أثر ابن عمر: «ما آسى على شيء إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية»
يدور هذا الأثر على لسان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (ت 73 هـ)، وهو من أشهر ما يُتداول في باب موقف الصحابة من الفتنة: أنه تأسّف في آخر عمره على أنه لم يقاتل «الفئة الباغية». وقد شاع في الكتابات المعاصرة إيرادُه بلفظ واحد مختصر: «ما آسى على شيء إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي»، ثم البناء عليه في تحديد المراد بالفئة الباغية. غير أن الرجوع إلى المصادر الأصلية يُظهر أن للأثر خمسة طرق إلى ابن عمر، تختلف اختلافًا بيّنًا في اللفظ وفي السياق الذي قيل فيه: فطريقٌ مدنيةٌ عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر تسوق قصةً كاملة وقع فيها الكلام جوابًا عن سؤال رجلٍ من أهل العراق عن آية الحجرات، وفيها في رواية يعقوب بن سفيان الفسوي تفسيرُ ابن عمر نفسِه للفئة الباغية؛ وطريقٌ كوفيةٌ عن سعيد بن جبير تجعل الكلام عند احتضاره بمكة بعد عيادة الحجاج بن يوسف له، بلفظ «الفئة الباغية التي حلّت بنا»؛ وطرقٌ كوفيةٌ عن حبيب بن أبي ثابت، منها ما صرّح فيه حبيب بأنه بلاغٌ («بلغني عن ابن عمر»)، وفي بعض فروعها زيادةُ «مع علي»؛ وطريقٌ كوفيةٌ رابعةٌ عن أبي بكر بن أبي الجهم من رواية عبد الجبار بن العباس الشبامي.
تجمع هذه الدراسة متون الأثر كاملةً بنصوصها من المصادر، وتسوق أسانيده غير مختصرة، وتعرض اختلاف الرواة في متنه وفي إسناده، ثم تدرس رجاله، وتنقل أقوال الأئمة فيه وفي تفسير «الفئة الباغية» الواردة فيه، على منهج المجلة في النقل المجرّد عن الحكم والتهويل، وتُفرد فقرةً لتصويب ما شاع في المتداول من إيراده مختصرًا أو منسوبًا إلى غير مصدره.
وتنتهي الدراسة إلى أن الأقربَ إلى الحق — في ضوء الطريقين الصحيحين وسياقِهما — أن الفئةَ التي تأسّف ابنُ عمر على ترك قتالها إنما هي فئةٌ بغت في الفتن التي شهدها بعينه واعتزلها بورعه: فالروايةُ الصريحةُ تُسمّي فئةَ ابن الزبير «التي بغت على هؤلاء القوم فأخرجتهم من ديارهم ونكثت عهدهم»؛ وعمومُ قوله «كما أمرني الله» — وهو يحيل على آية الحجرات التي سُئل عنها — يمتدّ بمقتضاه إلى كلِّ فئةٍ بغت فقعد عن قتالها، وأولُ ذلك وأعظمُه تلك الفئةُ التي بغت على أمير المؤمنين عثمان بن عفان حتى قتلته في داره، فنهض لطلب دمه طلحةُ والزبيرُ ومعاويةُ، وقعد عنه ابنُ عمر مع مَن قعد؛ امتثالًا لنهي عثمان يومَ الدار، ثم ورعًا عن الدخول في الفتنة بعده. أما نقلُ الكلمة من مكةَ سنةَ ثلاثٍ وسبعين إلى صفّين سنةَ سبعٍ وثلاثين، وتحويلُ «الفئة الباغية» فيها إلى مَن قاتل عليًّا، فلم يقع إلا في الطبقة الكوفية التي عاشت في صدر الدولة العباسية، على ألسنة رواةٍ وصفهم أئمةُ الجرح بالتشيع والغلوّ فيه، وبإسنادٍ أقرّ صاحبُه بأنه بلاغٌ لا سماع. وفي هذا التحويل دلالةٌ على منهج أصحابه أبلغُ من كل تعليق: فما احتاج قومٌ أن يلتمسوا لإمامهم حقًّا في كلمةٍ حمّالةِ أوجه، قيلت في غير زمانه وغير قضيته، ويحملوها من فتنةٍ إلى فتنة، إلا لأن الحجةَ الصريحةَ المتصلةَ قد أعوزتهم، فاستعاضوا عنها بما لا يقوم به إسنادٌ ولا يستقيم معه تاريخ.
أولًا: المتون كاملة بنصوصها الأصلية
1. لفظ البيهقي في السنن الكبرى (8/298، رقم 16706) — الطريق المدنية عن الزهري
أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر: أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر إذ جاءه رجلٌ من أهل العراق، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني والله لقد حرصتُ أن أتسمّت بسمتك، وأقتدي بك في أمر فُرقة الناس، وأعتزلَ الشرَّ ما استطعت، وإني أقرأ آيةً من كتاب الله محكمةً قد أخذت بقلبي، فأخبرني عنها، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9]، أخبرني عن هذه الآية. فقال عبد الله: وما لك ولذلك؟ انصرف عني. فانطلق حتى توارى عنا سوادُه، أقبل علينا عبد الله بن عمر فقال: ما وجدتُ في نفسي من شيءٍ من أمر هذه الأمة ما وجدتُ في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله عز وجل.
زاد القطان في روايته: قال حمزة: فقلنا له: ومن ترى الفئة الباغية؟ قال ابن عمر: ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم، فأخرجهم من ديارهم، ونكث عهدهم.
