تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مجلة معاوية بن أبي سفيان

تَزْوِيرُ الرَّوَافِضِ و العَباسيون عَلَى لِسَانِ أُمِّنَا عَائِشَةَ عَلَيْهَا السَّلَام

تَزْوِيرُ الرَّوَافِضِ و العَباسيون عَلَى لِسَانِ أُمِّنَا عَائِشَةَ عَلَيْهَا السَّلَام
تزوير الروافض و اللَعَباسيون على لسان أمنا عائشة رضي الله عنها

تَزْوِيرُ الرَّوَافِضِ عَلَى لِسَانِ أُمِّنَا عَائِشَةَ عَلَيْهَا السَّلَام

دراسةٌ نقديَّةٌ تكشفُ صناعةَ الأكاذيبِ ومنهجَ التشغيب على الصِّدِّيقةِ بنتِ الصِّدِّيق، وبيانٌ بأنَّها كانت على الحقِّ


«وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى رَأْيِ عَائِشَةَ... لَا أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَهُنَّ رَأْيَ عَائِشَةَ، وَلَا فِي الْإِسْلَامِ أَحَدٌ يَقُولُهُ إِلَّا الشِّيعَةُ».

الإمام المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة، فيما نقله عنه ابن بطَّال في «شرح صحيح البخاري»


مدخلٌ تأسيسيٌّ: لماذا عائشةُ بالذَّات؟

لم يكن استهدافُ أمِّ المؤمنين عائشةَ عَلَيْهَا السَّلامُ بِنتِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه عبثاً ولا مصادفةً تاريخيَّة. فمَنْ تأمَّل في موقعِها من الإسلامِ أدركَ سرَّ هذا الاستهدافِ المُمَنْهَج: هي زوجُ النَّبيِّ ﷺ في الدُّنيا والآخرة، وبنتُ خليفتِه الأوَّل، وأفقهُ نساءِ الأمَّةِ على الإطلاق، ورأسُ مدرسةٍ حديثيَّةٍ وفقهيَّةٍ روى عنها كبارُ التَّابعين كعروة بن الزُّبير، والقاسم بن محمَّد، ومسروق، والأسود، وعمرة بنت عبد الرَّحمن. وهي — بشهادة الواقع التَّاريخيِّ — الحاجزُ الأكبرُ بينَ المشروعِ الرَّافضيِّ القائمِ على دعوى الوصيَّةِ لعليٍّ وبينَ الانتشار؛ لأنَّ في إسقاطِها إسقاطاً للسُّنَّة، ولأبيها، ولشطرٍ عظيمٍ من التَّشريع.

فاحتاجَ القومُ إلى صناعةِ «عائشةَ» جديدةٍ تتكلَّمُ بألسنتِهم، وتعترفُ بما يُريدون، وتندمُ على ما يكرهون، وتُقرِّرُ ما يَرغبون. ومن هنا وُلِدَتْ ظاهرةُ التَّزويرِ على لسانِها؛ وهي ظاهرةٌ منهجيَّةٌ موثَّقةٌ في أمَّهات كتبِ التَّاريخ والرِّجال، لا تخريصَ فيها ولا تجنِّيَ على أحد.

وهذا المقالُ يَفُكُّ شفرةَ هذا التَّزويرِ ويكشفُ:

  1. كيف زوَّر الرَّوافضُ على لسانها في حياتها.
  2. كيف فضحت هي بنفسِها هذا التَّزويرَ في أحاديثَ صحيحةٍ ثابتة.
  3. كيف يُثبتُ كلامُ أعلامِ السُّنَّةِ — كالمُهَلَّبِ والإمامِ مالكٍ — أنَّ مَنْ ضعَّفَ رأيَها أو شَكَّكَ في حُرمَةِ بَيتِها ليس إلَّا الشِّيعةَ أو من تَلَوَّثَ بمَرويَّاتهم.
  4. كيف يجبُ أن نقرأ خروجَها يومَ الجملِ في ضوءِ هذه الحقائق.
  5. كيف يَكشِفُ موقفُ إمامِ دارِ الهجرةِ من رواةِ الكوفةِ المُتَّهَمين سِرَّاً منهجيّاً ظَلَّ مَدفوناً.

والنَّتيجةُ — التي سيقفُ القارئُ عليها بنفسه — أنَّ أمَّنا كانتْ على الحقِّ فيما رأتْ، وعلى الحقِّ فيما نَفَتْ، وعلى الحقِّ فيما رَوَتْ، وأنَّ شُبَهَ القومِ ليست إلَّا أصداءَ تزويرٍ قديم.


المحور الأوَّل: نفيُها للوصيَّةِ يُسقِطُ أصلَ مذهبِ القوم

النَّصُّ الأوَّل: في صحيح البخاريِّ (٤٤٣٨)

روى الإمامُ البخاريُّ في «الجامع الصَّحيح» بسندِه إلى الأسودِ بن يزيد النَّخَعِيِّ — وهو من أجلِّ تلاميذ ابن مسعود — قال:

«ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَتْ: مَنْ قَالَهُ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَإِنِّي لَمُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي، فَدَعَا بِالطَّسْتِ فَانْخَنَثَ، فَمَاتَ، فَمَا شَعَرْتُ، فَكَيْفَ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ؟!».

تحليلُ النَّصِّ — نقاطُ القوَّةِ السَّبع:

أوَّلاً: السَّندُ في أعلى درجاتِ الصِّحَّة؛ فهو في «الصَّحيح»، ورجالُه ثقاتٌ من رجالِ الشَّيخين، وهو من رواية الأسودِ بن يزيد عن عائشةَ مباشرةً، والأسودُ كوفيٌّ ثقةٌ ثبتٌ مكثرٌ، ليس متَّهَماً بنصبٍ، فلا يصحُّ ردُّ روايته بدعوى الانحياز.

ثانياً: عائشةُ هنا تتكلَّمُ بصيغةِ إنكارٍ ودَهَش: «مَنْ قاله؟»، وهذه صيغةُ مَنْ تستنكرُ خبراً بلغها لأوَّلِ مرَّة، لا صيغةُ مَنْ تُداري أو تُجامل. فلو كانت الوصيَّةُ معروفةً مشهورةً لما استنكرت أصلَ السُّؤال.

ثالثاً: قدَّمت دليلَ النَّفي مباشرةً: «إنِّي لَمُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي». وهذه شهادةُ شاهدِ عيانٍ مباشرٍ في لحظةِ الوفاةِ نفسِها، لا شهادةُ سامعٍ ولا ناقل.

رابعاً: وصفُها لحظةَ الوفاة بدقَّةِ المُحدِّثة: طلبَ الطَّستِ — انخناثُه — موتُه. لا فجوةَ في السَّرد يمكنُ أن يَدُسَّ القومُ فيها وصيَّةً مزعومة.

خامساً: قولها «فَمَا شَعَرْتُ» يَسُدُّ كلَّ منفذٍ، أي: لم يكنْ في تلك اللَّحظةِ شيءٌ غابَ عنِّي حتَّى يُقالَ إنَّ الوصيَّةَ وقعتْ وأنتِ ساهيةٌ.

سادساً: ثمَّ ختمتْ بسؤالٍ استنكاريٍّ ساحقٍ: «فَكَيْفَ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ؟!». وهذا ليس مجرَّدَ نفيٍ، بل تحدٍّ علميٌّ مفتوحٌ لمن يُروِّجُ هذه الفِرْية.

سابعاً: الحديثُ في «بابِ مرضِ النَّبيِّ ﷺ» من كتابِ المغازي، وهو من أوثقِ الأبواب وأشهرها وأكثرِها روايةً عند الأمَّة.

الأثرُ العقديُّ:

إذا ثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يوصِ إلى عليٍّ — وقد ثبت — فقد سقطَ أساسُ مذهبِ القومِ كلِّه؛ لأنَّ بناءَهم مشيَّدٌ على «نصِّ الوصيَّة». ولهذا تحديداً جاء التَّزويرُ على لسانِها لاحقاً ليُحوِّلَها من ناقدةٍ للوصيَّةِ إلى مُقِرَّةٍ بها، كما سنرى في المحور الثَّالث.

النَّصُّ الثَّاني: شاهدٌ معاضد (صحيح البخاري ٤٥٩١)

روى البخاريُّ كذلك من حديثِ مسروقٍ عن عائشةَ قالت:

«مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّداً ﷺ كَتَمَ شَيْئاً مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية».

وجهُ الاستدلال:

هذا النَّصُّ ضربةٌ قاضيةٌ على كلِّ روايةٍ تقومُ على فكرةِ «الكتمان»؛ سواءٌ كتمانُ آيةٍ، أو كتمانُ نصٍّ في الإمامة، أو كتمانُ تشريع. وعائشةُ تُكفِّرُ — بقولها «فقد كذب» — كلَّ من يُسنِدُ إلى رسول الله ﷺ كتماناً. وهذا يَهدمُ أصلَ نظريَّةِ «التَّقِيَّة المتبادَلة» التي تُبنى عليها الرِّوايات المنسوبةُ إلى أهل البيت في صفحاتٍ كثيرة.

والصِّلةُ بين هذا النَّصِّ والذي قبله جليَّة: الذي يُروِّجُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كتمَ نصَّ الوصيَّة في غديرِ خُمٍّ ثمَّ أعلنَه، أو أنَّه أوصى سرّاً، يلزمُه ردُّ شهادةِ عائشةَ في الموطنين. ومَنْ ردَّ شهادتها في «الصَّحيح» مرَّتين، فقد التزمَ مذهبَ القومِ الذي قالَ عنه المهلَّب: «لا في الإسلام أحدٌ يقولُه إلَّا الشِّيعة».


المحور الثَّاني: شهادةُ المُهَلَّب القاضية: لا يُوهِنُ رأيَ عائشةَ إلَّا الشِّيعة

من هو المُهَلَّب؟

هو أبو القاسم المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة الأَسَدِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ (ت ٤٣٥هـ)، من شيوخِ ابن بطَّال، وصاحبُ «المُختصَر النَّصيح» في تهذيبِ صحيحِ البخاريّ. وهو من أئمَّةِ المالكيَّةِ بالمغربِ الأقصى، لا يُتَّهمُ بميلٍ مذهبيٍّ ضدَّ الشِّيعةِ بقدرِ ما يُتَّهَمُ بدقَّةٍ في تتبُّعِ مذاهبِ السَّلف.

