تفنيد حديث المرط المعروف بـ"حديث الكساء"
دراسة نقدية شاملة للأسانيد والمتون مع تخريج أثر ابن عباس في آية التطهير
مقدمة
حديث الكساء (المعروف بحديث المرط المرحّل) من أخطر الأحاديث التي استُعملت لتحريف المفهوم القرآني لـ"أهل البيت" وصرفه عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم - اللواتي نصّ القرآن الكريم على أنهنّ المعنيّات بهذا اللقب - إلى عليّ وفاطمة رضي الله عنها والحسن والحسين
أولاً: إعراض البخاري
هذا الحديث أعرض عنه الإمام البخاري ولم يُخرجه في صحيحه، وهذا الإعراض له دلالة بالغة الأهمية، فالبخاري أعلم أهل الأرض بالحديث وعلله، وإعراضه عن هذا الحديث يعني أنه لم يرَ فيه ما يستحق الإخراج في كتابه الذي التزم فيه أصحّ الأحاديث.
ثانياً: الهدف من صناعة هذا الحديث
قبل الشروع في الكلام عن أسانيد وطرق هذا الحديث الضعيف الذي تمّت صناعته في مخابز الكوفة، يجب أن نفهم الهدف الأساسي من اختلاقه: سرقة لقب "أهل البيت" الوارد في القرآن الكريم لأمهات المؤمنين زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم حصراً بدلالة سياق الآيات، وأن الله تعالى أذهب عنهنّ الرجس وطهّرهنّ تطهيراً.
جاء هذا الحديث الشيعي الكوفي لسلب هذا المصطلح "أهل البيت" من أمهات المؤمنين، وإعطائه لعليّ وعياله وزوجته، وإخراج زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ظلماً وعدواناً.
ثالثاً: السياق القرآني القاطع
والآية الكريمة وردت في سياق خطاب متصل صريح لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لا يقبل التأويل:
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ... وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: 32-34]
فالسياق واضح وضوح الشمس في رابعة النهار: ما قبل الآية خطاب لنساء النبي ({يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ}... {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ})، وما بعدها خطاب لنساء النبي ({وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ}). فمن أخرج الآية من سياقها وزعم أنها في غير أزواج النبي فعليه البرهان القاطع.
القسم الأول: أثر ابن عباس وعكرمة - الآية في أزواج النبي خاصة
الأثر الأول: أثر ابن عباس رضي الله عنهما
المصدر
- • سير أعلام النبلاء للذهبي (تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة)
- • تفسير ابن أبي حاتم
- • تفسير ابن كثير (3/483)
السند
زيد بن الحُبَاب، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس.
المتن
في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} قال: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
حكم الإسناد
- • قال شعيب الأرناؤوط (محقق سير أعلام النبلاء): إسناده حسن.
- • قال الذهبي: إسناده صالح، وسياق الآيات دالٌّ عليه.
- • زيد بن الحُبَاب: صدوق (وثّقه ابن معين وغيره).
- • حسين بن واقد: ثقة (وثّقه النسائي وابن معين).
- • يزيد النحوي (يزيد بن أبي سعيد): ثقة.
دلالة قول عكرمة
ثم قال عكرمة (تلميذ ابن عباس ومولاه) معلناً تأكيده:
من شاء باهلتُه أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة!
وهذا يدل على أن عكرمة كان يرى يقيناً أن المراد بـ"أهل البيت" في هذه الآية هم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان مستعداً للملاعنة بالمباهلة مع من يخالفه، مما يدل على وجود محاولات قديمة لسرقة هذا المصطلح القرآني الشريف من أمهات المؤمنين.
الحكم على هذا الأثر
رقمه في سير أعلام النبلاء (1024)، وقد حكم عليه شعيب الأرناؤوط بقوله: الحديث حسن، فيه زيد بن الحُبَاب وهو صدوق، ويزيد النحوي هو يزيد بن أبي سعيد النحوي وهو ثقة.
قرينة السياق القرآني
هذا الأثر يُعضَد بقرينة لا تقبل الدحض وهي سياق الآيات نفسه:
- 1. {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ...} [الأحزاب: 32]
- 2. {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ...} [الأحزاب: 33]
- 3. {إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب: 33]
- 4. {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34]
فما قبل الآية خطاب لنساء النبي، وما بعدها خطاب لنساء النبي. فمن أخرج الآية من سياقها فعليه البرهان.
والتحول من صيغة المؤنث (بُيُوتِكُنَّ) إلى صيغة المذكر (عَنْكُمُ) إنما هو لدخول النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب باعتباره رب البيت، وهذا أسلوب عربي معروف في التغليب.
القسم الثاني: تفنيد حديث المرط المعروف بحديث الكساء - رواية رواية
🔴 الرواية الأولى: رواية مسلم عن عائشة (الإسناد الأقوى المزعوم)
المصدر
صحيح مسلم - حديث رقم 2424
السند
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير (واللفظ لأبي بكر) قالا: حدثنا محمد بن بشر، عن زكريا (بن أبي زائدة)، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: قالت عائشة رضي الله عنها.