2. لفظ الحاكم في المستدرك (3/125، رقم 4598 ط. العلمية = 3/115 ط. الهند)
أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر: أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر إذ جاءه رجلٌ من أهل العراق، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني والله لقد حرصتُ أن أتسمّت بسمتك، وأقتدي بك في أمر فُرقة الناس، وأعتزلَ الشرَّ ما استطعت، وإني أقرأ آيةً من كتاب الله محكمةً قد أخذت بقلبي، فأخبرني عنها، أرأيت قول الله عز وجل: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ... فقال عبد الله: ما لك ولذلك؟ انصرف عني. فانطلق حتى توارى عنا سوادُه، وأقبل علينا عبد الله بن عمر فقال: ما وجدتُ في نفسي من شيءٍ في أمر هذه الآية ما وجدتُ في نفسي أني لم أق[اتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله].
3. لفظ ابن سعد في الطبقات الكبرى (4/185 ط. صادر) — طريق سعيد بن جبير
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوام بن حوشب قال: حدثني عياش العامري عن سعيد بن جبير قال: لما أصاب ابن عمر النبلُ الذي أصابه بمكة، فرُمي حتى أصاب الأرض، فخاف أن يمنعه الألم، فقال: يا ابن أم الدهماء، اقضِ بي المناسك. فلما اشتد وجعُه بلغ الحجاجَ فأتاه يعوده، فجعل يقول: لو أعلم مَن أصابك لفعلتُ وفعلت. فلما أكثر عليه قال: أنت أصبتني، حملتَ السلاح في يومٍ لا يُحمل فيه السلاح. فلما خرج الحجاجُ قال ابن عمر: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمءِ الهواجر، ومكابدة الليل، وألّا أكون قاتلتُ هذه الفئة الباغية التي حلّت بنا.
4. لفظ روح بن عبادة عن العوام بن حوشب — كما ساقه الذهبي في سير أعلام النبلاء (3/232)
قال روح بن عبادة: حدثنا العوام بن حوشب، عن عياش العامري، عن سعيد بن جبير قال: لما احتُضر ابنُ عمر قال: ما آسى على شيءٍ من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأِ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا — يعني: الحجاج.
5. لفظ ابن سعد في الطبقات الكبرى (4/186–187) — طريق حبيب بن أبي ثابت (بلاغًا)
أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا عبد العزيز بن سياه قال: حدثني حبيب بن أبي ثابت قال: بلغني عن ابن عمر في مرضه الذي مات فيه قال: ما أجدني آسى على شيءٍ من أمر الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية.
6. لفظ يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (3/84)
حدثنا أبو نعيم وعبيد الله بن موسى قالا: حدثنا عبد العزيز بن سياه قال: حدثني حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر قال: ما أجدني آسى على شيءٍ من الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية.
7. لفظ الطبراني في المعجم الكبير (13/145، رقم 13824) — طريق شريك عن فطر
حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا علي بن حكيم الأودي؛ وحدثنا الحسين بن جعفر القتات الكوفي، ثنا منجاب بن الحارث؛ وحدثنا أحمد بن عمرو القطراني، ثنا محمد بن الطفيل؛ [قالوا:] ثنا شريك، عن فطر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال: ما أجدني آسى على شيءٍ إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي.
8. لفظ الطبراني في المعجم الكبير (13/146، رقم 13825) — طريق سنان بن هارون
حدثنا محمود بن محمد الواسطي، ثنا زكريا بن يحيى زحمويه، ثنا سنان بن هارون، عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه قال: سمعتُ ابنَ عمر يقول: ما آسى على شيءٍ فاتني إلا الصومَ والصلاةَ، وتركي الفئةَ الباغيةَ ألّا أكون قاتلتُها، واستقالتي عليًّا البيعةَ.
9. ألفاظ ابن عبد البر في الاستيعاب (4/407–409 ط. التركي)
(أ) حدثنا أبو القاسم خلف بن القاسم الحافظ رحمه الله قال: حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق بن معمر الجوهري قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن الحجاج بن رِشدين قال: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سليمان قال: حدثنا أسباط بن محمد قال: حدثنا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن عمر [قال]: ما آسى على شيءٍ إلا أني لم أقاتل مع علي الفئةَ الباغيةَ.
(ب) وحدثنا خلف بن قاسم، حدثنا ابن الورد، حدثنا يوسف بن يزيد، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا أسباط بن محمد [ويحيى بن عيسى]، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال ابن عمر: ما أجدني آسى على شيءٍ فاتني [من الدنيا] إلا أني لم أقاتل مع علي الفئةَ الباغيةَ.
(ج) وذكر أبو زيد عمر بن شبة قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين وأبو أحمد الزبيري قالا: حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه [... ما أجد] في نفسي من أمر الدنيا شيئًا إلا أني لم أقاتل الفئةَ الباغيةَ مع علي بن أبي طالب.
(د) قال [عمر بن شبة]: وحدثنا أبو أحمد [الزبيري]، حدثنا عبد الجبار بن العباس، عن أبي العنبس، عن أبي بكر بن أبي الجهم قال: سمعتُ ابنَ عمر يقول: ما آسى على شيءٍ إلا تركي قتالَ الفئةِ الباغيةِ مع علي.
