصف بالعبادة. عليه مدار الحديث. | ثقة عابد |
| الوليد بن سليمان بن أبي السائب | دمشقي، روى له النسائي وابن ماجه؛ قال دُحَيم وابن معين: ثقة. روايتُه هي التي رجَّحها الدارقطني. | ثقة |
| معاوية بن صالح الحضرمي (ت 158هـ) | قاضي الأندلس، من رجال مسلم؛ وثَّقه أحمد وابن مهدي وأبو زرعة، وتكلَّم فيه يحيى بن سعيد القطان؛ قال ابن حجر: «صدوق له أوهام». وقد اختُلف عليه في تسمية شيخ ربيعة. | صدوق له أوهام |
| فرج بن فضالة التنوخي (ت 177هـ) | حمصي نزل بغداد؛ ضعَّفه ابن معين والنسائي والدارقطني وغيرُهم، وبه أعلَّ الذهبيُّ طريقَ الزهري؛ وقد اضطرب في إسناد هذا الحديث على ستة أوجه. | ضعيف |
| أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج (ت 212هـ) | الخولاني الحمصي، شيخ أحمد والبخاري، ثقة معروف. | ثقة |
| الوليد بن مسلم (ت 195هـ) | عالم أهل الشام، ثقة حافظ لكنه كثير التدليس والتسوية؛ وقد صرَّح هنا بالتحديث في جميع طبقات الإسناد عند ابن شبة، فزالت العلة. | ثقة مدلِّس، وقد صرَّح |
| الليث بن سعد (ت 175هـ) | إمام أهل مصر، فقيه، من رجال الجماعة. | ثقة ثبت إمام |
| زيد بن الحباب (ت 203هـ) | العُكلي، من رجال مسلم؛ صدوق يخطئ في حديث الثوري. | صدوق |
| عبد الرحمن بن مهدي (ت 198هـ) | الإمام الناقد الحافظ، جبل من جبال الحفظ والنقد. | ثقة ثبت إمام |
| محمد بن جعفر غُندَر (ت 193هـ) | من رجال الجماعة، صاحب شعبة. | ثقة |
| أسد بن موسى «أسد السنة» (ت 212هـ) | مصنِّف مشهور؛ قال ابن حجر: «صدوق يُغرِب». | صدوق يغرب |
| عبد الله بن صالح كاتب الليث (ت 222هـ) | صدوق كثير الغلط، ثبتٌ في كتابه. | صدوق يهم |
| أبو معاوية محمد بن خازم الضرير (ت 195هـ) | من رجال الجماعة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره. | ثقة |
| موسى بن داود الضبي (ت 217هـ) | قاضٍ زاهد فقيه، من رجال مسلم؛ قال ابن حجر: «صدوق فقيه زاهد له أوهام». | صدوق |
| محمد بن الوليد الزبيدي (ت نحو 146هـ) | من أثبت أصحاب الزهري، ثقة ثبت؛ والراوي عنه هنا فرجٌ، والحملُ عليه لا على الزبيدي. | ثقة ثبت |
| الزهري وعروة بن الزبير | إمامان جليلان متفق على إمامتهما؛ والعلة في الطريق إليهما لا فيهما، وقد نفى أبو حاتم أن يكون الحديث من حديث الزهري. | إمامان |
| محمود بن غيلان (ت 239هـ) وغيره | المروزي، شيخ الشيخين، ثقة. وحُجَين بن المثنى اليمامي: ثقة. وعلي بن محمد الطنافسي: ثقة عابد. وعمرو بن عثمان الحمصي: صدوق. | ثقات |
| أبو سهلة مولى عثمان | تابعي، وثَّقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات؛ وصحَّح الترمذيُّ وأحمدُ حديثَه. | ثقة |
| قيس بن أبي حازم | مخضرم، من كبار التابعين، أدرك الجاهلية، متفق على توثيقه. | ثقة مخضرم |
| إسماعيل بن أبي خالد (ت 146هـ) | من رجال الجماعة. | ثقة ثبت |