ملاحظة بالغة الأهمية: الحديث في موضعين من صحيح مسلم
أخرج مسلم هذا الحديث في موضعين من صحيحه، وهذه النقطة من أقوى الأدلة على أن قصة الكساء إضافة مُقحَمة على الحديث الأصلي:
الموضع الأول
في الجزء الثالث (ص1649)، كتاب اللباس والزينة (37)، باب (6): التواضع في اللباس، والاقتصار على الغليظ منه واليسير، في اللباس والفراش وغيرهما، وجواز لبس الثوب الشَّعر وما فيه أعلام - حديث رقم (2081):
حدثنا سُريج بن يونس، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن أبيه. ح وحدثني إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة. ح وحدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا يحيى بن زكريا، أخبرني أبي عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مِرطٌ مُرحَّل من شعر أسود.
انتهت الرواية هنا! وصلّى الله وبارك: لا وجود لعليّ ولا حسن ولا حسين ولا فاطمة رضي الله عنها ولا أحد. متن سليم تماماً وبسيط جداً يقول أن النبي خرج وعليه عباءة بسيطة من شعر أسود. انتهى.
الموضع الثاني
في الجزء الرابع (ص1883)، كتاب فضائل الصحابة (44)، باب (9): فضائل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم - حديث رقم (2424):
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نُمَير (واللفظ لأبي بكر) قالا: حدثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: قالت عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مِرطٌ مُرحَّل من شعر أسود. فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.
التعليق: نفس الحديث بنفس السند عن نفس الراوي (مصعب بن شيبة) عن نفس الصحابية (عائشة)، لكن الموضع الثاني فيه إضافة كاملة هي قصة الكساء بأكملها! فالموضع الأول هو المتن الأصلي السليم، أما الموضع الثاني فهو نفس المتن بعد أن تمّ إدخاله إلى المخبز الكوفي وإضافة التوابل والبهارات الشيعية عليه.
دراسة نقدية تفصيلية للسند - مصعب بن شيبة الحَجَبي
مصعب بن شيبة الحَجَبي هو مدار هذا الإسناد في الموضعين، وقد أجمع جمهور النقاد على تضعيفه، ونصّوا على أن حديث الكساء (المرط المرحّل) من منكراته بالذات.
(1) نص الإمام أحمد بن حنبل - الضعفاء الكبير للعقيلي (4/197، ترجمة 1775)
نقل العقيلي في كتابه "الضعفاء الكبير" (السفر الرابع، ترجمة رقم 1775 - مصعب بن شيبة الحَجَبي):
ذكرتُ لأبي عبد الله [يعني الإمام أحمد بن حنبل] الوضوء من الحجامة فقال: ذاك حديث منكر، رواه مصعب بن شيبة، أحاديثه مناكير، منها هذا الحديث، وعشرة من الفطرة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه مرط مرحّل.
فالإمام أحمد نصّ صراحةً على أن حديث "المرط المرحّل" (وهو حديث الكساء) من مناكير مصعب بن شيبة!
ثم قال العقيلي بعد أن ساق سند حديث الكساء ومتنه:
الغسل من الجنابة ويوم الجمعة يُروى بأسانيد جياد، والفطرة يُروى بإسناد صالح من هذا الإسناد ودون العدد الذي ذكرناه، والمرط المرحّل لا يُعرف إلا به.
أي أن حديث الكساء تفرّد به مصعب بن شيبة ولا يُعرف من غير طريقه.
(2) جامع الجرح والتعديل (ص134، ترجمة 4350)
جمع كتاب "الجامع في الجرح والتعديل" (المجلد الثالث) أقوال النقاد في ترجمة مصعب بن شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان العبدري المكي الحَجَبي (رقم 4350):
- • قال العجلي: مصعب بن شيبة حاجب الكعبة، مكي، ثقة. (الثقات 1363)
- • وقال أبو زُرعة الرازي: ليس بقوي. (علل الحديث 113)
- • وقال النسائي: مُنكَر الحديث. (سنن النسائي 8/128)
- • وقال الدارقطني: ليس بالقوي ولا بالحافظ. (السنن 1/113)
- • وقال أيضاً: ضعيفٌ. (السنن 1/134)
- • وقال أيضاً: مُنكَر الحديث. قاله النسائي. (التتبع 448)
(3) نقولات من كتاب "فضل الرحيم الودود - تخريج سنن أبي داود" (ص179)
جمع المحقق أبو عمرو ياسين بن محمد آل عجب أقوال النقاد:
- 1. أحمد بن حنبل وعلي بن المديني: ضعّفا الحديثين: حديث مصعب (الكساء) وحديث أبي هريرة في الغسل من غسل الميت.
- 2. ابن المنذر (الأوسط 5/351): "الاغتسال من غسل الميت لا يجب، وليس فيه خبر يثبت."
- 3. العقيلي: "والمرط المرحّل لا يُعرف إلا به"
- 4. الدارقطني في السنن (1/113): "مصعب بن شيبة: ليس بالقوي، ولا بالحافظ"
- 5. الدارقطني في السنن (1/134): "مصعب بن شيبة: ضعيف"
- 6. ابن أبي حاتم في العلل (113/49/1): "وسألتُ أبا زُرعة... فقال: لا يصح هذا؛ رواه مصعب بن شيبة وليس بقوي." - ثم قال: قلتُ لأبي زُرعة: لم يُروَ عن عائشة من غير حديث مصعب؟ قال: لا.
- 7. النسائي في سننه (5042): "ومصعب: منكر الحديث"
- 8. الخطابي في معالم السنن (4/306): "وفي إسناد الحديث: مقال"
- 9. ابن عبد البر في التمهيد (10/83): "وهو حديث ليس بالقوي"
- 10. ابن عبد البر في الاستذكار (3/13): "وأما حديث مصعب بن شيبة... فمما لا يُحتج به"
(4) الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة - د. سعود الصاعدي (ص393-394)
جمع الدكتور سعود الصاعدي أقوال النقاد في مصعب بن شيبة في دراسته لحديث 674 (حديث الكساء عن عائشة):
رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبدالله بن نمير، كلاهما عن محمد بن بشر عن زكريا عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة عنها.