10. لفظ الثوري عن حبيب عن سعيد بن جبير — كما ساقه الذهبي في السير (3/231)
حبيب بن أبي ثابت: عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: ما آسى على شيءٍ إلا أني لم أقاتل الفئةَ الباغيةَ. هكذا رواه الثوري عنه.
ثانيًا: المصادر التي أخرجت الأثر (جدول التخريج)
| المصدر | الموضع/الرقم | الطريق |
|---|---|---|
| ابن سعد (ت 230 هـ)، الطبقات الكبرى | 4/185 (ط. صادر) | يزيد بن هارون ← العوام بن حوشب ← عياش العامري ← سعيد بن جبير ← ابن عمر |
| ابن سعد، الطبقات الكبرى | 4/186–187 | الفضل بن دكين ← عبد العزيز بن سياه ← حبيب بن أبي ثابت: «بلغني عن ابن عمر» |
| يعقوب بن سفيان الفسوي (ت 277 هـ)، المعرفة والتاريخ | 3/84 (ط. العمري) | أبو نعيم وعبيد الله بن موسى ← عبد العزيز بن سياه ← حبيب ← ابن عمر |
| الفسوي، المعرفة والتاريخ (من طريق البيهقي) | كما في السنن الكبرى 16706 | (1) الحجاج بن أبي منيع ← جدّه عبيد الله بن أبي زياد الرصافي ← الزهري؛ (2) محمد بن يحيى بن إسماعيل ← ابن وهب ← يونس ← الزهري ← حمزة بن عبد الله بن عمر ← أبيه |
| ابن أبي الدنيا (ت 281 هـ)، المحتضرين | (بواسطة الذهبي، السير 3/232) | روح بن عبادة ← العوام بن حوشب ← عياش العامري ← سعيد بن جبير |
| عمر بن شبة (ت 262 هـ) — بواسطة ابن عبد البر | الاستيعاب 4/408–409 | (1) أبو نعيم وأبو أحمد الزبيري ← عبد الله بن حبيب ← أبيه؛ (2) أبو أحمد الزبيري ← عبد الجبار بن العباس ← أبي العنبس ← أبي بكر بن أبي الجهم ← ابن عمر |
| الطبراني (ت 360 هـ)، المعجم الكبير | 13/145، رقم 13824 | ثلاثة شيوخ ← علي بن حكيم / منجاب بن الحارث / محمد بن الطفيل ← شريك ← فطر ← حبيب ← ابن عمر |
| الطبراني، المعجم الكبير | 13/146، رقم 13825 | محمود بن محمد الواسطي ← زحمويه ← سنان بن هارون ← عبد الله بن حبيب ← أبيه: «سمعت ابن عمر» |
| الحاكم (ت 405 هـ)، المستدرك | 3/125، رقم 4598 (ط. العلمية) | محمد بن عبد الله الصفار ← أحمد بن مهدي بن رستم ← بشر بن شعيب ← أبيه شعيب ← الزهري ← حمزة ← أبيه |
| البيهقي (ت 458 هـ)، السنن الكبرى | 8/298، رقم 16706 (ط. العلمية) | عن الحاكم بإسناده المتقدم؛ وعن أبي الحسين بن الفضل القطان ← ابن درستويه ← يعقوب الفسوي بإسناديه إلى الزهري |
| ابن عبد البر (ت 463 هـ)، الاستيعاب | 4/407 (ط. التركي) | خلف بن القاسم ← الجوهري ← ابن رشدين ← يحيى بن سليمان الجعفي ← أسباط بن محمد ← عبد العزيز بن سياه ← حبيب ← ابن عمر |
| ابن عبد البر، الاستيعاب | 4/408 | خلف بن القاسم ← ابن الورد ← يوسف بن يزيد ← أسد بن موسى ← أسباط بن محمد ويحيى بن عيسى ← عبد العزيز بن سياه ← حبيب: «قال ابن عمر» |
| الذهبي (ت 748 هـ)، سير أعلام النبلاء | 3/231–232 | ساق طريق الثوري (حبيب ← سعيد بن جبير ← ابن عمر)، وطريق عبد العزيز بن سياه (وقال: منقطع)، وطريق روح بن عبادة (سعيد بن جبير) |
| مصادر أخرى أحال إليها المحققون | — | البلاذري، أنساب الأشراف 2/179؛ ابن العديم، بغية الطلب 1/289–290؛ ابن الأثير، أسد الغابة (ترجمة ابن عمر) — لم نقف على نصوصها مباشرةً فلم نعتمد عليها في التحليل |
ثالثًا: الأسانيد كاملة غير مختصرة مع دراسة الاختلاف
الطريق الأولى (المدنية): الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه
الطريق الثانية (الكوفية): عياش العامري عن سعيد بن جبير
الطريق الثالثة (الكوفية): حبيب بن أبي ثابت — وفروعها الأربعة
الفسوي (3/84): حدثنا أبو نعيم وعبيد الله بن موسى قالا: حدثنا عبد العزيز بن سياه قال: حدثني حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر قال: ما أجدني آسى على شيءٍ من الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية.
ابن عبد البر (4/407): حدثنا أبو القاسم خلف بن القاسم الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق بن معمر الجوهري، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين، قال: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سليمان، قال: حدثنا أسباط بن محمد، قال: حدثنا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن عمر: ما آسى على شيءٍ إلا أني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية.
