وهمُ «المُسلَّمات» أمام مِشرط الجرح والتعديل: قراءة في شرعية «التبشير» وإشكاليات «الإحداث»
لطالما خضع العقل الجمعي الإسلامي لسطوة «المرويات العاطفية» التي رُسمت ملامحها في عصور متأخرة، وتحديدًا تحت ظلال السيوف العباسية التي سعت إلى شرعنة وجودها عبر تضخيم فضائل «البيت العلوي» على حساب الحقيقة التاريخية المجرّدة. إن الطرح الذي تقدّمه المجلة والتيار العثماني لا يمثّل رأيًا شاذًا، بل هو عودة جريئة إلى منهج السلف الأوائل في التثبّت، وكسر لأصنام «المشهور» الذي لا يسنده دليل قطعي.
في هذا المقال، نضع «المبشّرات» المزعومة لعلي بن أبي طالب تحت مجهر النقد العلمي، مستندين إلى قواعد الحديث الصارمة ووقائع التاريخ الدامية.
أولًا: تهافت «حديث العشرة» أمام معيار النقد الحديثي
إن الركن الذي يستند إليه المخالفون هو «حديث العشرة المبشّرين بالجنة». والحقيقة التي يُغضّ الطرف عنها أن هذا الحديث — بالمعايير الصارمة للجرح والتعديل — لا يصمد. فطرقه تدور على رواة فيهم مقال، ورواياته آحاد ظنية لا ترقى إلى القطع في أصل عقدي خطير، كالجزم بجنّة معيّن.
ويزداد الإشكال حدّة حين نقابل ذلك بما ورد في أصحّ الكتب بعد كتاب الله، من نفي صريح على لسان أحد كبار الصحابة لسماع التبشير المعيّن إلا لعبد الله بن سلام. هذا النفي يهدم دعوى التواتر والشهرة التي صاغها المتأخرون؛ فلو كان التبشير أصلًا راسخًا، لما خفي على من يُجعل أحد أركانه.
ثانيًا: معضلة «الإحداث» واعتراف صاحب الشأن
من أخطر ما يكشفه التحقيق الربطُ بين نصوص «الحوض» وواقع التاريخ. فالنص الصحيح يضع شرط النجاة: عدم الإحداث بعد النبي. هذا الشرط ليس تفصيلًا هامشيًا، بل ميزانًا فاصلًا.
والاعتراف التاريخي الصريح يقرّ بوقوع «الإحداث»، وهو إقرارٌ لا يحتمل التأويل الإنشائي. فكيف يُمنح صكّ براءةٍ مطلق، مع قيام النص والتحقيق والاعتراف على خلافه؟ وهل الإحداث إلا تلك الفتنة التي أُريقت فيها دماء المهاجرين والأنصار؟
ثالثًا: دماء «العترة» أم دماء «المبشّرين»؟
إن تمييع الدماء التي سُفكت في الجمل وصفّين تحت شعار «الاجتهاد المأجور» جناية على الشريعة. فالقرآن يضع حدًّا قاطعًا لحرمة دم المؤمن، وحقوق العباد — وعلى رأسها الدماء — لا تسقط بفضائل سابقة ولا تُمحى بنصوص عامة.
ومن آوى قتلة الخليفة، أو جعلهم قادة في جيشه، دخل تحت وعيد خاص لا يقبل المجاز. فالمدينة لها حرمتها، ومن آوى المحدثين فقد استوجب الوعيد، وهذه قاعدة نصيّة لا تحتمل التجميل السياسي.
رابعًا: صناعة «الإجماع» تحت سياط السياسة
ما يُسوّق على أنه «إجماع» لم يتشكّل دفعة واحدة، بل صُنع عبر تراكم سياسي وضغط سلطوي. المواقف المبكرة كانت مترددة، ناقدة، بل ومعتزلة للفتنة. ثم تغيّر الخطاب مع تغيّر ميزان القوة، فدُوّنت العقائد بما يوافق السلطة أو يدرأ بطشها.
والاستدلال بأقوال المتأخرين — مهما علت مكانتهم — لا يصحّ إذا خالف الأصل التاريخي الأول الذي ضجّ بالخلاف والإنكار والاعتزال. فالفرع لا يُقيم أصلًا، والتاريخ لا يُعاد كتابته بأثر رجعي.
الخلاصة: العودة إلى النبع الصافي
يدعونا هذا المنهج إلى خلع نظارة التقديس الأعمى، والعودة إلى النصّ مجرّدًا من السياسة والعاطفة. والخلاصة القاسية — لكنها ضرورية — هي:
- لا يوجد نصّ قطعي الثبوت والدلالة يُبشّر عليًّا بالجنة على وجه التعيين.
- النصوص الصحيحة تُحذّر من الإحداث، وتتوعد قتل المؤمن، ومن آوى المحدثين.
- الواقع التاريخي يثبت وقوع الإحداث، والخوض في الدماء، وإيواء القتلة.
وعليه، فإن التوقّف في الأمر، أو إلحاقه بدائرة «المحدِثين» الذين أمرهم إلى الله — مع رجحان كفّة الوعيد لانتهاك حرمة دم عثمان — هو الموقف الأقرب إلى النصوص المجرّدة، وهو الانتصار الحقيقي لمنهج التحقيق العلمي، بعيدًا عن غوغائية العاطفة وسرديات المنتصرين سياسيًا.
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.