ومصعب بن شيبة هو: ابن جبير، حاجب الكعبة، مختلف فيه مع قلة حديثه، ووثّقه ابن معين والعجلي.
وقال أحمد: (روى أحاديث مناكير)، وضعّف أبو داود حديثاً له، وقال النسائي: (منكر الحديث)، وقال مرة: (في حديثه شيء)، وقال ابن عدي: (تكلموا في حفظه)، وضعّفه الدارقطني، وأورده الذهبي في الديوان وفي المغني، وقال ابن حجر: (لين الحديث).
قال الإمام أحمد - مرة - وقد ذُكر له حديث من أحاديث مصعب: (رواه مصعب بن شيبة، أحاديثه مناكير...)، ثم ذكر بعض مناكيره، مُورِداً منها حديثه هذا [يعني حديث الكساء].
وقال العقيلي - وقد ذكر حديثه هذا -: (لا يُعرف إلا به).
(5) مَنْ وثّقه ولماذا لا يُقبل
- • يحيى بن معين: وثّقه
- • العجلي: وثّقه
لكن التضعيف مقدّم على التوثيق هنا لعدة أسباب:
- • المضعّفون أكثر عدداً وأعلم بالعلل: أحمد، علي بن المديني، النسائي، الدارقطني، أبو حاتم، أبو زُرعة، العقيلي، ابن عبد البر، أبو داود، ابن عدي، ابن حجر
- • الجرح المفسَّر مقدّم على التعديل المجمل عند التعارض
- • نصّ أحمد والعقيلي على أن حديث الكساء بالذات من منكراته
- • السند ملغوم بالرواة الكوفيين: محمد بن بشر العبدي (كوفي)، وزكريا بن أبي زائدة (كوفي)، وابن نُمَير (كوفي)
(6) إعراض البخاري وملاحظة على إخراج مسلم
البخاري أعرض عن هذا الحديث ولم يُخرجه في صحيحه، وهذا إعراض له دلالة قوية.
وإخراج مسلم لهذا الحديث لا يعني بالضرورة تصحيحه المطلق، فقد نبّه العلماء على أن مسلماً قد يُخرج لبعض من تُكلّم فيه، وقد انتقد الدارقطني وأبو مسعود الدمشقي وأبو علي الغساني عدداً من أحاديث الصحيحين. ولعل مسلماً أخرجه لعلّة لم تظهر له أو اجتهد في قبوله والعلماء بيّنوا ضعفه.
🔴 الرواية الثانية: رواية ابن حبان عن واثلة بن الأسقع
المصدر
صحيح ابن حبان (التقاسيم والأنواع، المجلد الرابع، ص218)
السند
حدثنا الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد قالا: حدثنا الأوزاعي، عن شداد (أبي عمار)، عن واثلة بن الأسقع.
المتن
قال واثلة: سألت عن علي في منزله، فقيل لي: ذهب يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ جاء، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلتُ، فجلس رسول الله على الفراش، وأجلس فاطمة عن يمينه وعلياً عن يساره، وحسناً وحسيناً بين يديه، وقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} اللهم هؤلاء أهلي. قال واثلة: فقلتُ من ناحية البيت: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: "وأنت من أهلي".
دراسة نقدية للسند - شداد أبو عمار
شداد بن عبد الله القرشي أبو عمار الدمشقي: وصفه ابن حجر في تحرير تقريب التهذيب (2/108، ترجمة 2756) بأنه: ثقة يُرسِل.
فالعلة في هذه الرواية أن شداداً وإن كان ثقة إلا أنه يُرسل، وقد استعمل هنا العنعنة فقال: "عن واثلة"، ولم يُصرّح بالسماع منه. فالرواية منقطعة لاحتمال الإرسال.
🔴 الرواية الثالثة: رواية الحاكم المتساهل عن واثلة
المصدر
المستدرك على الصحيحين للحاكم (المجلد السادس، ص94، حديث 4755)
السند
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الربيع بن سليمان المرادي وبحر بن نصر الخولاني قالا: ثنا بشر بن بكر، ثنا الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني واثلة بن الأسقع...
دراسة نقدية للسند - بشر بن بكر
بشر بن بكر التِّنِّيسي (أبو عبد الله التَّخلي، دمشقي الأصل): قال ابن حجر في تقريب التهذيب (ص96، ترجمة 677): ثقةٌ يُغرِب.
وفي تهذيب التهذيب لابن حجر (2/257) في ترجمته:
- • قال الدارقطني: ثقة
- • قال مرة: ليس به بأس
- • لكن قال مسلمة بن قاسم: "روى عن الأوزاعي أشياء انفرد بها، وهو لا بأس به إن شاء الله"
والمشكلة هي في روايته عن الأوزاعي تحديداً، فهو ينفرد عنه ويُغرب.
ومصطلح "يُغرِب" عند المحدثين يعني: أن يأتي الراوي برواية غريبة مُستنكَرة، وهو مثل قولهم "يروي المناكير". وإذا أكثر الراوي من الغرائب صار ذلك جرحاً فيه وتزول عنه صفة الثقة في تلك الروايات.