ابن عبد البر (4/408): وحدثنا خلف بن قاسم، حدثنا ابن الورد، حدثنا يوسف بن يزيد، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا أسباط بن محمد [ويحيى بن عيسى]، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال ابن عمر: ما أجدني آسى على شيءٍ فاتني [من الدنيا] إلا أني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية.
الطبراني (13825): حدثنا محمود بن محمد الواسطي، ثنا زكريا بن يحيى زحمويه، ثنا سنان بن هارون، عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه قال: سمعتُ ابن عمر يقول: ما آسى على شيءٍ فاتني إلا الصومَ والصلاةَ، وتركي الفئةَ الباغيةَ ألّا أكون قاتلتُها، واستقالتي عليًّا البيعةَ.
الطريق الرابعة (الكوفية): أبو بكر بن أبي الجهم عن ابن عمر
التصويبات على المتداول
2. يُنقل لفظُ ابن سعد (4/185) مقطوعًا: «وألّا أكون قاتلتُ هذه الفئة الباغية» بحذف تتمّته «التي حلّت بنا» وحذفِ سياق عيادة الحجاج، فينقلب معناه.
3. يُعزى لفظُ «مع علي» إلى ابن سعد والفسوي، ونصُّهما المطبوع خالٍ منه؛ وإنما هو في مصادرٍ متأخرة عن رواةٍ دون عبد العزيز بن سياه.
4. يُساق أثر الحاكم والبيهقي شاهدًا على «ندم ابن عمر على ترك القتال مع علي»، مع أن الرواية نفسها — في وجه الفسوي الذي أخرجه البيهقي — فيها تعيينُ ابن عمر للفئة الباغية بابن الزبير، وأن السائل عراقيٌّ يسأله عن «أمر فُرقة الناس» في زمن حمزة ابنه.
5. يُستشهد بقول الهيثمي «رجاله رجال الصحيح» على صحة رواية الطبراني؛ وهو حكمٌ على الرجال لا على الاتصال، وقد بيّن ابن سعد والدارقطني والذهبي الانقطاع.
6. في المقابل: لا يصح نفيُ الأثر بالجملة؛ فأصلُه — تأسُّفُ ابن عمر في آخر عمره على ترك قتال فئةٍ رآها باغية — ثابتٌ من طريقين متصلين صحيحين، وإنما الكلامُ في تعيين الفئة وفي زيادة «مع علي».
رابعًا: شبكة الأسانيد والإحصائيات الشاملة
جدول مقارنة ألفاظ الروايات
| اللفظ | المصدر الأساسي | عدد الطرق | الدلالة/النسبة |
|---|---|---|---|
| «ما وجدتُ في نفسي من شيءٍ من أمر هذه الأمة ما وجدتُ في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله» (مع قصة العراقي والآية) — وفي رواية الفسوي: «ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم» | الحاكم 4598، البيهقي 16706 (وأصله عند الفسوي) | طريق واحدة، 3 أوجه عن الزهري | أصح الألفاظ وأتمّها سياقًا؛ الوحيد الذي فيه تعيينٌ من ابن عمر نفسه |
| «ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وألّا أكون قاتلتُ هذه الفئة الباغية التي حلّت/نزلت بنا» (يعني الحجاج) | ابن سعد 4/185؛ ابن أبي الدنيا؛ السير 3/232 | طريق واحدة، وجهان عن العوام | صحيح الإسناد؛ يحدّد الزمان (مرض الموت) والمكان (مكة) والسياق (عيادة الحجاج) |
| «ما أجدني آسى على شيءٍ من أمر الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية» (بلا تعيين) | ابن سعد 4/187 (بلاغًا)؛ الفسوي 3/84؛ رواية الثوري (السير 3/231) | 3 أوجه | اللفظ المحفوظ من طريق حبيب عند أثبت أصحابه؛ منقطع في وجهين، وموصول بسعيد بن جبير في وجه الثوري |
| «... لم أقاتل الفئة الباغية مع علي» / «تركي قتال الفئة الباغية مع علي» | الطبراني 13824؛ الاستيعاب 4/407–409 (ثلاثة أسانيد) | 5 أوجه | كلها كوفية، مدارها على مَن دون حبيب (شريك/فطر، أسباط، ابن حبيب) أو على عبد الجبار الشبامي؛ الزيادة غير محفوظة |
| «... إلا الصومَ والصلاةَ، وتركي الفئةَ الباغيةَ ألّا أكون قاتلتُها، واستقالتي عليًّا البيعة» | الطبراني 13825 | 1 | تفرّد سنان بن هارون؛ منكر |
توزيع الروايات حسب فئات المصادر
| فئة المصادر | عدد المصادر | عدد الطرق/الأوجه المسندة |
|---|---|---|
| كتب الطبقات والتاريخ (ابن سعد، الفسوي، عمر بن شبة) | 3 | 7 أوجه |
| المعاجم (الطبراني) | 1 | 4 أوجه (3 في 13824 + 1 في 13825) |
| المستدرك والسنن (الحاكم، البيهقي) | 2 | 3 أوجه عن الزهري |
| كتب معرفة الصحابة (ابن عبد البر) | 1 | 4 أسانيد |
| كتب الزهد والآداب (ابن أبي الدنيا) | 1 | 1 |
| كتب التراجم المتأخرة الناقلة (الذهبي) | 1 | 3 أوجه (منها وجه الثوري) |