نصُّ كلامه (كما نقله ابن بطَّال):

«قَالَ المُهَلَّبُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ المَعْرُوفَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى رَأْيِ عَائِشَةَ وَعَلَى الْخُرُوجِ مَعَهَا، وَلَمْ يَكُنْ خُرُوجُهَا عَلَى نِيَّةِ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا: اخْرُجِي لِتُصْلِحِي بَيْنَ النَّاسِ فَإِنَّكِ أُمُّهُمْ ولَنْ يَعْقُوكِ بِقِتَال. فَخَرَجَتْ لِذَلِكَ، وَكَانَ نِيَّةُ بَعْضِ أَصْحَابِهَا إِنْ ثَبَتَ لَهُمْ الْبَغْيُ أَنْ يُقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي، وَكَانَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا تَشَاءُمٌ بِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ فِي تَمْلِيكِ فَارِسَ امْرَأَةً أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ؛ لِأَنَّ الْفَلَاحَ فِي اللُّغَةِ الْبَقَاءُ؛ لَا أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَهُنَّ رَأْيَ عَائِشَةَ، وَلَا فِي الْإِسْلَامِ أَحَدٌ يَقُولُهُ إِلَّا الشِّيعَة».

تفكيكُ هذه الشَّهادة في خمسِ نقاط:

النُّقطةُ الأولى: تمييزُ «التَّوهين» عن «التَّحرُّز»

كلامُ المُهَلَّب يُفرِّقُ بين أمرين دقيقين:

المعنى الحُكم
تضعيفُ رأيِ عائشةَ من حيث هو رأيٌ خطأٌ مذموم لا يقولُه إلَّا الشِّيعة
التَّحرُّزُ من الفتنةِ بنصِّ حديثٍ نبويٍّ خاصٍّ بـ «فارس» اجتهادٌ سائغٌ في تطبيقِ النَّصِّ

فأبو بكرة لم يكنْ يرى أنَّ عائشةَ على باطل، بل كان «على رأيها وعلى الخروج معها»، وإنَّما تَشَاءَمَ من بشارةِ النَّبيِّ ﷺ في تمليكِ فارسَ امرأةً، وحمَلَ ذلك على أنَّ ولايةَ المرأةِ مظنَّةُ هلاكٍ مطلقاً.

النُّقطةُ الثَّانية: نسبةُ التَّوهين بالكلِّيَّة إلى الشِّيعة

قولُه «ولا في الإسلام أحدٌ يقوله إلَّا الشِّيعة» تقريرٌ تاريخيٌّ بأنَّ تخطئةَ عائشةَ تخطئةً مذمومةً ليست من مذاهبِ أهل السُّنَّة قطُّ، لا الحنفيَّة، ولا المالكيَّة، ولا الشَّافعيَّة، ولا الحنابلة، ولا الظَّاهريَّة، ولا الصُّوفيَّة. وهذا يعني — بصرامةٍ منهجيَّة — أنَّ كلَّ من تكلَّمَ اليوم في رأيِ عائشةَ يومَ الجمل بلغةِ التَّفسيقِ أو التَّخطئةِ الشَّرعيَّةِ فإنَّما يَنْطِقُ بمذهبِ الشِّيعةِ ولو زعمَ أنَّه سُنِّيٌّ مُعتدِل.

النُّقطةُ الثَّالثة: تحريرُ نيَّةِ الخروج

النَّصُّ يُقرِّرُ بصراحة: «ولم يكن خروجُها على نيَّةِ القتال». وهذا ينسفُ كلَّ روايةٍ تُصوِّرُها قائدةً عسكريَّةً للحرب، أو محرِّضةً على دمِ مسلم. وإنَّما خرجتْ على نيَّةِ الإصلاحِ بين النَّاس، وهي أعلى مقاصدِ الشَّرع، لا أدناها.

النُّقطةُ الرَّابعة: قَلْبُ الاتِّهام

أعداءُ عائشةَ يتَّهمونها بأنَّها أرادت قتالَ عليٍّ. والحقُّ كما قرَّرَ المهلَّب: نيَّتُها كانت الإصلاح، ونيَّةُ بعضِ أصحابها كانت قتالَ الفئةِ الباغية إن ثبت بغيُها — وهذا اجتهادٌ شرعيٌّ مأذونٌ به في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾.

النُّقطةُ الخامسة: اللَّازمُ الذي لا يَنْفَكُّ

من قَبِلَ كلامَ المُهَلَّب لزمَه:

  1. أنَّ رأيَ عائشةَ كان رأياً صائباً مَقصِدُه الإصلاح.
  2. أنَّ من ضعَّفَ هذا الرَّأيَ ووصمَه بالخطأ المحضِ ليس إلَّا شيعيّاً في الواقع.
  3. أنَّ المنتسبَ إلى السُّنَّةِ مع طعنِه في رأيِها متلبِّسٌ بمذهب الشِّيعةِ من حيث لا يدري.

المحور الثَّالث: مصنعُ التَّزوير على لسان أمَّهات المؤمنين

ها هنا تَنكشِفُ الحلقةُ المركزيَّةُ في هذا الملفّ كلِّه. فإنَّ من الثَّابت في المصادر الموثوقة أنَّ ابن أبي حُذَيْفَة — وهو رأسُ التَّحريض على عثمانَ في مصر — كان يصنعُ صناعةً منظَّمةً لتزويرِ الرَّسائلِ على لسان أمَّهات المؤمنين.

النَّصُّ الأوَّل: أخبار المدينة لابن شَبَّة

روى عمر بن شَبَّة النُّمَيريُّ في «أخبار المدينة» بسنده:

«كَانَ ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ رُبَّمَا كَتَبَ الْكِتَابَ عَلَى لِسَانِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ (مِنَ التَّحْرِيضِ) عَلَى عُثْمَانَ، وَيَبْعَثُ بِهِ مَعَ الرَّجُلِ، فَيَأْتِي ذَلِكَ الرَّجُلُ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ هَيْئَةُ السَّفَرِ، فَيَأْخُذُ ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ الْكِتَابَ فَيَقْرَؤُهُ عَلَى النَّاسِ، فَكَانَ يُحَرِّضُ بِذَلِكَ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ».

وقد قال محقِّقُ الكتاب — بعد بيانِ أحوالِ الإسناد — «إسنادُ المصنِّفِ فيه ابنُ لَهِيعَةَ، ولكنَّه من رواية عبد الله بن وهبٍ عنه، وهو أحدُ العَبادلةِ الذين روايتُهم عنه مقبولة... فيُحتمَلُ التَّحسين، ولا سيَّما أنَّه تابعَه سعيدُ بن أبي أيُّوب المصريُّ — وهو ثقةٌ ثبتٌ — على أصلِ الخبرِ عند البَغَويّ، وقد صحَّح صحَّحَ إسنادَ البَغَوِيِّ ابنُ حجرٍ في «الإصابة» (٢/٣١٧)».

فالخبرُ ثابتٌ صحيحٌ — كما نصَّ ابنُ حَجَرٍ نفسُه — لا مَفَرَّ منه ولا مَجالَ لتضعيفِه.

النَّصُّ الثَّاني: ما رواه خَلِيفَة بن خَيَّاط (تأريخه ١٧٦)

وأخرج خليفةُ بنُ خَيَّاط في «التَّاريخ» من طريق أبي معاوية الضَّرير عن الأعمشِ عن خَيْثَمَةَ عن مسروق قال:

«قَالَتْ عَائِشَةُ: تَرَكْتُمُوهُ كَالثَّوْبِ مِنَ الدَّنَسِ ثُمَّ قَرَّبْتُمُوهُ تَذْبَحُونَهُ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ! قَالَ مَسْرُوقٌ: فَقُلْتُ: هَذَا عَمَلُكِ! أَنْتِ كَتَبْتِ إِلَى النَّاسِ تَأْمُرِينَهُمْ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِ! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَالَّذِي آمَنَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَكَفَرَ بِهِ الْكَافِرُونَ، مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ بِسَوَادٍ فِي بَيَاضٍ حَتَّى جَلَسْتُ مَجْلِسِي هَذَا. قَالَ الْأَعْمَشُ: فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ كُتِبَ عَلَى لِسَانِهَا. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ سَرْدِهِ لِهَذِهِ الرِّوَايَة: وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَيْهَا (البداية والنِّهاية ٧/١٩٥)».

تحليلُ هذين النَّصَّين معاً — البُرهانُ الرُّباعيُّ:

أوَّلاً: التَّطابقُ الكاشف بين النَّصَّين

نصُّ ابن شَبَّة يَصِفُ آليَّةَ التَّزوير: كاتبٌ يكتب على لسان أمَّهات المؤمنين، ورسولٌ يأتي وعليه هيئةُ السَّفَر، ثمَّ يُقرَأ الكتابُ على النَّاس. ونصُّ خليفةَ يَصِفُ النَّتيجة: تتَّهمُ مسروقٌ عائشةَ بكتابةِ هذه الكتب، فتُقسِمُ بأغلظِ الأيمان أنَّها لم تكتب بسوادٍ على بياض. ثمَّ يأتي تعليقُ الأعمشِ ليربطَ بين الموقفين تماماً: «فكانوا يرَوْن أنَّه كُتِبَ على لسانها».

ثانياً: قسَمُ عائشةَ بالصِّيغة المُغلَّظة

تأمَّلْ صيغةَ القسمِ التي اختارتها أمُّنا: «والَّذي آمَنَ به المؤمنون، وكفر به الكافرون». هذه ليست صيغةً عاديَّة، بل أعلى صيغ القسم العقدي في كلام العرب — تَستحضرُ فيه التَّوحيدَ نفسَه ميزاناً للصِّدق. ومن أَقسَمَ بهذا القَسَم وهو يَكْذِبُ، فقد طعنَ في إيمانه. فمن طعنَ في عائشةَ بأنَّها كاذبةٌ في هذا القسم، فقد طعنَ في إيمانها أصلاً — وهذا الباب الذي حَذَّر منه قوله ﷺ: «فمَنْ آذاها فقد آذاني».

ثالثاً: حُجَّة «حتَّى جلستُ مجلسي هذا»

قولها «ما كتبتُ إليهم بسوادٍ في بياضٍ حتَّى جلستُ مجلسي هذا» نفيٌ شاملٌ مُحكَمٌ يَستوعبُ كلَّ زمانٍ ومكانٍ سابقٍ على لحظةِ التَّكلُّم. وقد جاء بالقسم المُغلَّظ، وبالعبارة الجامعة. ومن قَبِلَ روايةَ أنَّها كتبتْ، رغمَ هذا النَّفي المُحكَم، فإنَّه — بلسانِ الحال — يُكذِّبُ شهادتها على نفسِها، وهو منهجٌ شيعيٌّ صريحٌ كما قرَّر المُهَلَّب.

رابعاً: تصحيحُ ابنِ كثير

ابنُ كثيرٍ — وهو من أئمَّةِ الحديثِ والتَّاريخ — صحَّح إسنادَ هذه الرِّواية إليها صراحةً. فلا مَجَالَ للتَّشكيكِ في صحَّة النَّفي.

