يُخبّئ السكين ويسأل: أين القاتل؟
كيف تكشف رواية البيعة أن عليًّا كان يعرف قتلة عثمان، وأن سردية «القاتل المجهول» ليست إلا غطاءً عباسيًا على الدم؟
ليست المشكلة في الرواية وحدها، بل في طريقة الهروب منها. يقولون لك اليوم بكل برود: عليّ لم يكن يعرف قتلة عثمان. ثم تفتح النصوص، فإذا بالرجل لا يخاطب ظلالًا، ولا يتكلم مع مجهولين، ولا يبحث عن أسماء ضائعة في زحام المدينة، بل يدخل على قومٍ بعينهم، يكلّمهم، يفاوضهم، يستحيي منهم، ويعرض عليهم معادلة الحكم: وزيرًا لا أميرًا.
فأيّ جهل هذا الذي يبدأ بالحياء منهم؟ وأيّ مجهولين هؤلاء الذين تُعرض عليهم الصيغة السياسية بعد مقتل عثمان؟ وأيّ قاتل مجهول يُستشار في شكل السلطة القادمة؟
هنا لا نحتاج إلى صراخ. النص يكفي. والسياسة في النص أوضح من كل ترقيعٍ لاحق.
النص الذي ينسف حكاية «لا يعرف القتلة»
ورد في النص أن عليًّا لما ناداه الناس إلى البيعة قال لهم ما معناه:
«دعوني، والتمسوا غيري… فإنّي أكون لكم وزيرًا خيرٌ لكم منّي أميرًا».
ثم قال في موضع آخر، والمعنى السياسي فيه لا يُدارى:
«لا والله، إنّي لأستحيي أن أبايع قومًا قتلوا رجلًا قال فيه رسول الله ﷺ: ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة؟»
هذا ليس كلام رجل لا يعرف مع من يتعامل. هذا كلام رجل يعرف الجهة التي صنعت الواقعة، أو حضرت في ضغطها، أو صارت رقمًا سياسيًا بعدها.
بل النص أخطر من ذلك: عليّ لا يقول: لا أعرف القتلة. ولا يقول: ائتوني بهم. ولا يقول: من فعلها؟ ولا يقول: حتى نحقّق في الأمر. بل يقول المعنى القاتل لكل سردية تبرئة لاحقة: أستحيي أن أبايع قومًا قتلوا عثمان.
انتهت المسرحية.
القتلة ليسوا غبارًا في الطريق
السردية العباسية الحديثة تريد أن تجعل قتلة عثمان كأنهم دخان خرج من زقاق: لا اسم، لا وجه، لا مجلس، لا راية، لا مصلحة، لا جهة ضغط.
لكن الرواية تجعلهم حاضرين في مركز القرار. ليسوا قتلة هاربين في الصحراء، بل جماعة تطلب وتراجع وتضغط وتدفع نحو البيعة.
وهنا يظهر التناقض الفاضح: كيف يكونون مجهولين، وهم أصحاب خطاب سياسي؟ كيف لا يعرفهم عليّ، وهو يصرّح بأنهم قتلوا عثمان؟ كيف لا يدري بهم، وهو يرفض البيعة ابتداءً بسببهم؟ كيف لا يعرف القاتل، ثم يتحرّج من مبايعته؟
العباسي الجديد يريد أن يشرب اللبن ويغطّي الطاس: يريد عليًّا لا يعرف القتلة حين يُطلب القصاص، ويريده يعرفهم حين يحتاج إلى تمرير رواية البيعة.
«وزيرًا لا أميرًا»: ليست زهدًا فقط… بل اعتراف بأزمة شرعية
عبارة عليّ: «أكون لكم وزيرًا خيرٌ لكم منّي أميرًا» ليست جملة زهدٍ مجردة كما يبيعها الوعّاظ. في هذا السياق، هي جملة سياسية ثقيلة.