| المجموع | 9 مصادر (+3 أحال إليها المحققون) | 4 طرق إلى ابن عمر، 15+ وجهًا مسندًا |
خامسًا: خريطة الأسانيد
سادسًا: خريطة انتشار الأثر في المدارس الحديثية
مدرسة المدينة
مدرسة الشام (حمص والرصافة)
مدرسة مصر (وأيلة)
مدرسة الكوفة
مدرسة واسط والبصرة وبغداد (رواة الطبقة المتأخرة)
سابعًا: الرواة جرحًا وتعديلًا
| الراوي | ترجمته وأقوال النقاد | خلاصة الحكم |
|---|---|---|
| عبد الله بن عمر بن الخطاب (ت 73 هـ) | الصحابي الجليل، اعتزل القتال في الجمل وصفين، وشهد فتنة ابن الزبير وبني أمية بمكة، وأُصيب في قدمه عند الجمرة في أيام الحجاج سنة 73 هـ فمات منها. | صحابي |
| الطريق المدنية | ||
| حمزة بن عبد الله بن عمر | أبو عمارة المدني، ابن ابن عمر لأم ولد، روى عنه الزهري وغيره، من رجال الشيخين. | ثقة |
| محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت 124 هـ) | الفقيه الحافظ المدني، نزيل الشام، متفقٌ على جلالته وإتقانه. | إمام حافظ |
| شعيب بن أبي حمزة الحمصي (ت 162 هـ) | ثقة عابد، قال ابن معين: «من أثبت الناس في الزهري»؛ من رجال الشيخين. | ثقة ثبت |
| بشر بن شعيب بن أبي حمزة (ت 213 هـ) | قال أحمد: «كتبتُ عنه قدر سبعين حديثًا، لم يكن صاحب حديث ولكن كتب أبيه كانت عنده»؛ وقال أبو زرعة: «سماعه كسماع أبي اليمان إنما كان إجازة»؛ ووصفه ابن حبان بأنه «متقن، وبعض سماعه عن أبيه مناولة». احتج به البخاري. | ثقة، وروايته عن أبيه إجازة |
| أحمد بن محمد بن مهدي بن رستم | شيخ محمد بن عبد الله الصفار، لم نقف فيه على جرحٍ ولا تعديلٍ مفصّل فيما تيسّر من المصادر؛ وتقوّي روايتُه بطريقَي الفسوي عن الزهري. | مستور |
| محمد بن عبد الله الصفار الزاهد (ت 339 هـ) | الأصبهاني، شيخ الحاكم، ثقة. | ثقة |
| يونس بن يزيد الأيلي (ت 159 هـ) | ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا (ابن حجر)، وقال أحمد: «في حديث يونس عن الزهري منكرات»؛ من رجال الشيخين. ووافقه هنا شعيب والرصافي. | ثقة |
| عبد الله بن وهب المصري (ت 197 هـ) | ثقة حافظ عابد. | ثقة حافظ |
| محمد بن يحيى بن إسماعيل | شيخ الفسوي، لم نقف على ترجمته فيما تيسّر. | لم يتبيّن |
| عبيد الله بن أبي زياد الرصافي | من أصحاب الزهري بالرصافة، روى عنه ابنُ ابنه الحجاج بن أبي منيع؛ أخرج له أصحاب السنن. | صدوق |
| الحجاج بن أبي منيع الرصافي | روى عن جدّه نسخةً عن الزهري؛ قال هلال بن العلاء: «شيخ ثقة». | صدوق |
| يعقوب بن سفيان الفسوي (ت 277 هـ) | الحافظ صاحب «المعرفة والتاريخ»، ثقة حافظ. | ثقة حافظ |
| عبد الله بن جعفر بن درستويه (ت 347 هـ) | النحوي، راوي كتاب الفسوي، تُكلّم في سماعه منه بلا حجة قوية. | صدوق |
| أبو الحسين محمد بن الحسين بن الفضل القطان (ت 415 هـ) | شيخ البيهقي ببغداد، ثقة. | ثقة |
| طريق سعيد بن جبير | ||
| سعيد بن جبير (ت 95 هـ) | الإمام الكوفي، ثقة ثبت فقيه، روى عن ابن عمر وابن عباس. | ثقة ثبت |
| عياش بن عمرو العامري الكوفي | قال ابن معين: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «صالح»، وذكره ابن حبان في الثقات. | ثقة |
| العوام بن حوشب الواسطي (ت 148 هـ) | ثقة ثبت فاضل، من رجال الشيخين. | ثقة ثبت |
| يزيد بن هارون الواسطي (ت 206 هـ) | ثقة متقن عابد. | ثقة متقن |
| روح بن عبادة البصري (ت 205 هـ) | ثقة فاضل له تصانيف. | ثقة |
| طريق حبيب بن أبي ثابت وفروعها | ||
| حبيب بن أبي ثابت الأسدي الكوفي (ت 119 هـ) | قال ابن حجر: «ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس»؛ وقال ابن خزيمة: «كان مدلّسًا، وقد سمع من ابن عمر»؛ ونفى أحمد وابن معين والبخاري وغيرهم سماعَه من عروة. وفي هذا الأثر صرّح هو نفسُه بأنه بلاغ («بلغني عن ابن عمر») في رواية ابن سعد، وجاءت الواسطة (سعيد بن جبير) في رواية الثوري. | ثقة مدلّس؛ روايته هنا منقطعة |
| عبد العزيز بن سياه الأسدي الكوفي | قال أبو حاتم: «محلّه الصدق»، وقال أبو زرعة: «لا بأس به، من كبار الشيعة»، وعن ابن معين: «ثقة لا بأس به»؛ وقال ابن حجر: «صدوق يتشيع». | صدوق يتشيع |