الخلاصةُ المنهجيَّةُ المُدَوِّية:

ها هنا نَصِلُ إلى المركزِ النَّظَريِّ لهذا المقال:

كلُّ روايةٍ منسوبةٍ إلى عائشةَ تتضمَّنُ تحريضاً على عثمان، أو إقراراً بوصيَّةٍ لعليٍّ، أو ندماً على ما لم تَنْدَمْ عليه — يجب أن تُعرَضَ ابتداءً على فرضيَّةِ التَّزوير، ثمَّ يُنظَرَ في إسنادها بصرامة. لأنَّ هذا التَّزويرَ ليس فرضيَّةً نظريَّةً، بل واقعٌ تاريخيٌّ ثابتٌ بأسانيدَ صحيحةٍ في «أخبارِ المدينة» و«تأريخِ خليفة» و«البداية والنِّهاية».


المحور الرَّابع: «شَفَارُ حَدَّاد» — الأثرُ الذي يُخفونَه لأنَّه يَفضَحُ ما جَرى

روى الإمامُ الحافظُ ابنُ أبي شَيْبةَ في «المُصَنَّف» (٤٠٦٣٤) بإسنادٍ حَسَنٍ صَحيح:

«حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ جَحْشِ بْنِ زِيَادٍ الضَّبِّيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ يَقُولُ: لَمَّا ظَهَرَ عَلِيٌّ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ: ارْجِعِي إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِلَى بَيْتِكِ، قَالَ: فَأَبَتْ، قَالَ: فَأَعَادَ إِلَيْهَا الرَّسُولَ: وَاللَّهِ لَتَرْجِعِنَّ أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ نِسْوَةً مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مَعَهُنَّ شِفَارُ حَدَّادٍ يَأْخُذْنَكِ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ خَرَجَتْ».

تحقيقُ السَّند:

نَصَّ محقِّقُ «المُصنَّف» على أنَّ الأثرَ حَسَنٌ، وذلك لأنَّ مَدارَه على جَحْشِ بنِ زياد الضَّبِّيِّ، قال فيه: «جَحْشٌ صَدُوقٌ، روى عنه جَمْعٌ، وذكره ابن حِبَّان في الثِّقات»، وأبو بكر هو ابن عَيَّاش — وهو إمامٌ مَشهور. ويَحيى بن آدم ثقةٌ ثَبتٌ من رجال الشَّيخين. والأحنفُ بن قيس — وهو شاهدُ القصَّة الأصليّ — سيِّدٌ من سادات التَّابعين، أَدرَكَ الجملَ بنفسِه ولم يَكُنْ من المُقاتلين فيها، فهو شاهدُ عَدلٍ مُحايد. والأثرُ بهذا الإسناد يَنهضُ للاحتجاج، ولا مَجالَ لتضعيفه إلَّا بهوىً مذهبيٍّ.

لماذا يُحاولُ بعضُ النَّاسِ تجاوُزَ هذا الأثر؟

الجوابُ ظاهرٌ لمن تأمَّل: لأنَّ هذا الأثرَ يَفضَحُ شِدَّةَ التَّعامُلِ مع أمِّ المؤمنين، ويَكشِفُ أنَّ التَّرويعَ صدرَ من جهةِ عليٍّ تجاهها، لا العكس. ومن هنا يُحاولُ المتحمِّسون له إمَّا تضعيفَ الأثرِ مع صحَّتِه، وإمَّا تَفسيرَه تَفسيراتٍ مُتَكَلَّفَةً تُفرِغُه من مَضمونِه الصَّريح.

والمنهجُ السَّليمُ يَقتضي: قَبولَ الأثرِ كما رَواه أهلُ السُّنَّةِ في كُتُبهم، ثمَّ تحليلَ دَلالتِه بصدقٍ ودون تَكلُّف.

القراءةُ الصَّريحةُ لِما تَحتَ السُّطور:

أوَّلاً: التَّسلسلُ الزَّمنيّ — أمرٌ ثمَّ أمرٌ ثمَّ تَهديد

«أَرسَلَ إليها: ارجعي» — أمرٌ أوَّل، رفضتْه أمُّ المؤمنين.

«فأَعادَ إليها الرَّسولَ» — أمرٌ ثانٍ، لكنَّه هذه المرَّةَ مُحَمَّلٌ بالقَسَم والتَّهديد:

«والله لَتَرجِعِنَّ أو لَأَبعَثَنَّ إليكِ نِسوةً... معهنَّ شِفَارُ حَدَّادٍ يَأخُذْنَكِ بِها».

هذا تَهديدٌ صريحٌ مَقرونٌ بقسمٍ مُغَلَّظ، يَعِدُ فيه عليٌّ بإرسالِ نِسوةٍ من بَكر بن وائلٍ بِسَكاكينَ حَدِيديَّةٍ ليُكْرِهْنَها على الخروجِ كَرْها. وأَيُّ تَأويلٍ يُحاولُ صَرْفَ هذا اللَّفظِ عن دلالتِه الصَّريحةِ يَلْوِي عُنُقَ النَّصِّ.

ثانياً: الشِّفارُ في لسانِ العَرَب

«الشَّفْرَة»: السِّكِّينُ العَرِيضُ المَشحوذُ من الحَدّ، يُذبَحُ بها ويُذكَّى. قال ابنُ منظورٍ في «لسان العرب»: «الشَّفْرَة: السِّكِّينُ العَريضة، وجَمْعُها شِفارٌ وشَفَرات». وقولُه «شِفارُ حَدَّاد» إضافةٌ تَوكيديَّةٌ، أي: السَّكاكينُ التي صَنَعَها الحَدَّاد. ومَنْ سَمِعَ هذا التَّعبيرَ في لُغةِ العربِ علِمَ أنَّه تَهديدٌ بالقَتل أو الإيذاءِ الجسديّ المُباشر، لا حِراسةً ولا تَكريم.

ثالثاً: «فلمَّا رَأَتْ ذَلِكَ خَرَجَتْ»

تَأمَّلْ خاتمةَ الأثر: «فلمَّا رَأَتْ ذلكَ خَرَجَتْ». لم تَخرُجْ راضيةً، ولا قانعةً، ولا مُقتنعةً بحُجَّةٍ شَرعيَّة، بل خرجتْ تحت ضغطِ التَّهديد. والفعلُ «رَأَتْ» يَدُلُّ على إدراكها لِخطورةِ الموقفِ ولِجِدِّيَّةِ التَّهديد، فاضْطُرَّتْ — وهي أمُّ المؤمنينَ، وَزَوْجُ النَّبيِّ ﷺ في الآخرة، وبنتُ خَليفتِه الأوَّل — إلى الانصياعِ تحتَ سَطْوةِ السَّيف.

رابعاً: مَنْ هي «نِسوةُ بكرِ بن وائل»؟

بكرُ بن وائل قبيلةٌ معروفةٌ، وكان كثيرٌ من مُقاتليها مع عليٍّ في الجمل، ونساؤها مَشهوراتٌ بالخُشونةِ والشِّدَّة. وتَهديدُ أمِّ المؤمنينَ بأن تُرسَلَ إليها نِسوةٌ من قبيلةٍ مُقاتلةٍ معه — لا من قبيلتها قُريش، ولا من مَوالي بيتِ النَّبوَّة — مَعناه إذلالٌ مَقصودٌ: امرأةٌ قُرَشيَّةٌ هاشميَّةٌ نَبَويَّةٌ يَتَهدَّدُها بنسوةٍ من قبيلةٍ بَدَويَّةٍ. وهذا في عُرفِ العربِ من أَشَدِّ مَواطنِ الإهانة.

دلالاتٌ كُبرى يُفصِحُ عنها هذا الأثر:

الدَّلالةُ الأولى: أنَّ عائشةَ لم تَخرُجْ إلَّا مُكرَهَة

لو كانت قَنِعَتْ بحُكمِ عليٍّ في القضيَّةِ لاسْتَجَابَتْ في المرَّةِ الأولى. لكنَّها رفضتْ، فهي على رأيها في مَوقِفها، تَرى أنَّ في بَقائها في البَصرة مَصلحةً للأمَّةِ في الإصلاح. ولم تَخرُجْ إلَّا حين رأَتْ أنَّ السَّيفَ سَيُسَلَّطُ عليها. فمَنْ خَرَجَ تحتَ التَّهديد فلم يَخرُجْ راضياً برأيِ مَنْ هَدَّدَه؛ هذا أصلٌ أُصوليٌّ مَعروف.

الدَّلالةُ الثَّانية: المُقارَنَةُ بين هَدْيِ النَّبيِّ ﷺ وهَدْيِ غيرِه في مُعاملةِ نسائه

النَّبيُّ ﷺ — وهو زوجُها — لم يُهَدِّدْها يوماً في حادثةِ الإفك، رغمَ خُطورةِ المَوقفِ السِّياسيِّ والاجتماعيّ. بل قال لها: «يا عائشةُ، إنَّه قد بَلَغَني عنكِ كذا وكذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسيُبَرِّئُكِ اللهُ، وإن كُنتِ ألْمَمتِ بذنبٍ فاستَغْفِري الله وتُوبي إليه». هذا هو هَديُ النُّبوَّةِ في التَّعامُلِ مع زوجاتِه. وأمَّا مَنْ يُهدِّدُ أمَّ المؤمنينَ بـ«شِفَار حَدَّاد»، فقد فارَقَ هذا الهَديَ النَّبَويّ مُفارقةً ظاهرة.

الدَّلالةُ الثَّالثة: تأكيدُ كلامِ المُهَلَّب

عُدْ إلى المحورِ الثَّاني، حيثُ قال المُهَلَّب: «لم يكن خروجُها على نيَّةِ القتال، وإنَّما قيلَ لها: اخرُجي لتُصلِحي بين النَّاس». فأمُّ المؤمنينَ خَرَجَتْ للإصلاحِ، وبَقِيَتْ في البَصرةِ بَعد الجمل تَنتظِرُ إصلاحاً، فلم يَجِدْ عليٌّ سَبيلاً إلى إخراجها إلَّا بالتَّهديدِ بالسِّلاح. وهذا يُؤكِّدُ أنَّ مَنْهَجَ المُحاوَرَةِ والإقناعِ لم يَكُنْ هو السَّبيل، بل سَبيلُ السَّيفِ والشِّفار. وفي هذا تَنبيهٌ مُهِمٌّ على طبيعةِ المرحلة، ومَنْ كان يَستخدمُ الإكراهَ في مَواجهةِ كبارِ الصَّحابة.

الدَّلالةُ الرَّابعة: مكانةُ أمِّ المؤمنين تَتَجلَّى في صَبرها

تأمَّلْ كيف تَتَجلَّى مكانةُ عائشةَ من خلالِ هذا الموقف:

  • لم تَتَوسَّلْ إلى عليٍّ بشيءٍ من أُمومَتها للمؤمنين.
  • لم تَستَنجِدْ بأحدٍ من قُريشٍ أو بَني هاشمٍ ضدَّه.
  • لم تَنقُلْ خبرَ التَّهديدِ على المنابرِ تأليباً للنَّاسِ — بل سُجِّلَ الخبرُ بسندٍ خاصٍّ من شاهدِ عَيانٍ هو الأحنفُ بن قيس.
  • خَرَجَتْ في صَمتٍ، حافظةً وَحدةَ المسلمين، آثرَةً السَّتْرَ والسُّكوتَ على نَشرِ ما جَرى تَجَنُّباً لِفِتنةٍ جديدة.