فقولهم في بشر بن بكر "يُغرِب" ليس أمراً بسيطاً، بل هي علة في الرواية عن الأوزاعي.
🔴 الرواية الرابعة: رواية الطحاوي في مشكل الآثار (رواية واثلة مع الزيادة الغريبة)
المصدر
شرح مشكل الآثار للطحاوي (ص245، حديث 773)، مؤسسة الرسالة
السند
حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي وسليمان الكيساني قالا: حدثنا بشر بن بكر البجلي، عن الأوزاعي، أخبرني أبو عمار، حدثني واثلة بن الأسقع...
المتن (مع الزيادة الغريبة)
نفس متن رواية واثلة السابقة، لكن فيها زيادة عجيبة:
ثم قال: {إنما يريد الله...} الآية، ثم قال: اللهم هؤلاء أهلي، إنهم أهل حق. فقلتُ: يا رسول الله وأنا من أهلك؟ قال: "وأنتَ من أهلي". قال واثلة: فإنها من أرجى ما أرجو!
دراسة نقدية
على السند: نفس العلة السابقة - بشر بن بكر يُغرب عن الأوزاعي.
على المتن: هذه الرواية تكشف اضطراب حديث الكساء، فبحسب هذا المتن أصبح واثلة بن الأسقع من "أهل بيت" النبي! وهذا ما لم يقل به أحد من المسلمين لا شيعة ولا سنة. فإذا كان مصطلح "أهل البيت" يشمل واثلة بن الأسقع بمجرد أن طلب ذلك، فما معنى حصره في الخمسة أصلاً؟ وهذا يدل على الاضطراب والاختلاق في هذه الروايات.
🔴 الرواية الخامسة: رواية عمر بن أبي سلمة (سنن الترمذي)
المصدر
سنن الترمذي - كتاب تفسير القرآن، حديث رقم 3205
السند
حدثنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد، عن عطاء (بن أبي رباح)، عن عمر بن أبي سلمة.
المتن
لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم {إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً فجلّلهم بكساء، وعليٌّ خلف ظهره فجلّله بكساء، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً". قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: "أنتِ على مكانكِ وأنتِ على خير".
ملاحظة نقدية
قول النبي لأم سلمة "أنتِ على مكانكِ وأنتِ على خير" لا يُخرجها من أهل البيت، فلم يقل "لستِ من أهل بيتي". والآية نزلت في بيتها خطاباً لها ولغيرها من الأزواج بنص السياق القرآني.
🔴 الرواية السادسة: رواية أم سلمة (مسند أحمد - فيها مبهم)
السند
حدثنا عبد الله (ابن أحمد)، حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن نمير، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثني من سمع أم سلمة.
العلة
في السند راوٍ مبهم: "حدثني من سمع أم سلمة". والمبهم مجهول لا يُحتج به في علم الحديث.
🔴 الرواية السابعة: رواية الطبري عن أبي سعيد الخدري (الأعمش وعطية العوفي - كلاهما كوفيان شيعيان)
السياق عند الطبري
قال ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الجزء التاسع عشر، ص102، هجر للطباعة والنشر):
"واختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بقوله: {أهل البيت}، فقال بعضهم: عُنِيَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، رضوان الله عليهم."
ثم أورد تحت عنوان "ذكر من قال ذلك" الروايات التالية:
المصدر
تفسير الطبري (جامع البيان، 19/102)
السند
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا بكر بن يحيى بن زَبّان العنزي، قال: ثنا مَندَل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المتن
"نزلت هذه الآية في خمسة: فيَّ، وفي عليٍّ رضي الله عنه، وحسنٍ رضي الله عنه، وحسينٍ رضي الله عنه، وفاطمة رضي الله عنها: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}"
دراسة نقدية تفصيلية للسند
هذه الرواية ساقطة مضروبة بعلّتين جوهريتين قاتلتين:
العلة الأولى: الأعمش (سليمان بن مهران الكوفي) - شيعي سبئي مدلّس عنعن الرواية
الأعمش هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي (المتوفى سنة 148هـ). وهو وإن كان من كبار المحدثين المشهورين إلا أن فيه عللاً تُسقط روايته في هذا الباب:
(أ) تشيّعه وسبئيّته:
جاء في تهذيب الكمال للمِزّي (تحقيق الدكتور بشار عوّاد معروف، المجلد الثاني عشر، مؤسسة الرسالة، ص90):
قال يزيد بن زُرَيع: حدثنا شعبة عن سليمان الأعمش: "وكان والله خَرِبياً سبئياً، والله!"
وهذا نصّ صريح من شعبة بن الحجّاج (أمير المؤمنين في الحديث) أن الأعمش كان سبئياً - أي من أتباع عبد الله بن سبأ، وهم من غلاة الشيعة الذين ينسبون لعليّ ما ليس له.
ثم جاء التعليق في الحاشية:
"لولا أن شعبة حدّث عنه ما رويتُ عنه حديثاً أبداً" (العلل لأحمد: 1/366). قلتُ: يريد لِما هو عليه من التشيّع، وهو فيه، لِما نعرفه من توثيق كتب الشيعة له وعدّهم إياه من خواص أصحاب جعفر بن محمد المعروف بالصادق (انظر تفاصيل ذلك في معجم رجال الحديث للخوئي: 8/ الترجمة 5509).
فالأعمش موثّق في كتب الشيعة كأحد أصحاب جعفر الصادق، وهذا يُثبت أن تشيّعه لم يكن مجرد تفضيل لعليّ بل كان انتماءً طائفياً حقيقياً.