عثمان لم يكن ذكرى بعيدة. عثمان كان قتيلًا على الأرض. والمدينة لم تكن في انتقال طبيعي للسلطة، بل في مشهد جريمة سياسية كبرى، والذين حرّكوا الجريمة أو أحاطوا بها حاضرون في مشهد البيعة.
إذن عرض «الوزارة» هنا ليس هروبًا روحيًا من الدنيا، بل إدراك أن الجلوس على كرسي الخلافة في تلك اللحظة سيجعل السلطة الجديدة واقعة تحت ظل الدم.
عليّ فهم المأزق. ولهذا لم يقل: أنا الخليفة الشرعي فورًا. بل قال: دعوني. وقال: التمسوا غيري. وقال: أكون وزيرًا خيرًا من أمير.
حين تصبح كلمة «الناس» غطاءً للقتلة
أخطر ما في خطاب العباسيين الجدد أنهم يستعملون كلمة «الناس» استعمالًا مطاطيًا. يقولون: الناس بايعوا. الناس اختاروا. الناس أقبلوا. الناس احتاجوا إلى خليفة.
لكن من هؤلاء الناس؟ هل هم أهل الحل والعقد وحدهم؟ هل هم الصحابة الكبار وحدهم؟ أم فيهم الغوغاء الذين حاصروا عثمان؟ أم فيهم من رضي بالقتل؟ أم فيهم من ضغط بعد القتل؟
الرواية لا تتركنا في العمى. هي تقول إن في المشهد قومًا قتلوا عثمان. فليتوقفوا عن جعل كلمة «الناس» ستارًا للقتلة.
عليّ لم يقل: لا أعلمهم… بل قال: أستحيي أن أبايعهم
هذه هي الضربة المركزية.
لو كانت الحكاية كما يزعم العباسيون الجدد، لكان المتوقع أن يقول علي: لا أدري من قتل عثمان. أو: لا أعلم حقيقة الأمر. أو: لا تجوز التهمة بغير بينة. أو: حتى يظهر القاتل.
لكنه لم يقل هذا في النص.
بل قال: أستحيي أن أبايع قومًا قتلوا عثمان.
وهذه الجملة وحدها تكسر عمود السردية كلها؛ لأنها تثبت أن الجهة التي ضغطت للبيعة كانت معروفة، وأن صلتها بمقتل عثمان لم تكن خافية، وأن البيعة لم تأتِ في فراغ طاهر، بل جاءت بعد جريمة حاضرة وبضغط كتلة متورطة أو حامية للمتورطين.
لماذا يهربون من هذه الرواية؟
لأن الرواية تهدم بناءً كاملًا.
يبنون لك عليًّا في صورة الخليفة الذي تسلّم الأمة من دون شبهة سياسية، ثم تأتي الرواية فتقول: بل هو نفسه تحرّج، واستحيا، ورفض أولًا، وربط المشهد بالذين قتلوا عثمان.
يبنون لك قتلة عثمان كأنهم طرف ثالث لا يُمسك، ثم تأتي الرواية فتجعلهم أمام عليّ، يطلبون، يلحّون، ويصنعون مسار البيعة.
يبنون لك القصاص من قتلة عثمان كأنه مطلب شامي سياسي فقط، ثم تأتي الرواية فتقول: إن أصل الأزمة كان معلومًا في المدينة قبل أن يرفع أهل الشام راية المطالبة بالدم.
ولذلك يحاولون دفن النص تحت عناوين ناعمة: الفتنة، الاضطراب، عدم وضوح المشهد، كثرة الداخلين في الأمر، تعذر معرفة القاتل.
كل هذه عبارات سياسية لتبريد الجريمة. أما النص فيقول ببساطة: قوم قتلوا عثمان.
إشارات المصدر كما في الصورة
أُدرجت صورة المصدر داخل المقال لتبقى العبارة في سياقها البصري كما أُرفقت في مادة البحث. قبل النشر النهائي، يُفضَّل مطابقة النص على الطبعة الورقية المعتمدة وتثبيت رقم الصفحة والطبعة بدقة في الهامش.
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.