وهذه — والله — شَمائلُ الصِّدِّيقاتِ الكُبَر، اللَّواتي لا يَفضَحْنَ مَنْ آذاهنَّ، بل يَسْتُرْنَ ما حَدَثَ تَعظيماً لِشأنِ الإسلام.

الدَّلالةُ الخامسة: تَفسيرُ ظاهرةِ تَصحيفِ الأثرِ

من اللَّافتِ أنَّ كثيراً من المُؤرِّخين والمُحدِّثين يَمُرُّونَ على هذا الأثرِ مُرورَ الكِرَامِ دونَ تَفصيلٍ، أو يَتجاهلونَه أصلاً. وهذا يَدُلُّ على أنَّ مَضمونَه ثَقيلٌ على أصحابِ الانطباعِ السَّائد عن مَوقفِ عليٍّ من أمِّ المؤمنين. لكنَّ التَّاريخَ الصَّادقَ لا يَستحْيِي من نَقلِ الحَقائق كما هي، حتَّى لو كانت تَحْمِلُ مَشاعِرَ ثَقيلةً على بَعضِ المُتحمِّسين لِطَرَفٍ من أطرافِ الفِتنة.

الخُلاصةُ الكُبرى لهذا المحور:

أثرُ «شِفارِ الحَدَّاد» صحيحٌ ثابتٌ في مَصادرِ أهلِ السُّنَّة، وهو يَكشِفُ ثلاثَ حقائقَ يُخْفِيها بعضُ النَّاسِ:

الحقيقة ما يُريدُ القومُ إخفاءه
أمُّ المؤمنين خرجتْ مُكرَهَةً تحت التَّهديد يُحاولونَ تصويرَها كأنَّها قَنِعَتْ برأيه
التَّهديدُ كان بـ«شِفَارِ حَدَّاد» — أي بالقَتلِ والذَّبح يُحاولون تَلطيفَ اللَّفظِ أو تَأويلَه
عليٌّ هو الذي بَدَأ بالعُنفِ الكلاميِّ بعد الجمل يُحاولون قَلْبَ الصُّورة بأنَّها هي المُتعنِّدة

ومن قَرَأ هذا الأثرَ بقَلبٍ نَزيهٍ، علِم أنَّ أمَّنا الصِّدِّيقةَ كانت على رأيِها في الإصلاح، لم تَتَنازَلْ عنه طَوعاً، وأنَّها صَبَرَتْ على ما لو صَبَرَ عليه غيرُها من النِّساءِ لاستَنفَرَ قبيلتَه. وهذا الصَّبرُ في حدِّ ذاتِه شَهادةٌ على أنَّها كانت على الحقّ؛ لأنَّ المُحقَّ يَصبِرُ على الأذى ابتغاءَ المَصلحةِ العامَّة، بينما المُبطِلُ يَستثيرُ الفِتنةَ ويَنفُخُ في رمادها.


قِراءةٌ تَكميليَّة: الوَثيقةُ الَّتي تَفضَحُ... لا تُجَمِّل

أوَّلاً: هذه ليست عاطفةً، بل نَصٌّ مُسطَّر

الوَثيقةُ التي بين أيدينا — من المُصَنَّفاتِ الحَديثيَّةِ المُبكِّرة التي تَسبِقُ تَدوينَ المَذاهبِ السِّياسيَّةِ والوِلائيَّةِ المُتأخِّرة — ليستْ مَنشوراً عاطفيّاً، ولا قَصيدةَ وَلاءٍ، ولا مَقالةَ تَحَزُّب، بل خَبَرٌ مَسطورٌ يَفضَحُ ما جَرى بلا مَساحيق. ومَوقعُه في «مُصَنَّفِ ابن أبي شَيْبة» — وهو من أُمَّهاتِ كُتُبِ أهلِ السُّنَّة — يَنزِعُ عنه أيَّ شُبهةِ تَلفيقٍ شِيعيٍّ، ويَجعَلُه شَهادةً ذاتيَّةً من داخلِ المنظومةِ السُّنِّيَّةِ على ما جَرى.

ثانياً: السِّياقُ الذي يَتَحَاشاه القَوم

حِينَ ظَهَرَ عليٌّ على أهلِ البَصرَةِ بعدَ أن قُتِلَ طَلحةُ والزُّبَيرُ — وهُمَا من العَشَرَةِ المُبَشَّرين، ومن أوَّلِ السَّابقين، وقد بَشَّرَهما النَّبيُّ ﷺ بالجَنَّة في أحاديثَ صِحاحٍ مُتعدِّدة — وأُريقَتْ دِماءُ صَحابةِ رَسولِ اللهِ ﷺ في معركةٍ باسمِ «الشَّرعيَّة»، لم تُخاطَبْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ — وهي زَوجُ النَّبيِّ ﷺ، وأمُّ المؤمنينَ بنصِّ القرآن، وبنتُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ — بِلِسانِ تَوقيرٍ يَليقُ بمَقامها، ولا بِميزانِ القُرآنِ الذي رَفَعَها: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.

بل أُمِرَتْ بالرُّجوعِ تَحتَ التَّهديدِ الصَّريحِ بالذَّبح. قِيلَ لَها — في لُغةٍ لا تَحتَمِلُ غَيرَ مَعناها الظَّاهر — ارجِعي، أو لَنَبعَثَنَّ إليكِ نِسوةً مِن بَكرِ بنِ وائلٍ معهنَّ شِفارُ حَدَّادٍ يَأخُذنَكِ بها. والأخذُ بالشَّفرةِ في لُغةِ العربِ هو الذَّبح، لا التَّوديع.

ثالثاً: إدراكُ الصِّدِّيقةِ لحظةَ السُّقوطِ الأخلاقيِّ

فلمَّا أَدرَكَتْ أمُّنا الكريمةُ العظيمةُ — بفِراسةِ المؤمنين، وذكاءِ بنتِ الصِّدِّيق — أنَّ خُصومَها في تلك السَّاعةِ لا حُرمَةَ عندَهم لِنَبيٍّ، ولا لِأُخوَّةٍ في الإسلام، ولا لِحياءٍ من اللهِ، آثَرَتِ السَّلامةَ، ورَجَعَتْ مُكرَهَةً. وكانت — كما تَنقُلُ بعضُ المَصادر — تَهُمُّ بالتَّوجُّهِ إلى ابنِها البارِّ بها مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ في الشَّام، بَعدَ أن قُتِلَ أصحابُها: طَلحةُ، والزُّبَيرُ، وقَبلَهم عُثمانُ رضي الله عنهم أجمعين، فحُوِّلَ جَمَلُها عن وِجهَتِه بالقُوَّة، ورُدَّتْ إلى المدينةِ تحتَ حِراسةٍ يَصِفُها بَعضُهم بـ«التَّكريم»، والحَقُّ يَأبى ذلك التَّوصيف.

رابعاً: ها هنا تَكْمُنُ اللَّحظةُ الفاصلة

لسنا — في هذا التَّحليل — نَتَحدَّثُ عن «خِلافٍ سياسيٍّ» يُقالُ فيه ما يُقالُ في خلافاتِ الأقران، ولا عن «اجتهادٍ ساغَ فيه الخلافُ» تَسامُحاً مع الطَّرَفين. بل نَتحدَّثُ عن لَحظةِ سُقوطٍ أخلاقيٍّ كامل: حِينَ تُهَدَّدُ أمُّ المؤمنينَ بالسَّكاكينِ في عُقْرِ دارِ المسلمين، فاعلَمْ أنَّ الشَّرعيَّةَ قد ذُبِحَتْ قَبلَها. ولا يَنفَعُ بَعدها كلامٌ في «إقامةِ الحَقِّ»؛ لأنَّ الحقَّ الذي لا يَحفَظُ حُرمةَ بَيتِ النُّبوَّةِ لا يُسَمَّى حَقّاً، بل سَطْوَةً.

خامساً: قاعدةٌ تاريخيَّةٌ مَعدِنيَّةٌ — سُقوطُ الحُرمَةِ يَستَلزِمُ سُقوطَ الشَّرعيَّة

هذه ليست مُعادلةً بَلاغيَّةً نُجَمِّلُ بها العباراتِ، بل قاعِدةٌ تاريخيَّةٌ صَلْدَةٌ يَنطِقُ بها عَقلُ الأمَّةِ في كلِّ زَمان:

مَن أَسقَطَ حُرمَةَ بيتِ النُّبوَّةِ، أَسقَطَ شَرعيَّتَه بِيَدِه.

ومَن احتاجَ إلى الشِّفارِ لِإسكاتِ أمِّ المؤمنين، لن يُقنِعَنا يوماً أنَّه كان يَحكُمُ بالعَدلِ، ولا أنَّه كان يُقيمُ ميزانَ الإسلام. لأنَّ مَن لانَ مع الأعداءِ ثمَّ اشتدَّ على نِساءِ النَّبيِّ ﷺ، فقد قَلَبَ معايير الشَّرع، وأَقامَ ميزانه على غَيرِ ما أرادَ اللهُ ورسولُه.

سادساً: مَنهَجُ الـ«مُعادلة المَقلوبة» عند أحبابِ الشِّفَّارَة

ومع وُضوحِ هذه المُعادلةِ، ماذا يَفعَلُ أحبابُ الشِّفَّارَة في كلِّ زَمَن؟ يَقلِبُونَ المَوازين قَلباً كاملاً، فتَجِدَهم:

  • يَقلِبونَ الإنصاف «خِيانَةً»: مَن أَنصَفَ أُمَّ المؤمنين سَمَّوْه ناصبيّاً.
  • يَقلِبونَ الحُرمَة «سِياسَةً»: مَن دافَعَ عن حُرمةِ بَيتِ النَّبيِّ ﷺ قالوا تَحَزَّبَ.
  • يَقلِبونَ النَّصَّ «مُؤامَرَةً»: أَثَرٌ في «المُصَنَّف» يَفضَحُ الموقفَ يُصبِحُ عندَهم «وَضعَ النَّواصب».
  • يَقلِبونَ الصَّبرَ «ضَعفاً»: سُكوتُ أمِّ المؤمنينَ عمَّا جَرى تَكتُمُه يُسَمَّى عندَهم «تَنازُلاً عن رَأيها».

ثمَّ يُهَنِّئونَ أَنفسَهم بِنَصرٍ وَهميٍّ على أمَّهاتِ المؤمنين، كأنَّهم انتَصَروا على القُرآنِ نَفسِه الذي قال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.