(ب) تدليسه الشديد:
الأعمش من المدلّسين المشهورين، وقد صنّفه الحافظ ابن حجر في المرتبة الثانية من طبقات المدلسين. وفي هذه الرواية عنعن فقال: "عن عطية"، ولم يُصرّح بالسماع، فلا يُقبل حديثه إلا إذا صرّح بالتحديث أو السماع.
(ج) اضطرابه:
جاء في تهذيب الكمال (12/90):
وقال علي ابن المديني: سمعتُ يحيى قال: سمعتُ الأعمش يحدّث بحديث أبي إسحاق "شكونا" عن حارثة... قال: كان الأعمش مضطرباً في حديث أبي إسحاق.
وقال يحيى بن سعيد: كتبتُ عن الأعمش... وكان سفيان أعلم بحديث الأعمش.
وقال الحسين بن عيّاش: كنّا نأتي سفيان إذا سمعنا من الأعمش فنعرضها عليه بالعشيّ، فيقول: هذا من حديثه وليس هذا من حديثه (مقدمة الجرح والتعديل: 70).
وقال زائدة: كنّا نأتي الأعمش فيحدّثنا فيُكثر، ونأتي سفيان الثوري فنذكر تلك الأحاديث له فيقول: ليس هذا من حديثه. فنقول: هو حدّثنا به الساعة. فيقول: اذهبوا فقولوا له إن شئتم. فنأتي الأعمش فنخبره بذلك، فيقول: صدق سفيان ليس هذا من حديثي (مقدمة الجرح والتعديل: 71).
فالأعمش كان يحدّث بما ليس من حديثه، حتى أن سفيان الثوري كان يُميّز أحاديثه الصحيحة من غيرها!
العلة الثانية: عطية بن سعد العوفي الكوفي - شيعي ضعيف مدلّس عن الكلبي الكذّاب
عطية بن سعد بن جُنادة العوفي الجدلي القيسي الكوفي (المتوفى سنة 111هـ): من أسوأ الرواة الكوفيين وأشهرهم بالتدليس والتشيّع.
جاء في الضعفاء الكبير للعقيلي (ترجمة رقم 1396 - عطية بن سعد العوفي):
(أ) تشيّعه:
حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن عبيد، قال: حدثنا سالم المرادي قال: "كان عطية العوفي رجلاً يتشيّع".
حدثنا موسى بن إسحاق، قال: حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا محمد بن عبيد، عن سالم المرادي، قال: "كان عطية رجل يتشيّع".
(ب) ضعفه وتدليسه عن الكلبي الكذّاب:
حدثنا عبد الله بن أحمد [ابن حنبل]، قال: سمعتُ أبي [الإمام أحمد] ذكر عطية العوفي فقال: "هو ضعيف الحديث، بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي، فيأخذ عنه..." أبو سعيد، فيقول: أبو سعيد، قال: أبو سعيد.
وهذا هو التدليس الخطير: كان عطية يأتي محمد بن السائب الكلبي (وهو كذّاب باتفاق النقاد) فيأخذ عنه الحديث، ثم يُكنّيه بـ"أبي سعيد" (وهي كنية الكلبي)، فإذا روى حديثه قال: "عن أبي سعيد"، فيظن السامع أنه يعني أبا سعيد الخدري الصحابي! وفي الحقيقة يروي عن الكلبي الكذّاب.
فرواية عطية "عن أبي سعيد الخدري" في هذا الحديث يُحتمل أنها في الحقيقة عن الكلبي الكذّاب لا عن الصحابي.
(ج) تضعيفه من كبار الأئمة:
وحدثنا عبد الله [بن أحمد] قال: وسمعتُ أبي يقول: "كان سفيان الثوري يُضعّف حديث عطية العوفي".
حدثني الخضر بن داود، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: سمعتُ أبا عبد الله [أحمد بن حنبل] يقول: "كان هُشيم يتكلّم في عطية العوفي".
حدثنا جعفر بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن إدريس، عن كتاب أبي الوليد بن [أبي] الجارود، عن يحيى بن معين، قال: "كان عطية العوفي ضعيف".
فهذه أقوال أربعة من أكبر أئمة النقد: الإمام أحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وهُشيم بن بشير، ويحيى بن معين، كلهم يُضعّفون عطية العوفي.
العلة الثالثة: مَندَل بن علي العنزي
مَندَل بن علي العنزي الكوفي: ضعّفه جماعة. قال النسائي: "ضعيف"، وقال يحيى بن معين: "ليس بشيء"، وقال أحمد: "ليس بشيء، ضعيف الحديث".
خلاصة نقد الرواية السابعة
هذه الرواية مسلسلة بالكوفيين المتشيعين: الأعمش (كوفي شيعي سبئي مدلّس) ← عطية العوفي (كوفي شيعي ضعيف مدلّس عن الكلبي الكذّاب) ← مَندَل (كوفي ضعيف). فالسند كله كوفي شيعي من أوله إلى آخره، وهذا يؤكد أن حديث الكساء صُنع في مطابخ الكوفة لخدمة الأجندة الشيعية في صرف مصطلح "أهل البيت" القرآني عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
🔴 الرواية الثامنة: رواية مسند أحمد عن واثلة (فيها محمد بن مصعب)
المصدر
مسند أحمد بن حنبل (6/304)
السند
عن محمد بن مصعب عن الأوزاعي، عن أبي عمار (شداد)، عن واثلة بن الأسقع.