| أبو نعيم الفضل بن دكين (ت 219 هـ) | ثقة ثبت، من كبار شيوخ البخاري؛ وهو راوي وجه «بلغني». | ثقة ثبت |
| عبيد الله بن موسى العبسي (ت 213 هـ) | ثقة كان يتشيع، من رجال الشيخين. | ثقة يتشيع |
| أسباط بن محمد القرشي الكوفي (ت 200 هـ) | ثقة ضُعّف في الثوري. | ثقة |
| يحيى بن عيسى الرملي (كوفي نزل الرملة) | صدوق يخطئ ورُمي بالتشيع (ابن حجر). | صدوق يخطئ |
| يحيى بن سليمان الجعفي (ت 237 هـ) | كوفي نزل مصر، صدوق يخطئ. | صدوق يخطئ |
| أسد بن موسى «أسد السنة» (ت 212 هـ) | صدوق يُغرب، وفيه نصب. | صدوق |
| أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين (ت 292 هـ) | قال ابن عدي: «كذّبوه وأُنكرت عليه أشياء»، ونقله ابن الجوزي والذهبي وأقرّاه؛ وقال ابن يونس: من حفّاظ الحديث. | ضعيف |
| يوسف بن يزيد القراطيسي (ت 287 هـ) / ابن الورد / عبد الله بن عمر الجوهري | من رواة المصريين المتأخرين في أسانيد ابن عبد البر؛ القراطيسي ثقة، والآخران من شيوخ الأندلسيين الرحّالة. | مقبولون في طبقتهم |
| خلف بن القاسم بن سهل الحافظ (ت 393 هـ) | محدّث الأندلس، شيخ ابن عبد البر، ثقة حافظ. | ثقة حافظ |
| فطر بن خليفة المخزومي الكوفي (ت 153 هـ) | قال أحمد: «ثقة صالح الحديث» وقال أيضًا: «كان عند يحيى ثقة، لكنه خشبيٌّ مُفرِط»؛ وقال العجلي: «ثقة حسن الحديث، فيه تشيع يسير»؛ وقال ابن حجر: «صدوق رُمي بالتشيع». | صدوق رُمي بالتشيع |
| شريك بن عبد الله النخعي القاضي (ت 177 هـ) | صدوق يخطئ كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة (ابن حجر). | صدوق يخطئ كثيرًا |
| علي بن حكيم الأودي (ت 231 هـ) / منجاب بن الحارث (ت 231 هـ) / محمد بن الطفيل النخعي | كوفيون، ثقات، من شيوخ مسلم ومن روى عنهم أصحاب السنن. | ثقات |
| محمد بن عبد الله الحضرمي «مُطيَّن» (ت 297 هـ) | الحافظ الكوفي، ثقة. | ثقة حافظ |
| عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت | قال ابن معين والعجلي: «ثقة»، وذكره ابن حبان في الثقات. | ثقة |
| سنان بن هارون البرجمي الكوفي | قال ابن معين: «ليس حديثه بشيء»، وقال ابن حبان: «يروي المناكير عن المشاهير»، وقال أبو حاتم: «صالح/شيخ». | ضعيف |
| زكريا بن يحيى زحمويه الواسطي (ت 235 هـ) | ثقة. | ثقة |
| سفيان بن سعيد الثوري (ت 161 هـ) | الإمام الحافظ الفقيه الحجة. | إمام حجة |
| طريق أبي بكر بن أبي الجهم | ||
| أبو بكر بن أبي الجهم بن صخير العدوي الكوفي | ثقة، من رجال مسلم. | ثقة |
| أبو العنبس الكوفي | لم نقف له على توثيقٍ معتبر فيما تيسّر من المصادر. | لم يتبيّن |
| عبد الجبار بن العباس الشبامي الهمداني الكوفي | قال أحمد: «أرجو أن لا يكون به بأس»، ووثّقه أبو حاتم؛ وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: «لم يكن بالكوفة أكذب منه»، وقال ابن حبان: «كان ممن ينفرد بالمقلوبات عن الثقات، وكان غاليًا في التشيع»، وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه مما لا يتابَع عليه». | مختلَف فيه، والأكثر على تجريحه |
| أبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري الكوفي (ت 203 هـ) | ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري. | ثقة ثبت |
| أبو زيد عمر بن شبة النميري (ت 262 هـ) | الأخباري المحدّث، صاحب «تاريخ المدينة»، ثقة. | ثقة |
ثامنًا: أقوال الأئمة في الحكم على الأثر وفي معنى «الفئة الباغية» فيه
| الإمام | حكمه |
|---|---|
| الدارقطني (ت 385 هـ) | «رواه أبو نعيم، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب، قال: بلغني عن ابن عمر في مرضه الذي مات فيه أنه قال ذلك، وهو الصواب» — نقله محقق الاستيعاب (4/407، الحاشية). فصوّب وجهَ البلاغ، وحدّد الزمن بمرض الموت. |
| البيهقي (ت 458 هـ) | أخرجه في «باب ما جاء في قتال أهل البغي والخوارج» من طريق الزهري بأوجهه الثلاثة محتجًّا به، وقال: «ففي قول عبد الله بن عمر هذا دلالةٌ على جواز استعمال الآية في قتال الفئة الباغية» (السنن الكبرى 8/298). |
| ابن عبد البر (ت 463 هـ) | «وكان رحمه الله لورعه قد أُشكلت عليه حروب علي، فقعد عنه، وندم على ذلك حين حضرته الوفاة» (الاستيعاب 4/404) — ثم ساق روايات حبيب وعبد الجبار الكوفية بزيادة «مع علي». |