سابعاً: تَهنِئَتانِ مُتَقابِلَتان

فلْيَسعَدوا إذاً بِتَشَيُّعِهم السَّنَويّ؛ عاماً بَعدَ عامٍ بلا ميزان، وبلا حياءٍ من نَصٍّ، وبلا خَجَلٍ من مَقام. ولْيَحتَفِلوا بِنَصرِ عَليٍّ في البَصرة الذي لم يَنتَصِرْ به الإسلامُ، بل خَسِرَ به ميزانُه.

أمَّا نحن، فنُهَنِّئُ الأمَّةَ بِذِكْرِ عَظَمَةِ نِساءِ النَّبيِّ ﷺ، وبأنَّ الأولويَّةَ الشَّرعيَّةَ ليستْ مَزاداً ولا شِعاراً مَوسِميّاً، بل أَصلٌ ثابتٌ من أصولِ الدِّين، يَنطِقُ به القُرآنُ في آيتين مُحكمَتَين:

مَن كانَ النَّبيُّ أَولَى بِهِ مِن نَفسِه، فَحُرمَةُ بَيتِه أَولى وأَبقى.

وهذه القاعدةُ ليستْ مَذهَبَ فِئَةٍ تَتَحَزَّبُ، بل قراءةُ القُرآنِ بِنَصِّه الصَّريح. ومَن ضَيَّعَ هذا الأصلَ، فقد ضَيَّعَ أَوَّلَ ميزانٍ يُوزَنُ به الانتماءُ إلى مِلَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ.


المحور الخامس: لماذا رَفَضَ إمامُ دار الهجرة الأخذَ عن عَلقَمةَ والأسود؟ — قراءةٌ في حديثٍ خطير

ها هنا نَبلُغُ ذُروَةَ الكَشفِ المنهجيِّ في هذا المقال. فإنَّ من أَخْطَرِ ما يُغفلُ عنه القُرَّاءُ المعاصرون موقفاً صَريحاً لإمامِ دارِ الهجرة، الإمامِ مالكِ بن أنسٍ رضي الله عنه، يَرفُضُ فيه الأخذَ عن عَلقمةَ والأسودِ ومسروقٍ، وهم رؤوسُ المدرسةِ الكوفيَّةِ في الفقه والحديث. وهذا الموقفُ — وَحدَه — كافٍ لإسقاطِ آلافِ الرِّواياتِ التي بَنى عليها القومُ مذهبَهم في الطَّعنِ بأمِّ المؤمنين.

النَّصُّ الأوَّل: شَهَادةُ مالكٍ في «تاريخِ ابن أبي خَيثَمَة»

روى الحافظُ ابنُ أبي خَيثَمَة في «التَّاريخ الكبير» (رقم ٣٢٧٢):

«حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: نَا مُصْعَبُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَمْ يَأْخُذُوا أَوَّلُوكُمْ عَنْ أَوَّلِينَا، فَقَدْ كَانَ عَلْقَمَةُ وَالأَسْوَدُ وَمَسْرُوقٌ فَلَمْ يَأْخُذْ أَحَدٌ مِنَّا عَنْ آخِرِيهِمْ، فَكَذَلِكَ آخِرُونَا لَا يَأْخُذُونَ عَنْ آخِرِيكُمْ».

تحليلُ هذا النَّصِّ — قراءةٌ تَشريحيَّةٌ صادمة:

أوَّلاً: من هو القائلُ؟ ومن هو الرَّاوي؟

  • القائل: الإمامُ مالكُ بن أنسٍ، إمامُ دارِ الهجرة، صاحبُ «الموطَّأ»، رأسُ مدرسةِ المدينةِ الحديثيَّة، وحامِلُ لِواءِ السُّنَّةِ في عَصره.
  • الرَّاوي عنه: الإمامُ أحمدُ بن حنبلٍ، إمامُ أهلِ السُّنَّة في زَمَنِه، صاحبُ المُسنَدِ، وَناقِلُ هذا النَّصِّ بسَنَدٍ ذَهَبيٍّ من خلالِ مُصعَبِ بنِ حَرْب.
  • مُسجِّلُ النَّصِّ: الحافظُ ابنُ أبي خَيثَمَة (ت ٢٧٩هـ)، صاحبُ «التَّاريخ الكبير» الذي يَرجِعُ إليه كبارُ المؤرِّخين والمُحدِّثين.

فالسَّندُ ثُلاثيٌّ من أَكابرِ الأَئمَّة، لا مَطعَنَ فيه ولا مَجال. وهذا يَجعَلُ كلامَ مالكٍ في أعلى درجاتِ الثُّبوت.

ثانياً: تَفكيكُ بُنيَةِ التَّعبير

تأمَّلْ في صياغةِ مالكٍ الدَّقيقة:

«لم يَأخُذوا أَوَّلُوكم عن أَوَّلِينا، فقد كان عَلقَمةُ والأسودُ ومسروقٌ، فلم يَأخُذْ أحدٌ مِنَّا عن آخِرِهم. فكذلك آخِرونا لا يَأخُذون عن آخِرِيكم».

هذه ليست عبارةً عابرةً، بل قاعِدَةٌ منهجيَّةٌ مُحكَمَةٌ أُسِّسَت في زَمَنِ كبارِ التَّابعين. ومُفادُها:

المرحلة مَوقفُ أهلِ المدينة
في زَمَنِ كِبارِ تابِعي الكوفة (عَلقمة، الأسود، مسروق) لم يأخذْ عنهم أحدٌ من علماءِ المدينة
في زَمَنِ مالكٍ والمتأخِّرين لا نأخذُ عن مُتأخِّريكم

وهذا تَقريرٌ صَريحٌ بأنَّ علماءَ المدينةِ — وهم أهلُ السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ المُتوارَثَةِ في دارِ الوحي — قد أَعرضوا منهجيّاً عن الأخذِ من المدرسةِ الكوفيَّة منذُ نشأتها.

ثالثاً: لماذا الإعراضُ تَحديداً عن «عَلقَمَةَ والأسودِ ومسروق»؟

هؤلاءِ الثَّلاثةُ هم رَأسُ مَدرسةِ الكوفة الَّتي خَرَجَ منها أعلامٌ كإبراهيمَ النَّخَعيِّ، ثمَّ منه إلى حَمَّاد بن أبي سُلَيمان، ثمَّ إلى أبي حَنيفة. ومع هذا التَّسَلسُلِ المَشهور، فإنَّ مالكاً يُعلِنُ أنَّ علماءَ المدينةِ لم يَأخُذوا عن أوائلِ هذه السِّلسلة. والسُّؤالُ المنهجيُّ الذي يَفرِضُ نَفسَه:

هل يَعقُلُ أنَّ إماماً جَلِيلاً كمالكٍ يُعرِضُ — مع علماءِ المدينةِ كلِّهم — عن طَبقَةٍ من التَّابعين عبثاً؟

الجوابُ بَدَهيٌّ: لا. وَإنَّما هذا الإعراضُ ينطوي على حُكْمٍ منهجيٍّ نَقديٍّ على نوعيَّةِ المَرويَّاتِ التي يَحمِلُها هؤلاءِ، وعلى مَدى انضباطها بالميزانِ النَّبَويِّ الصَّافي الذي عاشَه أهلُ المدينةِ في حُجَرِ النَّبيِّ ﷺ.

رابعاً: قاعدةُ مالكٍ والعَمَلُ بأهلِ المدينة

من أُصولِ مَذهبِ الإمامِ مالكٍ المعروفة: تَقديمُ عَمَلِ أهلِ المدينة على أخبارِ الآحادِ المُخالفةِ له. وذلك لأنَّ المدينةَ هي مَهبِطُ الوَحي، ومُستَقَرُّ النَّبيِّ ﷺ، ومَوطنُ خِيارِ الصَّحابة، فما تَوارثَه أهلُها عن النَّبيِّ ﷺ بـ«التَّوارثِ العَمَليِّ» مُقدَّمٌ على ما يَنفَردُ به آحادُ الرُّواةِ في الأمصارِ الأخرى. ومن هنا، فإنَّ رفضَه الأخذَ عن عَلقَمةَ والأسودِ ومسروقٍ ليس عاطفةً، بل منهجٌ نَقديٌّ مُحكَمٌ يَستندُ إلى ميزانٍ علميٍّ مَتين.

النَّصُّ الثَّاني: حديثُ «نَزَلَ بِعائشة» في صحيح مسلم

والآنَ ها هنا تَنكشِفُ الصُّورةُ كاملةً. روى الإمامُ مسلمٌ في «صحيحه» (١٠٥) في كتاب الطَّهارة، باب حُكم المَنيّ:

«وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ؛ أَنَّ رَجُلاً نَزَلَ بِعَائِشَةَ، فَأَصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُكَ، إِنْ رَأَيْتَهُ، أَنْ تَغْسِلَ مَكَانَهُ، فَإِنْ لَمْ تَرَ نَضَحْتَ حَوْلَهُ. وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكاً فَيُصَلِّي فِيهِ».

الإشكالاتُ الكُبرى في هذا الحديث:

الإشكالُ الأوَّل: لفظُ «نَزَلَ بِعَائشة»

تأمَّلْ في هذا اللَّفظِ المُريب: «نَزَلَ بِعَائشة». ما معنى أن يَنزِلَ رَجُلٌ — أَجنبيٌّ في الظَّاهرِ — بأمِّ المؤمنين؟ وأينَ يَنزِلُ؟ في حُجرَتها؟ وكيف يَنزِلُ رجلٌ بحُجرةِ أمِّ المؤمنينَ بعدَ نُزولِ آية الحجاب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾؟ ولماذا «يُصبِحُ» — أي بعدَ ليلةٍ كاملةٍ — يَغسلُ ثوبَه؟ وما الذي تَلَطَّخَ به ثوبُه في حُجرَتها حتَّى احتاجَ إلى غَسلِه؟

اللَّفظُ — بصيغتِه الَّتي نُقِلَ بها في «الصَّحيح» — يَفتَحُ بابَ سُوءِ التَّأويلِ على مَصراعَيه، ويُعطي القارئَ غيرَ المُتمَرِّسِ انطباعاً مُريباً عن حُرمَةِ بَيتِ أمِّ المؤمنين.

الإشكالُ الثَّاني: مَن هم رواةُ هذا الحديث؟

سَلسلةُ السَّند في هذا الحديث:

يحيى بن يحيى ← خالد بن عبد الله ← أبو مَعشر ← إبراهيم ← عَلقَمةُ والأسود ← عائشة

فأَنتَ ترى أنَّ مدارَ الحديثِ على عَلقمةَ والأسودِ — وهما اللَّذان أَعرَضَ مالكٌ عن الأخذِ عنهما! وإبراهيمُ هو النَّخَعيُّ، وهو من تلامذتهما. فالسَّندُ كلُّه كوفيٌّ يَنتهي إلى عائشةَ في المدينة. والسُّؤالُ: لماذا لا يَروي هذا الحديثَ تلامذةُ عائشةَ المباشرون في المدينة — كَعروةَ بن الزُّبير، والقاسم بن محمد، وعَمرة بنت عبد الرَّحمن — إذا كانت أمُّ المؤمنين فعلاً تَلقَّت رَجُلاً نَزَلَ في حُجرَتها وأَفتَتْه في حُكمِ المَنِيّ؟

جوابُه: لأنَّ هذا الحديثَ — على الأَرجَح — مَصنوعٌ في الكوفة، ولم يَعرفه أهلُ المدينةِ من تلامذتها المباشرين. ومن هنا أَعرَضَ مالكٌ، ومن هنا أَعلَنَ القاعدة.