المتن
عن واثلة بن الأسقع أنه جاء لفاطمة يسألها عن علي، قالت له: خرج إلى النبي. فجلس واثلة ينتظره فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه علي وحسن وحسين فدخلوا المنزل ووضع النبي الكساء عليهم جميعاً وتلا قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت}، وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي".
دراسة نقدية للسند - محمد بن مصعب
محمد بن مصعب: ضعيف وليس بالقوي ولا من أهل الحديث، ومُغفَّل، ويروي المناكير عن الأوزاعي تحديداً. فالرواية باطلة ساقطة من جهة السند.
دراسة نقدية للمتن - التناقضات الجذرية مع باقي الروايات
هذه الرواية تختلف اختلافاً جذرياً عن جميع الروايات السابقة:
- 1. مكان الحدث: في جميع الروايات السابقة الحدث وقع في بيت عائشة أو أم سلمة، لكن هنا الحدث في بيت فاطمة! لا وجود لمنزل أم سلمة ولا عائشة.
- 2. كيفية الاجتماع: في رواية مسلم النبي خرج من بيته ثم جاءه الحسن ثم الحسين ثم فاطمة ثم علي واحداً تلو الآخر. أما هنا فالنبي جاء إلى بيت فاطمة ومعه علي وحسن وحسين دفعة واحدة.
- 3. الراوي: في رواية مسلم الراوية عائشة، وفي الطبري عن أم سلمة تارة وعلى لسان النبي تارة. والآن صارت الرواية على لسان واثلة بن الأسقع! فمن الراوي الحقيقي: عائشة أم أم سلمة أم النبي أم واثلة؟
- 4. إشكال شرعي: كيف شاهد واثلة قيام النبي بتغطية فاطمة وعلي وحسن وحسين؟ واثلة ليس بمَحرَم لفاطمة رضي الله عنها، فكيف يدخل بيت بنت النبي صلى الله عليه وسلم وينظر إلى أهله ومحارمه؟
هذه التناقضات الجذرية بين الروايات تؤكد أن القصة مصنوعة مختلقة من عدة مصادر لم يتفقوا على رواية واحدة متسقة.
🔴 الرواية التاسعة: رواية الطبري عن أم سلمة (فيها شهر بن حوشب المتروك)
المصدر
تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، الجزء التاسع عشر، ص103، هجر للطباعة والنشر)
السند
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا يحيى بن إبراهيم بن سويد النخعي، عن هلال يعني ابن مِقلاص، عن زُبيد، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة.
المتن
قالت أم سلمة: كان النبي صلى الله عليه وسلم عندي وعليٌّ وفاطمة والحسن والحسين، فجعلتُ لهم خزيرة فأكلوا وناموا، وغطّى عليهم عباءة أو قطيفة، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً".
دراسة نقدية للسند - شهر بن حوشب
شهر بن حوشب: متروك الحديث ضعيف جداً، ومطعون في عدالته وأمانته. وفيه نقولات مدمّرة من كتب الجرح:
من السنن الكبرى للبيهقي (كتاب الطهارة، باب مسح الأذنين بماء جديد، ص109):
- 1. قال شعبة بن الحجاج (أمير المؤمنين في الحديث):
"كان شهر بن حوشب رافَقَ رجلاً من أهل الشام فسرق عيبته" [أي حقيبته/ثيابه]
- 2. وبإسناده عن يحيى بن أبي بكير عن أبيه قال:
"كان شهر بن حوشب على بيت المال فأخذ خريطة فيها دراهم"
فقال القائل فيه شعراً:
"لقد باع شهرٌ دينه بخريطة فمن يأمن القُرّاء بعدك يا شهر" - 3. قال النضر بن شُميل: ذُكر عنده شهر بن حوشب فقال:
"إن شهراً تركوه" - قوله: "تركوه" أي طعنوا فيه وأخذته ألسنة الناس.
- 4. سأل موسى بن هارون عن هذا الحديث فقال:
"ليس بشيء، فيه شهر بن حوشب، وشهر ضعيف"
دراسة نقدية للمتن
هذه الرواية فيها عجائب لا توجد في غيرها:
- • هنا الحدث وقع بعد العَشاء والنوم وليس خروج النبي من بيته!
- • والنبي غطّاهم بـعباءة أو قطيفة (شك!) وليس مرط مرحّل
- • ولا وجود لمجيء واحد بعد الآخر
- • وهذا يزيد الاضطراب والتناقض بين الروايات
القسم الثالث: ملاحظات على المتن - الاضطرابات والاستحالات
الاضطراب الشديد بين الروايات
أسانيد هذا الحديث كلها معلولة ولن تجد إسناداً واحداً سليماً من العلل. وإضافة إلى علل الأسانيد، فإن المتن نفسه مضطرب اضطراباً فاحشاً:
اضطراب الراوي: من روى القصة؟
- • في صحيح مسلم: عائشة هي الراوية
- • في مسند أحمد وابن حبان والمستدرك: واثلة بن الأسقع هو الراوي
- • في تفسير الطبري: أم سلمة هي الراوية
- • وفي بعض طرق الطبري: على لسان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه!
فمن الراوي الحقيقي: عائشة أم أم سلمة أم واثلة أم النبي؟!
اضطراب المكان: أين وقعت القصة؟
- • في رواية مسلم: خرج النبي من بيته (بيت عائشة)
- • في رواية الترمذي: في بيت أم سلمة
- • في رواية مسند أحمد: في بيت فاطمة!
