فتحُ بابِ اللّعن: تفكيكُ السرديّة الكوفيّة التي اتّهمت النبيَّ بالانفعال لشرعنة شتمِ الصحابةِ والأمويين

قراءةٌ نقديةٌ في أحاديث «شرط اللعن» ومرويات «لا أشبع الله بطنه»
بقلم: هيئة تحرير مجلة معاوية بن أبي سفيان

هذا البحث لا يناقش حديثًا بعينه، بل يُحاكم منظومةً سرديةً كاملة نشأت في الكوفة زمن الفتنة، ثم هُرّبت إلى الوعي السني بوصفها “بشرية النبي”، بينما حقيقتها أنها أداة سياسية لفتح باب اللعن من الأعلى.

أولًا: عرض المتهم – الرواية الكوفية

السند: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة.

المتن: «دخل على رسول الله ﷺ رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو، فأغضباه، فلعنهما وسبهما…»

ثم تتوالى الروايات عبر المدار نفسه (الأعمش) عن أبي هريرة وجابر، لتُؤسِّس القاعدة الأخطر:

«اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة».

ثانيًا: المحاكمة السندية – تطبيق الغربال العثماني

بناءً على منهج الإمام [مالك بن أنس] وقاعدته الشهيرة: «إنما الكوفة دار الضرب»، فإن هذا الحديث يسقط سندًا.

الراوي الانتماء الملاحظة الأثر
الأعمش كوفي شيعي الميل، مدلس، قطب المدار انهيار السند
أبو الضحى كوفي حلقة عراقية صرفة تعزيز الانغلاق
مسروق كوفي رفض مالك لروايته في هذا الباب قطيعة مدنية
جرير كوفي فيه تشيع (قول قتيبة) تضارب مصالح

ثالثًا: إثراء المتن – الإبهام ليس سهوًا بل تقنية

«فكلّماه بشيء لا أدري ما هو»

هذا ليس جهلًا بريئًا، بل فراغ دلالي متعمّد، يُعرف في علم الدعاية باسم:

Open Semantic Slot
(فتحة إسقاط دلالي)

يُترك الاسم غامضًا ليُملأ لاحقًا وفق الهوى:

  • مرّة معاوية
  • مرّة عمرو
  • مرّة طلحة
  • مرّة الزبير

وهنا تبلغ العبقرية التخريبية ذروتها: الحديث يضرب التيار العثماني بأداة عثمانية (عائشة نفسها).

ولو كان الحديث محفوظًا حقًا، لروته المدينة: عائشة عن الزهري، أو ابن عمر عن نافع، أو أنس عن ثابت. لكن ذلك لم يحدث.

رابعًا: تعميق عقدي – بشرية النبي كسلاح مُهرّب

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾

القرآن ربط البشرية بالوظيفة، لا بالانفعال. أما الرواية الكوفية فحوّلتها إلى:

  • بشرية = انفعال
  • انفعال = سبّ
  • سبّ = لعن
  • لعن = رحمة مؤوّلة

وهذا انقلاب في معنى العصمة.

خامسًا: إثراء سياسي – من معاوية إلى يزيد

«لا أشبع الله بطنه»

هذا الحديث حجر الزاوية. بدونه لا يمكن:

  • شرعنة لعن معاوية
  • كسر هيبة الدولة الأموية
  • فتح الطريق النفسي إلى يزيد

سادسًا: تعميق حاسم – دعاء النبي ليس لعبة لغوية

إما أن يكون الدعاء حقًا ⇒ فاللعنة نافذة، أو خطأ ⇒ فالعصمة منقوضة. أما «الزكاة» فلاهوت ترقيعي لم يعرفه السلف ولا فقه المدينة.

سابعًا: كيف استُخدم هذا الباب في المنابر العباسية

بعد سقوط الدولة الأموية، لم تعد هذه الأحاديث مادة جدل علمي، بل تحولت إلى ذخيرة خطابية على المنابر العباسية.

أُعيد تدوير أحاديث اللعن لتؤدي ثلاث وظائف:

  • تبرير لعن بني أمية علنًا
  • تقديم الصراع السياسي بوصفه صراعًا أخلاقيًا
  • إعادة كتابة التاريخ من موقع المنتصر

وهكذا صار اللعن:

  • فقهًا في المنبر
  • ووعظًا في العامة
  • وسرديةً رسمية للدولة

وما بدأ في الكوفة همسًا، انتهى في بغداد عقيدة خطابية.

الخلاصة النهائية

هذه الأحاديث حزمة واحدة إن حديث (الرجلين)، وحديث (شرط اللعن)، وحديث (لا أشبع الله بطنه)، ليست روايات متفرقة، بل حزمة واحدة خرجت من دار الضرب. : سنديًا : مردودة، لخلاصة السندية: السند كوفي خالص، مغلق الدائرة، يخدم مضمونًا شيعيًّا صريحًا، ولا يمرّ عبر أي قناة مدنية موثوقة. ومتنيًا : منكرة، وعقديًا طعن في الخلق العظيم: خطيرة، وسياسيًا : مُوجّهة و أداة لتدمير رمزية الصحابة والدولة الأموية

ولا يصحّ تطهير الإسلام بقبول رواية تُدنّس مقام نبيّه.

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.