الإشكالُ الثَّالث: مُعارَضةُ المَتنِ لِما هو أَوضحُ في «الصَّحيح» نَفسِه

في «صحيح مسلم» نَفسِه، بَعدَ هذا الحديث مباشرةً (رقم ١٠٦)، يَأتي حديثٌ آخَرُ صَحيحٌ:

«حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ وَهَمَّامٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».

هذا هو الحديثُ الأَصيلُ النَّظيفُ: عائشةُ تُحَدِّثُ عن ثوبِ زَوجِها ﷺ، تَفركُه من المَنِيِّ، وَتَنتَهي الرِّوايةُ. لا «رَجُلَ نَزَلَ بِها»، ولا «صُبحَ»، ولا حُكمَ مُستَفْتىً. فالمَتنُ الأَصيلُ في الفِقهِ خَلِيٌّ من كلِّ هذه الإضافاتِ المُريبة.

ولكنَّ الكوفيِّينَ — في الرِّوايةِ التي قَبلَه — أَحاطوا الحُكمَ الفقهيَّ بقصَّةٍ لا مَكانَ لها: رَجُلٌ، نُزولٌ، صَباحٌ، ثَوبٌ، غَسلٌ. وهذه القصَّةُ هي التَّوريَةُ الخَبيثَة التي تُلوِّثُ سُمعَةَ أمِّ المؤمنين في ذِهنِ القارئِ السَّطحيِّ، وَتُورِثُه شَكّاً لا أَساسَ له.

الإشكالُ الرَّابع: تَأويلُ الفُقَهاءِ والشُّرَّاحِ المُتأخِّرين

يُحاولُ الشُّرَّاحُ أن يَتأوَّلوا الحديثَ بأنَّ الرَّجُلَ كان من المَحارمِ (كأخٍ لها من الرَّضاعةِ أو نحوه)، أو أنَّ النُّزولَ كان في بَيتٍ مُجاوِرٍ لا في حُجرَتها، أو أنَّها كانت تُكلِّمُه من وراءِ حِجابٍ. وكلُّ هذه التَّأويلاتِ لا أَساسَ لها في النَّصِّ نَفسِه، بل هي مُحاوَلاتٌ لِتَرقيعِ ما لا يُرَقَّع. ولو أنَّ الحديثَ بَريءٌ من كلِّ شُبهَةٍ، لَما احتاجَ إلى هذه التَّأويلاتِ المُتَكَلَّفَة.

الإشكالُ الخامس: ما الذي قَصَدَه الكوفيُّون من هذه القصَّة؟

السُّؤالُ الجَوهَريُّ: لِمَ صِيغَ الحُكمُ الفقهيُّ في إطارِ هذه القصَّةِ تَحديداً؟ والجوابُ — حين تَتأمَّل فيه بعَينٍ نَقديَّةٍ — يَكشِفُ مَكِيدَةً عَتيقَةً:

  • القَصدُ الأوَّل: غَرسُ صُورةٍ ذِهنيَّةٍ عند المُتلَقِّي العاديِّ بأنَّ حُجرةَ أمِّ المؤمنينَ كانتْ مَفتوحةً للرِّجالِ يَنزِلُونَ فيها.
  • القَصدُ الثَّاني: خَلقُ مَدخَلٍ نَفسيٍّ لِقَبولِ رواياتٍ لاحِقَةٍ تَطعَنُ في عِفَّتها (حاشاها).
  • القَصدُ الثَّالث: ترويجُ صُورةٍ مَوازيَةٍ لِنِساءِ النَّبيِّ ﷺ تُسَوِّغُ في النِّهايةِ التَّشكيكَ في حُرمَةِ أُمَّهاتِ المؤمنين كَفِئَةٍ.

الخُلاصَةُ الكُبرى لهذا المحور — صَفعَتُان لِأَحبابِ التَّزوير:

الصَّفعَةُ الأولى: مالكٌ كان يَعلَمُ ما لا يَعلَمُه المُحدَثون

إنَّ مالكاً — رضي الله عنه — لم يَتَكلَّمْ في عَلقَمةَ والأسودِ ومسروقٍ من فَراغ. فهو إمامُ المدينة، وأهلُ المدينةِ أعرفُ النَّاسِ بأمِّ المؤمنينَ وَبِحُرمةِ بَيتها. ولو كانتْ هذه الرِّواياتُ الكوفيَّةُ صَحيحةً عن أمِّ المؤمنين، لَعرَفَها أهلُ المدينةِ قبلَ أهلِ الكوفة. ولكنَّهم لم يَعرِفوها بهذه الصِّيغِ المُريبَة، بل عَرَفوا أحاديثَ نَظيفةً بَيِّنَةً في الفُروعِ الفِقهيَّة.

رَفضُ مالكٍ ليس مُعاداةً للكوفة، بل صَوْنٌ لأمِّ المؤمنين من تَلوُّثِ مَرويَّاتِها بِصِيَغٍ تَفتَحُ بابَ سوءِ الظَّنّ.

الصَّفعَةُ الثَّانية: «الصَّحيحُ» لا يَعني «المَأمونُ من سوءِ التَّأويل»

من الأخطاءِ الشَّائعَةِ عند العامَّةِ ظَنُّهم أنَّ كلَّ ما في «الصَّحيحَين» مَأمونٌ من كلِّ نَقدٍ مُطلَقاً. والحقُّ أنَّ تَصحيحَ الإسنادِ لا يَعني نَفيَ الإشكالاتِ المتنيَّةِ أو السِّياقيَّة. وقد نَبَّه على هذا كبارُ الأَئمَّةِ كالدَّارَقُطنيِّ في «التَّتبُّع»، وابنِ القَيِّمِ في «إعلام الموقِّعين»، حيثُ بَيَّنوا أنَّ في الصَّحيحين أحاديثَ تَحتاجُ إلى نَظَرٍ في مَتنها أو في فِقهها أو في سياقها.

وحديثُ «نَزَلَ بِعائشة» — وإن صحَّ سَنَدُه عند مسلم — يَبقى محلَّ نَظرٍ منهجيٍّ في:

  1. اللَّفظِ المُختار: «نَزَلَ بِعائشة» بدلَ «أَفتَتْ عائشةُ رَجُلاً سَأَلَها».
  2. السِّياقِ المُصاحِب: قصَّةُ المَبيتِ والصُّبحِ وغَسلِ الثَّوب.
  3. انفرادِ السَّندِ الكوفيِّ: وَغيابِ الرَّاويةِ المَدنيَّةِ المعروفة.
  4. تَوافُقهِ مع نَهجِ «الإيحاءِ بدلَ التَّصريح» الذي تَقدَّمَ تَفصيلُه في المحور الثَّالث.

قاعدةٌ ذَهَبيَّةٌ يُختَمُ بها المحور:

كلُّ روايةٍ تَجمَعُ بين ثلاثة شُروط:

(١) سَنَدٌ كوفيٌّ يَنتَهي إلى عائشة عَبرَ عَلقَمةَ أو الأسودِ أو مسروق،
(٢) وَلَفظٌ يَفتحُ بابَ سوءِ التَّأويلِ في حقِّ أمِّ المؤمنين أو حُرمةِ بَيتها،
(٣) وَغِيابُ المُتابعةِ من تلامذتها المَدنيِّين المُباشرين،

فهي روايةٌ مَطعونٌ فيها بِشَهادَةِ إمامِ دارِ الهجرة، ولو وَرَدَتْ في أَصَحِّ كُتُبِ الإسلام.

وفي هذا — والله — راحةٌ كُبرى لِقَلبِ المؤمن، الذي لا يَطمَئنُّ أبداً إلى رواياتٍ تَجعلُ حُجرَةَ أمِّه الصِّدِّيقةِ مَكاناً مُريباً، أو تُورِثُه شُبهَةً في عِفَّةِ مَن وَصَفها اللهُ بأنَّها أُمُّ المؤمنين. وقد كَفانا الإمامُ مالكٌ مَؤونَةَ التَّحَرُّجِ، وَأَعلَنَ القاعِدَةَ في عبارةٍ مُحكَمَةٍ: «لا يَأخذُ أحدٌ مِنَّا عنهم».


المحور السَّادس: «لَستُ لَكُم بأمٍّ» — صَرخةٌ في وَجهِ الفاقِدينَ للمُروءة

تَوطئةُ النَّفَس:

ها هنا أُريدُ أن أَتَوَقَّفَ عن لُغَةِ التَّحليلِ الباردةِ، وأَن أَكتُبَ بِنَبَضِ القَلَم. فإنَّ ما يَفعَلُه القومُ في حقِّ أمِّ المؤمنينَ ليس مُجَرَّدَ خِلافٍ علميٍّ يُناقَش، ولا اجتهادٍ تاريخيٍّ يُحاوَر، بل هو سُقوطٌ في المُروءَة قبلَ السُّقوطِ في الدِّين. وإنَّ كَلِمَتي ـ في هذا المحور تَحديداً ـ لِسانُ مَن يَستَشعِرُ قُربَ أمِّ المؤمنينَ، ولو كانت اليومَ بين أَظهُرِنا لَقَالَتْ لهؤلاء وهي تُديرُ وَجهَها عنهم:

«لَستُ لكم بأمٍّ. لقد دَنَّأَتْ خُصومتُكم لي، وأَساءاتُكم في حَقِّي، عن أُمومَتي لكم. فالتَمِسوا لَكم أمّاً من جِنسِ ما تَنسِبون، فأنا أعَفُّ من ذلك، وأَكرَمُ على رَبِّي من أن أكونَ لِسانَ سُوءٍ يَنطِقُ على لِسانِكم».

أربعُ روايات تَتَجَوَّلُ في أَفواهِ القومِ، يَنفُخونَ في رَمادِها كأنَّها كُنُوزٌ علميَّةٌ، وَهي في الحَقيقَةِ أَربَعةُ سهامٍ مَسمومةٍ تَستهدِفُ حُرمَةَ أمِّ المؤمنينَ في عِفَّتِها، وَمَلبَسها، وَيَدِها، وَنَظَرِها. وَنَحنُ في هذا المحور نُسَمِّيها بأسمائها، وَنَكشِفُ أسانيدَها، وَنَردُّها على وُجوهِ ناقليها.