- • في رواية الطبري: عند أم سلمة بعد العشاء والنوم!
اضطراب الكيفية: كيف اجتمعوا؟
- • في رواية مسلم: خرج النبي ثم جاءه واحداً بعد الآخر: الحسن ← الحسين ← فاطمة ← علي
- • في رواية مسند أحمد: جاء النبي إلى بيت فاطمة ومعه علي والحسن والحسين دفعة واحدة
- • في رواية ابن حبان: جلس على الفراش وأجلسهم حوله
- • في رواية الطبري: أكلوا وناموا ثم غطّاهم!
اضطراب الغطاء: ما هو الكساء؟
- • في رواية مسلم: مِرطٌ مُرحَّلٌ من شعر أسود
- • في رواية الطبري: عباءة أو قطيفة (بالشك!)
- • في روايات أخرى: كساء أو ثوب
اضطراب المشمولين: من "أهل البيت"؟
- • في أكثر الروايات: النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين فقط
- • في رواية الطحاوي: أضيف إليهم واثلة بن الأسقع!
- • وأم سلمة طلبت الدخول فلم يأذن لها في بعض الروايات، وأذن لها في أخرى
هذا الاضطراب الفاحش في الراوي والمكان والكيفية والغطاء والمشمولين يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه حديث مصنوع تم تركيبه من عدة جهات لم تتفق على سيناريو واحد.
إشكالات عقلية على المتن - تفنيد تفصيلي
الإشكال الأول: هل تسع عباءة واحدة خمسة أشخاص؟
المِرط (العباءة): قال العلماء: المرط كساء يكون تارة من صوف وتارة من شعر أو كتان أو خَزّ. وقال الخطّابي: هو كساء يُؤتزر به. وقال النَّضر: لا يكون المرط إلا دِرعاً، ولا يلبسه إلا النساء، ولا يكون إلا أخضر. وهذا الحديث يردّ عليه.
فالمرط ثوب يلبسه الشخص الواحد ويتشحّ به، فكيف يتسع لخمسة أشخاص: ثلاثة بالغين (النبي وعلي وفاطمة) وطفلين (الحسن والحسين)؟ هذا مستحيل عادةً.
الإشكال الثاني: ما الغاية من التغطية؟
إذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بإذهاب الرجس والتطهير، فيستطيع أن يدعو مباشرةً بالكلام دون أن يُغطّيهم بالبطانية. فما الغاية من إدخالهم تحت الكساء؟ وهل الدعاء يحتاج إلى تغطية بعباءة حتى يُستجاب؟ هذا سيناريو لا يليق بمقام النبوّة ولا بتصرفات خير البشر صلى الله عليه وسلم.
الإشكال الثالث: تسلسل الدخول المُحال عقلاً
نصّ الرواية يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته فجأةً كما جاء في الحديث وعليه عباءته، ثم:
- 1. فجأة يظهر الحسن! والحسن عمره آنذاك قريب من 3 سنوات - فكيف يعرف طفل بهذا العمر موعد خروج النبي من بيته؟ وكيف يخرج من بيته ويقطع الطريق وحده حتى يصل إلى جدّه؟
- 2. فجأة يتبعه الحسين! والحسين عمره آنذاك أقل من سنة - يعني خرج يحبو حبواً في الطريق حتى وصل إلى النبي! هل يُعقل أن يخرج رضيع وحده ويقطع الطريق حبواً؟
- 3. ثم جاءت فاطمة! يعني فاطمة تركت ابنها الحسين الرضيع يخرج من بيتها حبواً وحده، حتى وصل إلى النبي ووُضع تحت الكساء، ثم جاءت هي لاحقاً! أي أُمّ هذه التي تترك رضيعها يخرج وحده ثم تلحق به بعد ذلك؟
- 4. ثم لحقهم علي! طيّب لماذا علي في الآخر؟ لماذا لم يكن أولهم؟ إذا كانت فاطمة قد خرجت خلف أولادها، فلماذا يخرج علي وراءهم أيضاً؟ خلاص أُمّهم طلعت خلف الأولاد، فلماذا يخرج علي وراءهم يعني؟
الإشكال الرابع: لماذا واحد بعد الآخر؟
لماذا لم يأتوا كلهم دفعة واحدة كما هو الطبيعي؟ وهل كان النبي يُدخل نفراً نفراً تحت عباءته وينتظر أن يكتمل العدد حتى يدعو لهم بالتطهير؟ ما هذه الصدفة التي جمعتهم كلهم في وقت واحد بهذا الترتيب العجيب؟
هذا السيناريو المُضحك لا يدخل العقل، ولا يليق بمقام النبوّة، ولا بتصرفات خير البشر صلى الله عليه وسلم. وهو يدلّ على أن القصة مصنوعة مُختلَقة من خيال الرواة الكوفيين الذين لم يُحسنوا حتى صياغة السيناريو.