| القرطبي (ت 671 هـ) | في «التذكرة»: «وربما ندم بعضُهم على ترك ذاك كعبد الله بن عمر، فإنه ندم على تخلفه عن نصرة علي بن أبي طالب، فقال عند موته: ما آسى على شيء، ما آسى على تركي قتال الفئة الباغية، يعني فئة معاوية، وهذا هو الصحيح» (نقلًا عن فتوى إسلام ويب رقم 341053). |
| ابن تيمية (ت 728 هـ) | في «النبوات»: «واتفقت الصحابة على قتال الخوارج، حتى إن ابن عمر مع امتناعه عن الدخول في فُرقة ... قال عند الموت: ما آسى على شيء إلا على أني لم أقاتل الطائفة الباغية مع علي رضي الله عنه؛ يريد بذلك قتال الخوارج» (نقلًا عن الفتوى المذكورة). |
| الذهبي (ت 748 هـ) | ساق وجه الثوري (حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر) بلا تعيين، ثم قال في وجه عبد العزيز بن سياه عن حبيب بزيادة «مع علي»: «فهذا منقطع»، ثم قال: «وله قولٌ ثالثٌ في الفئة الباغية» وساق رواية روح بن عبادة: «التي نزلت بنا — يعني الحجاج» (السير 3/231–232). |
| الهيثمي (ت 807 هـ) | على رواية الطبراني: «رواه الطبراني بأسانيد، وأحدها رجاله رجال الصحيح» (مجمع الزوائد 7/242) — وهو حكم على ظاهر الرجال دون النظر في الاتصال. |
| ابن خزيمة (ت 311 هـ) — في حبيب | «كان مدلّسًا، وقد سمع من ابن عمر» (تهذيب التهذيب) — فسماعه من ابن عمر ثابتٌ في الجملة، وانقطاعُ هذا الأثر بخصوصه ثابتٌ بإقراره: «بلغني». |
| شعيب الأرنؤوط وزملاؤه (محققو السير) | على طريق سعيد بن جبير: «أخرجه ابن سعد 4/185 من طريق يزيد بن هارون، وإسناده صحيح». |
| سعد الحميّد وخالد الجريسي (محققا المعجم الكبير) | خرّجا 13824 من ابن سعد والفسوي والاستيعاب وبغية الطلب ونقلا كلام الهيثمي؛ وذكرا في 13825 اختلاف النقاد في سنان بن هارون. |
تاسعًا: الخلاصة
أصلُ الأثر ثابت: صحّ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه تأسّف في آخر عمره على أنه لم يقاتل فئةً رآها باغية، وذلك من طريقين متصلين صحيحين: الطريق المدنية (الزهري عن ابنه حمزة عنه) بلفظ «ما وجدتُ في نفسي من شيءٍ من أمر هذه الأمة ما وجدتُ في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله»، والطريق الكوفية عن سعيد بن جبير بلفظ «ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وألّا أكون قاتلتُ هذه الفئة الباغية التي حلّت بنا».
تعيينُ الفئة: الطريقان الصحيحان وحدهما هما اللذان يسوقان سياقَ القول، وكلاهما يضعه في فتنة ابن الزبير وبني أمية بمكة سنة 73 هـ: فالأولى صرّح فيها ابن عمر — في رواية الفسوي التي أخرجها البيهقي — بأن الفئة الباغية «ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم، فأخرجهم من ديارهم، ونكث عهدهم»، والثانية قالها عقب عيادة الحجاج له في مرض موته بلفظ «التي حلّت بنا» وفسّرها الراوي بالحجاج. وهذان تعيينان متغايران في الظاهر (ابن الزبير / الحجاج) يجمعهما أنهما في الفتنة الزبيرية–الأموية، وأن ابن عمر رأى أن آية الحجرات كانت تُلزمه بقتال الباغي فيها ولم يفعل. ولا يوجد في شيء من الطرق المتصلة الصحيحة ذكرٌ لعلي ولا لمعاوية ولا للخوارج.
زيادة «مع علي»: لم تأتِ إلا من الكوفة، من طريق حبيب بن أبي ثابت — الذي أقرّ بأن روايته بلاغٌ منقطع، وصوّب الدارقطني هذا الوجه، وقال الذهبي «فهذا منقطع» — في فروعٍ دونه فيها شريكٌ وفطرٌ وسنانٌ وابنُ رشدين، وخلا منها أثبتُ أصحاب عبد العزيز بن سياه (أبو نعيم وعبيد الله بن موسى) عند ابن سعد والفسوي؛ ومن طريق عبد الجبار بن العباس الشبامي الغالي في التشيع. فهي زيادةٌ غيرُ محفوظة بمقتضى الصناعة الحديثية، وإن تلقّاها ابن عبد البر والقرطبي بالقبول وفسّراها بفئة معاوية، وحملها ابن تيمية على الخوارج.
النتيجة المنهجية: لا يصح — بمعايير الإسناد — الاستدلال بهذا الأثر على أن ابن عمر ندم على ترك القتال مع علي في الجمل أو صفين؛ فمواقفُه من تلك الحروب ثابتة في الصحيح بأنه اعتزلها ودافع عن اعتزاله (البخاري 4513–4515، 7095). وإنما الثابت ندمُه على ترك قتال الباغي في فتنة ابن الزبير والحجاج، وتعيينُ ذلك الباغي هو ما اختلفت فيه الروايتان الصحيحتان بين ابن الزبير والحجاج.