الإساءةُ الأولى: «نَزَلَ بِعائشة» — الرَّجلُ في حُجرَةِ النُّبوَّة

هذه أَوَّلُ السِّهامِ المَسمومةِ، وَقد تَناولناها بِالتَّفصيلِ المنهجيِّ في المحور السَّابق. ها هنا نَعودُ إليها بِنَفَسٍ آخرَ — نَفَسِ الغَيرَةِ على الحُرمَة، لا نَفَسِ التَّحليلِ المُجرَّد.

يا أَيُّها النَّاقلون لرواية «نَزَلَ بِعائشة»:

هل تَأَمَّلتُم في اللَّفظِ قبلَ أن تُمَرِّرُوه إلى المَنابرِ وَالشَّاشات؟ هل سَأَلتُم أَنفُسَكم: في أيِّ حُجرةٍ نَزَل؟ وَمَن أَذِنَ له؟ وَأينَ الحجابُ الذي نَصَبَه القُرآنُ بَينها وَبَين الأَجانبِ من الرِّجال؟ وَلِمَ لم يَروِ الحَديثَ ابنُ أُختها عُروة، وَلا ابنُ أَخيها القاسم، وَلا تِلميذتها عَمرة بنتُ عبد الرَّحمن — وَهم أَهلُ المدينة، وَأَعرَفُ النَّاسِ بحُجرَتها وَبسِيرَتها؟

اللَّفظُ — كما هو — اخْتُرِعَ لِيُلَطِّخَ. وَلو أنَّه قِيلَ: «أَفتَتْ أمُّ المؤمنينَ رَجُلاً سَأَلَها»، لَوَافَقَ المَتنُ الفِقهيُّ سِياقَه. ولكنَّ صائغَ الرِّوايةِ — وَهو كُوفيٌّ — اختارَ صياغةً تُنبِئُ بِليلةٍ في حُجرَتها، وَبصُبحٍ يَغسِلُ فيه ثَوبَه، وَبثَوبٍ مُتَلَطِّخٍ بِما لا يَتَلَطَّخُ به ثَوبُ ضَيفٍ نَهاريٍّ. وَهذا — وَاللهِ — افتراءٌ مُرَكَّب: افتراءٌ في الصِّياغة، وَافتراءٌ في الإيحاء، وَافتراءٌ في تَلويثِ الخَيالِ السُّنِّيِّ بصورةٍ لا تَليقُ بأمَّهاتِ المؤمنين.

يا أُمَّاه! واللهِ ما نَزَل بِكِ رَجلٌ. وَإنَّما نَزَلَ في حَدِيثِكِ تَزويرٌ كوفيٌّ يَتَلَوَّى كَالحَيَّةِ تَحتَ غُلافِ "الصَّحيح".

الإساءةُ الثَّانية: «الفُستان» — قِصَّةُ الدِّرعِ وَالنَّظَرِ المُختَلَق

روى البُخاريُّ في «الصَّحيح» (٢٦٤٥) في كتابِ الهِبَةِ، بابِ الاستعارةِ للعَروسِ عند البِناء:

«حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتْ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي، انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْبَيْتِ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ».

الفَهمُ المَسلوبُ الذي يَشيعُ بين العَوامّ:

يَتَلَقَّفُ بعضُ النَّاسِ هذه الرِّوايةَ على أنَّها وَصفٌ لِفُستانِ عائشةَ، وَأَنَّ رَجلاً دَخَلَ عليها وَكَلَّمَتْه وَأَمَرَتْه أن «يَرفَعَ بَصَرَه إليها وإلى جاريَتِها»، وَيَنبَني على ذلك تَصَوُّرٌ مُريبٌ في حقِّ أمِّ المؤمنين، يَدورُ حولَ ثَلاثِ شُبَه:

  1. شُبهةُ المَلبَس: كأنَّ ثَوبَها كان رَقيقاً يَكشِفُ ما تَحتَه (إذ لِمَ ذُكِرَ ثَمَنُه الزَّهيد؟).
  2. شُبهةُ النَّظَر: «ارفَعْ بَصَرَك» — كأنَّها تَأذَنُ لأَجنبيٍّ في تَأمُّلِها.
  3. شُبهةُ الخَلوَة: كأنَّ الدُّخولَ كان بِغَيرِ مَحرَمٍ وَلا حِجاب.

تَفنيدُ الإساءَةِ بِخَمسةِ مَفاتيح:

المِفتاحُ الأوَّل: من هو «أَيمَن» الدَّاخل؟

تَأمَّلْ في السَّند: «أَيمَن» هو مَولى عائشةَ نَفسِها. وَالمَولى في الفِقهِ الإسلاميِّ من أَهلِ البَيتِ ذَوي الحَقِّ في الدُّخول، كما قال ابنُ حَجَرٍ في «الفتح»: «أَيمَنُ هذا هو الحَبَشيُّ مَولى عائشة، وَكان يَدخُلُ عليها كَدُخولِ المَحارم». فَالدُّخولُ ليس دُخولَ أَجنبيٍّ، بل دُخولَ مَن يَتَوَلَّى خِدمَتَها وَتَربَطُه بها رابِطَةُ الوَلاء، وَهي رابطةٌ شرعيَّةٌ مُعتَبَرَةٌ في الإذنِ بالدُّخول.

المِفتاحُ الثَّاني: ما هو «دِرعُ القِطْر»؟

«الدِّرعُ» في كَلامِ العَرَبِ: القَميصُ السَّابغُ الواسعُ الَّذي يُغطِّي الجَسَدَ من المَنكِبِ إلى القَدَم، وَليس ما يَتَوَهَّمُه العَامِّيُّ من «الفُستانِ» المَعروفِ اليومَ. وَ«القِطْر»: نِسبَةٌ إلى قَطَرَ — بَلَدٍ في البَحرَين كان يُنتِجُ هذا النَّوعَ من البُرودِ المَشهورة. وَقد قال الحافظُ في «الفتح»: «القِطْرُ ضَربٌ من البُرودِ فيه حُمرَةٌ، وَلها أعلامٌ تُحمَلُ من قِبَلِ البَحرَين».

فَالثَّوبُ — أَيُّها المُتَّهِمونَ — سابغٌ مُحتَشِمٌ، وَليس فُستاناً قَصيراً وَلا شَفَّافاً. وَذِكرُ ثَمَنه القَليلِ (خمسةُ دَراهم) لَيس لِبَيانِ خِفَّتِه، بل لِبَيانِ زُهدِ أمِّ المؤمنينَ في الدُّنيا عَلَيْهَا السَّلَام. هي زَوجُ سَيِّدِ الخَلقِ، وَتَلبَسُ ثَوباً بخمسةِ دراهم! أَيُّ سُلطانٍ في الأرضِ يَفعَلُ ذلك بزوجتِه؟ هذه فَضيلَةٌ لها، لا مَنقَصَة، فَقَلَبوها بِخُبثِهم إلى تُهمَة.

المِفتاحُ الثَّالث: ما معنى «ارفَعْ بَصَرَك إلى جاريَتي»؟

تأمَّل في السِّياق: عائشةُ تَقولُ: «ارفَعْ بَصَرَكَ إلى جاريَتي» — لا «إليَّ»! وَالجاريَةُ في كَلامِ العَرَبِ هي الأَمَةُ المَملوكَةُ، وَالنَّظَرُ إلى الأَمَةِ المَملوكَةِ لِغَيرِ مالكِها جائزٌ في الفِقهِ القَديمِ بِشُروطٍ مَعروفَة. وَ«ارفَعْ بَصَرَك» تَعني: انظُر إليها لِتَرى الدِّرعَ كَيفَ يَلِيقُ بِها، لأنَّ الجاريةَ كانتْ تَرفُضُ لُبسَه استِنكافاً («تُزهَى أَن تَلبَسَه في البَيت»).

فَالأَمرُ — وَاللهِ — وَصفٌ تاريخيٌّ لِواقعةِ زُهدٍ: أمُّ المؤمنينَ تُحَدِّثُ مَولاها أَيمَن أَنَّ جاريَتها تَستَنكِفُ من لُبسِ دِرعٍ بِخَمسَةِ دَراهم، وَأنَّ هذا الدِّرعَ نَفسَه كانتْ نِساءُ المدينةِ كُلُّهنَّ يَستَعِرنَ مِثلَه منها أَيَّامَ زَفافِهنَّ — لِأنَّهنَّ يَتَبَرَّكنَ بِمَلبَسِ زَوجَةِ النَّبيِّ ﷺ!

المِفتاحُ الرَّابع: «فَما كانتِ امرأةٌ تُقَيَّنُ بالمدينةِ إلَّا أَرسَلَتْ إليَّ تَستَعيرُه»

هذه الجُملةُ — التي يَحذِفُها أعداءُ أمِّ المؤمنينَ من نَقلِهم — هي مِفتاحُ المعنى كلِّه. «تُقَيَّنُ» يَعني: تُزَيَّنُ لِعَرسِها. فعائشةُ تَقولُ: نِساءُ المدينةِ كُلُّهنَّ — على فقرهنَّ — كُنَّ يُرسِلنَ إليَّ أَن أُعيرَهُنَّ دِرعي يَومَ زَفافِهنَّ، لِيَتَبَرَّكنَ بِما لَبِسَتْه أمُّ المؤمنين. وهذا شَهادَةُ تَكريمٍ مِنَ المدينةِ كُلِّها لها، لا شَهادَةُ سوء.

المِفتاحُ الخامس: مَوقعُ الحديثِ في «بابِ الاستعارةِ للعَروسِ عند البِناء»

البخاريُّ — وَهو إمامُ الحَديثِ النَّاقد — ما وَضَعَ هذا الحديثَ في «كتاب الحَيض» وَلا «كتاب الطَّهارة» وَلا «كتاب النِّكاح»، بل في «كتاب الهِبَة، باب الاستعارة للعروس عند البناء». وَهذا تَوجيهٌ منهجيٌّ من البخاريِّ نَفسِه بأنَّ مَدارَ الحَديثِ على مَوضوعِ الإعارَةِ وَالتَّبَرُّكِ بمَتاعِ أمِّ المؤمنين، لا على وَصفِ مَلبَسٍ وَلا نَظَر. فمَن تَجاوَزَ هذا التَّبويبَ النَّبَويَّ، فَقد تَجاوَزَ منهجَ الإمامِ وَخالَفَ هَديَه.

الخُلاصة:

«الفُستان» الذي يَتَشَدَّقُ به القومُ ليس فُستاناً، وَالنَّظَرُ الذي يُؤَوِّلونَه ليس نَظَرَ إعجابٍ، وَالدُّخولُ الذي يَتَّهِمونَ به ليس دُخولَ أَجنبيٍّ. كلُّ ما في الأمرِ أنَّ أُمَّاً للمؤمنينَ تَلبَسُ بَخمسَةِ دراهم، وَتُحَدِّثُ مَولاها كيف كانتْ نِساءُ المدينةِ يَستَعِرنَ مِنها هذا الدِّرعَ تَبَرُّكاً. فَكَيفَ يَستَخرِجُ القَومُ من هذا الجَمالِ النَّبَويِّ تُهمَةً في عِفَّتها؟ لَيسَ يَفعَلُ ذلك إلَّا مَن انْتُزِعَتِ المُروءَةُ من قَلبِه قَبلَ أن يُنزَعَ التَّوحيدُ من لِسانِه.