القسم الرابع: جدول ملخص لعلل جميع الأسانيد
| الرقم | الرواية | المصدر | العلة الرئيسية |
|---|---|---|---|
| 1 | عائشة | صحيح مسلم (2424) | مصعب بن شيبة: منكر الحديث، ضعيف، لا يُعرف الحديث إلا به |
| 2 | واثلة (ابن حبان) | صحيح ابن حبان | شداد أبو عمار: ثقة يُرسل - الرواية منقطعة بالعنعنة |
| 3 | واثلة (الحاكم) | المستدرك (4755) | بشر بن بكر: ثقة يُغرب عن الأوزاعي + الحاكم متساهل |
| 4 | واثلة (الطحاوي) | مشكل الآثار (773) | بشر بن بكر: يُغرب + إضافة واثلة لأهل البيت! |
| 5 | عمر بن أبي سلمة | سنن الترمذي (3205) | - |
| 6 | أم سلمة | مسند أحمد (فيه مبهم) | راوٍ مبهم مجهول: "حدثني من سمع أم سلمة" |
| 7 | أبو سعيد الخدري | تفسير الطبري (19/102) | الأعمش: شيعي سبئي مدلّس عنعن + عطية العوفي: شيعي ضعيف مدلّس عن الكلبي الكذّاب + مَندَل: ضعيف - سند كوفي شيعي كله |
| 8 | واثلة (مسند أحمد) | مسند أحمد (6/304) | محمد بن مصعب: ضعيف مُغفَّل يروي المناكير عن الأوزاعي |
| 9 | أم سلمة (الطبري) | تفسير الطبري (19/103) | شهر بن حوشب: متروك الحديث، نشّال سارق |
القسم الخامس: أثر ابن عباس في مقابل روايات الكساء - الترجيح
أوجه ترجيح أثر ابن عباس
- 1. السياق القرآني الصريح: الآيات قبلها وبعدها خطاب لنساء النبي، فلا يُنتزع جزء من وسط السياق ويُصرف لغيرهن بلا قرينة قاطعة.
- 2. ابن عباس ترجمان القرآن: دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالتفقه في الدين وتعليم التأويل، فهو أعلم الصحابة بتفسير القرآن.
- 3. إسناد أثر ابن عباس سالم من العلل: رجاله ثقات وصدوقون، بخلاف جميع أسانيد حديث الكساء المعلولة.
- 4. ابن كثير قال في تفسيره: "فإن كان المراد أنهن كُنّ سبب النزول دون غيرهن فصحيح."
- 5. الذهبي قال: "إسناده صالح، وسياق الآيات دالٌّ عليه".
القسم السادس: أقوال العلماء
- • الإمام أحمد بن حنبل: نصّ على أن حديث المرط المرحّل (الكساء) من مناكير مصعب بن شيبة.
- • العقيلي: أورد الحديث في الضعفاء الكبير وقال: "لا يُعرف إلا به".
- • النسائي: حكم على مصعب بن شيبة بأنه "منكر الحديث".
- • الدارقطني: قال في مصعب: "ضعيف" و"ليس بالقوي ولا بالحافظ".
- • ابن عبد البر: "فمما لا يُحتج به".
- • ابن حجر: "لين الحديث" (في مصعب بن شيبة).
- • الذهبي: عقّب على أثر ابن عباس بقوله: "إسناده صالح، وسياق الآيات دالٌّ عليه".
- • شعيب الأرناؤوط: "الحديث حسن" (في أثر ابن عباس).
- • الدكتور سعود الصاعدي: أورد جميع أقوال التضعيف ونصّ على أن مصعب مختلف فيه وأن أحمد والعقيلي عدّا حديث الكساء من مناكيره.
الخلاصة
مصطلح "أهل البيت" مصطلح قرآني نزل في سياق خطاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بنصّ صريح لا يحتمل التأويل. وقد فسّره ابن عباس (ترجمان القرآن) بأنه نزل في نساء النبي خاصة بإسناد حسن، وأكّد ذلك تلميذه عكرمة حتى بالمباهلة.
أما حديث الكساء فجميع أسانيده معلولة: فرواية مسلم مدارها على مصعب بن شيبة المنكَر الحديث الذي نصّ أحمد على أن حديث الكساء من مناكيره ونصّ العقيلي على أنه لا يُعرف إلا به، ورواية ابن حبان فيها شداد الذي يُرسل ولم يُصرّح بالسماع، ورواية الحاكم فيها بشر بن بكر الذي يُغرب عن الأوزاعي، ورواية مسند أحمد فيها راوٍ مبهم، ورواية أبي سعيد فيها عطية العوفي الضعيف المدلس.
ولا يجوز لأحد أن يُبدّل معنى مصطلح "أهل البيت" القرآني الخاص بزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصرفه لغيرهن بناءً على أحاديث معلولة الأسانيد مضطربة المتون.
المصادر الأصلية المُعتمَدة
- صحيح مسلم (تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث)
- الضعفاء الكبير للعقيلي (السفر الرابع، دار الكتب العلمية)
- فضل الرحيم الودود - تخريج سنن أبي داود لأبي عمرو آل عجب (الجزء الرابع، دار ابن الجوزي)
- سير أعلام النبلاء للذهبي (تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة)
- تحرير تقريب التهذيب (مؤسسة الرسالة)
- تقريب التهذيب لابن حجر
- تهذيب التهذيب لابن حجر
- تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمِزّي (تحقيق الدكتور بشار عوّاد معروف، المجلد الثاني عشر، مؤسسة الرسالة)
- جامع الجرح والتعديل (المجلد الثالث، عالم الكتب)
- المستدرك على الصحيحين للحاكم (المجلد السادس، دار المنهاج القويم)
- صحيح ابن حبان (التقاسيم والأنواع، المجلد الرابع، دار ابن حزم)
- شرح مشكل الآثار للطحاوي (مؤسسة الرسالة)
- الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة للدكتور سعود الصاعدي
- معجم رجال الحديث للخوئي (المجلد الثامن)
- مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم
- العلل لعبد الله بن أحمد (المجلد الأول)
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.