ترجيح المجلة: إذا كان الثابتُ أن ابن عمر قال كلمتَه هذه في آخر عمره، مستحضرًا آيةَ الحجرات، متأسّفًا على أنه لم يقاتل «كما أمره الله»، وكان هو الرجلَ الذي اعتزل الفتنَ كلَّها من يوم الدار إلى يوم الحَرّة إلى حصار مكة، فالأقربُ إلى الحق أن الفئةَ التي كان يعنيها هي التي بغت فعلًا وسُمّيت باغيةً بلسانه أو بلسان راويه: فئةُ ابن الزبير «التي نكثت العهد وأخرجت القوم من ديارهم» — كما نطق به هو في أصح طرق الأثر — ومن قبلها، بمقتضى عموم الآية التي احتجّ بها، تلك الفئةُ التي بغت على أمير المؤمنين عثمان بن عفان فقتلته، وهي التي نهض لطلب دمه طلحةُ والزبيرُ ومعاويةُ، وقعد عنها ابنُ عمر مع مَن قعد ثم ندم. فأما بغيُ قتلة عثمان فمجمَعٌ عليه، وأما ابنُ الزبير فقد سمّاه ابنُ عمر نفسُه باغيًا في هذه الرواية؛ وكلتاهما فتنةٌ عاشها وشهد بغيَها بعينه. أما أن تُنقل الكلمةُ من مكة سنةَ ثلاثٍ وسبعين إلى صفّين سنةَ سبعٍ وثلاثين، ومن ابن الزبير والحجاج إلى معاوية وأهل الشام، فذلك لم يصنعه غيرُ رواةٍ كوفيين عاشوا في صدر الدولة العباسية، وصفهم أئمةُ الجرح بالتشيع والغلوّ فيه، وبإسنادٍ اعترف صاحبُه بأنه بلاغٌ لا سماع، وخلا منه أثبتُ أصحابه. وفي هذا عبرةٌ منهجية تتجاوز هذا الأثر: فما لجأ قومٌ إلى كلمةٍ منقطعةٍ حمّالةِ أوجه، يحملونها على غير زمانها وغير أهلها، لينتزعوا منها لإمامهم حقًّا لم يقله قائلُها، إلا وقد أعلنوا بذلك عن إفلاس الحجة الصريحة في أيديهم؛ إذ لو كان عندهم نصٌّ صريحٌ متصلٌ لما احتاجوا إلى عنعنة حبيبٍ المنقطعة، ولا إلى شريكٍ وفطرٍ وسنانٍ وعبدِ الجبار. والله أعلم.
عاشرًا: المصادر والمراجع
- ابن سعد، محمد (ت 230 هـ): الطبقات الكبرى، ط. دار صادر، بيروت، 4/185 و4/186–187.
- الفسوي، يعقوب بن سفيان (ت 277 هـ): المعرفة والتاريخ، تحقيق أكرم ضياء العمري، ط. العراق، 3/84.
- ابن أبي الدنيا (ت 281 هـ): المحتضرين — رواية روح بن عبادة (بواسطة الذهبي في السير 3/232 ونقول الباحثين).
- عمر بن شبة (ت 262 هـ): (روايته بواسطة ابن عبد البر، الاستيعاب 4/408–409).
- الطبراني، سليمان بن أحمد (ت 360 هـ): المعجم الكبير، المجلد الثالث عشر، تحقيق سعد الحميّد وخالد الجريسي، 13/145–146، رقم 13824 و13825.
- الحاكم النيسابوري (ت 405 هـ): المستدرك على الصحيحين، ط. دار الكتب العلمية، 3/125، رقم 4598 (= 3/115 ط. الهند).
- البيهقي، أحمد بن الحسين (ت 458 هـ): السنن الكبرى، ط. دار الكتب العلمية، 8/298، رقم 16706 (= 8/172 ط. الهند).
- ابن عبد البر (ت 463 هـ): الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، 4/404 و4/407–409 (وحواشيه: نقل الدارقطني، والإحالة إلى البلاذري 2/179 وابن المظفر).
- الذهبي (ت 748 هـ): سير أعلام النبلاء، ط. الرسالة، 3/231–232 (وتعليق المحققين).
- الهيثمي (ت 807 هـ): مجمع الزوائد، 7/242 (بواسطة محققي المعجم الكبير).
- ابن حجر (ت 852 هـ): تقريب التهذيب وتهذيب التهذيب (تراجم حبيب بن أبي ثابت، فطر، شريك، عبد العزيز بن سياه، يونس، بشر بن شعيب…).
- ابن حبان (ت 354 هـ): المجروحين، 2/159 (ترجمة عبد الجبار بن العباس)؛ وابن عدي: الكامل (ترجمتا عبد الجبار وابن رشدين).
- المزي (ت 742 هـ): تهذيب الكمال، 32/555 (ترجمة يونس بن يزيد).
- القرطبي (ت 671 هـ): التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة؛ وابن تيمية (ت 728 هـ): النبوات — (نصّاهما بواسطة فتوى إسلام ويب رقم 341053).
- البخاري: الجامع الصحيح، أحاديث 4513–4515 و7095 (موقف ابن عمر من القتال في الفتنة).
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.