| سفيان بن وكيع (شيخ الترمذي) | تكلَّموا فيه بسبب ورَّاقه؛ لكنه متابَع: تابعه ابنُ نمير وعلي بن محمد عند ابن ماجه، وأحمد رواه عاليًا (407). | فيه لين، متابَع |
| جبير بن نفير الحضرمي (ت 80هـ) | مخضرم كبير من ثقات أهل الشام؛ روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة. | ثقة، ومرسله حسن |
سادسًا: أقوال الأئمة في الحكم على الحديث
| الإمام | حكمه |
|---|---|
| الترمذي (ت 279هـ) | «حديث حسن غريب» (3705)؛ وقال في حديث أبي سهلة: «حسن صحيح» (3711). |
| أبو حاتم الرازي (ت 277هـ) | «ليس هذا من حديث الزهري، إنما يرويه الفرجُ عن ربيعة» — إعلالٌ لطريق الزهري خاصة (العلل لابن أبي حاتم 2/ 361). |
| الدارقطني (ت 385هـ) | رجَّح رواية الوليد بن سليمان ومن تابعه: «وقول الوليد ومن تابعه أصح» (العلل 5/ الورقة 24). |
| ابن حبان (ت 354هـ) | أخرجه في صحيحه (6915) — تصحيحٌ منه للحديث. |
| الحاكم (ت 405هـ) | «هذا حديث صحيح عالي الإسناد» (المستدرك 3/ 99-100). |
| الذهبي (ت 748هـ) | تعقَّب الحاكم في طريق الزهري: «أنَّى له الصحة ومداره على فرج بن فضالة!» — ولا يَرِد هذا على طريق الوليد بن سليمان الصحيح. |
| شعيب الأرنؤوط ومحققو المسند | «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير الوليد بن سليمان... وهو ثقة» (24566)؛ وقالوا في 24466: المتن صحيح، والسند ضعيف لضعف فرج. |
| الألباني (ت 1420هـ) | صحَّحه في: صحيح سنن الترمذي (3705)، وصحيح سنن ابن ماجه (112)، وصحيح الجامع، وظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم (1179). |
سابعًا: الخلاصة
ثامنًا: المصادر والمراجع
- الجامع الكبير (سنن الترمذي)، لأبي عيسى الترمذي — كتاب المناقب، باب مناقب عثمان (3705، 3711).
- سنن ابن ماجه، لابن ماجه القزويني — المقدمة، باب فضل عثمان (112، 113).
- مسند الإمام أحمد بن حنبل — مسند عائشة (24466، 24566، 25162)، ومسند عثمان (407)، ط. مؤسسة الرسالة بتحقيق شعيب الأرنؤوط وزملائه.
- فضائل الصحابة، للإمام أحمد (728، 815، 816).
- السنة، لابن أبي عاصم — باب في ذكر خلافة عثمان (1172-1180)، مع «ظلال الجنة» للألباني.
- صحيح ابن حبان (6915).
- المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري (3/ 99-100)، مع تلخيص الذهبي.
- المصنف، لابن أبي شيبة — فضائل عثمان.
- تاريخ المدينة، لابن شبة النميري (3/ 1066-1069).
- مسند الشاميين (1234، 1934)، والمعجم الأوسط (2854)، للطبراني.
- السنة، للخلال (418).
- العلل، لابن أبي حاتم الرازي (2/ 361؛ وينظر 6/ 371-373 ط. الحميد).
- العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني (5/ الورقة 24).
- حاشية السندي على مسند أحمد وعلى سنن ابن ماجه.
- صحيح سنن الترمذي، وصحيح سنن ابن ماجه، وصحيح الجامع الصغير، للألباني.
- تهذيب الكمال للمزي، وميزان الاعتدال للذهبي، وتقريب التهذيب لابن حجر — في تراجم الرواة.
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.