الإساءَةُ الثَّالثة: «تُطعِمُ الرِّجال» — أُترُجَّةُ ابنِ أُمِّ مَكتومٍ وَكِيدُ المُغرِضين

روى البَيهَقيُّ في «الجامِع لِشُعَبِ الإيمان» (٧٨٢٩) بإسنادٍ حَسَنٍ — كما نصَّ المحقِّق — عن مَسروقٍ قال:

«دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا رَجُلٌ مَكْفُوفٌ، وَهِيَ تُقَطِّعُ لَهُ الأُتْرُجَّ وَتُطْعِمُهُ إِيَّاهُ بِالعَسَلِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَتْ: هَذَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، الَّذِي عَاتَبَ اللهُ فِيهِ نَبِيَّهُ ﷺ. قَالَتْ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَهُ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمَا، فَنَزَلَتْ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأَعْمَى﴾».

السَّمُّ المَدسوسُ في هذه الرِّواية:

يَتَلَقَّفُ بعضُ النَّاسِ هذه الرِّوايةَ فَيَستَخرِجونَ منها صورةً مُريبة: أمُّ المؤمنينَ تُجالِسُ رَجلاً، وَتُقَطِّعُ له الأُترُجَّ بِيَدَيها، وَتُطعِمُه بِالعَسَل، كأنَّها زَوجَتُه أو خادِمَتُه! وَيَستَفِزُّ الخَيالَ السَّاذجَ صُورَةُ يَدها وَهي تَضَعُ الطَّعامَ في فَمِ رَجلٍ، فَتَنطَلقُ الأَلسُنُ بِما لا يَليقُ بأمِّ المؤمنين.

الجَوابُ القاطِعُ المُسكِتُ:

أَوَّلاً: مَن هو «ابنُ أمِّ مَكتومٍ»؟

هو عَبد اللهِ بن قَيس (وَيُقالُ: عَمرو بن قَيس) القُرَشيُّ العامِريّ، ابنُ خالةِ أمِّ المؤمنينَ خَديجَةَ بنتِ خُوَيلِد. فَهو قَرابَةُ النَّبيِّ ﷺ من جِهَةِ خَديجة، وَتَجمَعُه بِنِساءِ النَّبيِّ ﷺ رَابطَةٌ شَرعيَّةٌ مَعروفة. وَهو أَعمى — كَفِيفُ البَصَرِ — لا يَرى أمَّ المؤمنينَ وَلا يَستَطيعُ أَن يَراها. وَكان من السَّابقينَ الأوَّلين، وَمؤذِّن النَّبيِّ ﷺ، وَمَن جَعَلَه النَّبيُّ ﷺ على المدينةِ في غَزَواتٍ مُتَعَدِّدة.

ثانياً: نَصُّ الإذنِ القُرآنيّ

اللهُ — جلَّ في عُلاه — أَنزَلَ في حَقِّ هذا الصَّحابيِّ الجَليلِ تَحديداً سُورَةً كاملةً مَفتَتَحُها: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ۝ أَن جَاءَهُ الأَعْمَى﴾. فَقَد عاتَبَ اللهُ نَبيَّه ﷺ في حَقِّ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، وَجَعَلَه مَوضِعَ تَقديرٍ وَإكرامٍ نَبَويٍّ بَعدَ نُزولِ السُّورة. فَإكرامُ أمِّ المؤمنينَ له تَطبيقٌ عَمَليٌّ لِلتَّوجيهِ القُرآنيِّ، وَامتثالٌ لِما عُوتِبَ فيه النَّبيُّ ﷺ.

ثالثاً: المَكفوفُ وَحُكمُه الفِقهيّ

الأَعمى الذي لا يُبصِرُ — في فِقهِ الإسلامِ — لا يَدخُلُ في عُمومِ الأَجانبِ المَحجوبين، وإن كان الاحتياطُ بالحجابِ مَطلوباً عند بعضِ العلماء. وَ«أمُّ سَلَمَة» سَأَلَت النَّبيَّ ﷺ عن ابن أمِّ مَكتومٍ فَأَمرَها بالحجابِ منه في حَديثٍ مَشهور، لكنَّ هذا في سياقِ الاحتياطِ التَّربَويِّ للزَّوجاتِ، لا في سياقِ التَّحريمِ المُطلَق. فإكرامُ عائشةَ له بالطَّعامِ من وَراءِ حِجابٍ — وَهذا هو الواقعُ — لا إشكالَ فيه شَرعاً.

رابعاً: مَعنى «تُقَطِّعُ له الأُترُجَّ وَتُطعِمُه»

اللُّغَةُ العَرَبيَّةُ غَنيَّةٌ بِالاستعمالِ المَجازيِّ. «تُطعِمُه» لا تَعني بالضَّرورَةِ أَنَّها تَضَعُ الطَّعامَ في فَمِه بِيَدِها. بل تَعني: تُقَدِّمُ له الطَّعامَ وَتَجعلُه أَمامَه. كما نَقولُ في عَرَبيَّتِنا: «أَطعَمتُ ضَيفي» — أي قَدَّمتُ له الطَّعام، لا أَنِّي وَضَعتُه في فَمه. وَتَقطيعُ الأُترُجَّةِ كان لِسببٍ بَيِّن: لأنَّه أَعمى لا يَستَطيعُ تَقشيرَها وَتَقطيعَها بِنَفسِه، وَيُريدُ أن يَأكلَها قِطعاً صَغيرَة. فَهذا رِفقٌ نَبَويٌّ بالأعمى، لا فِعلٌ يَستَوجِبُ الاتِّهام.

خامساً: الفائدةُ التَّربَويَّةُ التي يُريدُها البَيهَقيُّ من إيرادِ الحديث

البَيهَقيُّ أَوْرَدَ الحَديثَ في «شُعَبِ الإيمان» — أَي في تَعدادِ خِصالِ الإيمانِ — وَفي البابِ المُتعَلِّقِ بـ«إكرامِ الضَّعيفِ وَالمَسكينِ وَإطعامِه». وَبَوَّبَ عليه: «ما زالَ هذا به من آلِ رسولِ اللهِ ﷺ مُنذُ عاتَبَ اللهُ فيه نَبيَّه». فَعائشةُ — أمُّ المؤمنين — تُداومُ على إكرامِ ابنِ أُمِّ مَكتومٍ تَطبيقاً لِسُنَّةٍ نَبَويَّةٍ في إكرامِه. وَهذا في حدِّ ذاتِه منَاقِبٌ لها، لا مَطعَنٌ فيها.

الخُلاصة:

«تُطعِمُ الرِّجال» التي يَتَشَدَّقُ بها القومُ ليست خَلوةً، وَلا مُلامَسَةً، وَلا تَجَاوُزاً للحجاب. بل هي امتثالٌ لِعِتابٍ قُرآنيٍّ، وَتَكريمٌ لِصَحابيٍّ كَفيفٍ من قَرابةِ النَّبيِّ ﷺ. فَمَن يَستَخرِجُ من هذه الفَضيلَةِ تُهمَةً، فهو إمَّا جاهلٌ بالنُّصوصِ وَسياقاتِها، أو حاقِدٌ يَلوي أَعناقَ النُّصوصِ لِيَجعلَها سَهماً في صَدرِ أمِّ المؤمنين.

يا أُمَّاهْ! لقد أَطعَمتِ ابنَ أُمِّ مَكتومٍ امتثالاً لكتابِ اللهِ، فَجَعَلوا مِنهُ مَسرَحاً لِخَيالاتِهم الدَّنِيَّة. وَأقسَمَ ربُّكِ في حَقِّه ﴿أَن جَاءَهُ الأَعْمَى﴾، فَتَجاهَلوا الآيةَ وَركبوا مَطيَّةَ السُّوء. واللهِ ما كانتْ يَدُكِ إلَّا يَدَ بِرٍّ، وَلا كانَ مَجلسُكِ إلَّا مَجلسَ نُورٍ، وَلا كانتْ أُترُجَّتُكِ إلَّا صَدَقَةً تُذكِّرُ بِعِتابٍ قُرآنيٍّ. فَتبّاً لِمَن لَوَّثَ هذا النُّورَ بِفَحماتِ خَيالِه.

الإساءةُ الرَّابعة: «شَبابُ قُريش» — الافتراءُ الأَنكَرُ وَالأَسانيدُ المُتَهاوية

روى ابنُ أبي شَيْبَةَ في «المُصَنَّف» (١٨٦٠٠) في كتاب النِّكاح، باب «ما قالوا في الجاريةِ تُشَوَّفُ وَيُطافُ بها»:

«حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: نَا وَكِيعٌ عَنِ العَلَاءِ بْنِ عَبدِ الكَرِيمِ اليَامِيِّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ عِمْرَانَ، رَجُلٍ مِنْهُمْ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا شَوَّفَتْ جَارِيَةً وَطَافَتْ بِهَا وَقَالَتْ: لَعَلَّنَا نَصْطَادُ بِهَا شَبَابَ قُرَيْشٍ».

الكَلِمَةُ الفاصِلَةُ — حُكمُ المحقِّق:

نَصَّ مُحَقِّقُ «المُصَنَّف» — بَعدَ سَرْدِ الرِّوايَةِ مباشرَةً — بالحَرْفِ:

«مَجهولٌ؛ عَمَّار بن عِمْرَان مَجهولٌ، وَالرِّوايَةُ عن عَائشةَ مُبهَمَة».

فَالرِّوايةُ — بِشَهادَةِ المحقِّق نَفسِه — ضَعيفَةٌ جدّاً سَاقِطَةٌ بالمَرَّة. عَمَّار بن عِمْرَان مَجهولٌ لا يُعرَفُ، وَ«امرأةٌ مِنهم» وَ«رَجُلٌ مِنهم» — هذه أَوصافٌ مُبهَمَةٌ لا تَنفَعُ في الإسنادِ شَيئاً. وَالقاعِدَةُ عند المُحدِّثين: «مَجهولُ العَينِ، فَضلاً عن مَجهولِ الحالِ، لا يُحتَجُّ بِخَبَره». فَكَيفَ إذا اجتَمَعَ في إسنادٍ مَجهولان؟

القاعِدَةُ التَّيميَّةُ الذَّهَبيَّة:

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ في «منهاج السُّنَّة»: «كُلُّ ما يَطعَنُ في أحدِ الصَّحابة، وَإسنادُه فيه أَدنى مَطعَنٍ، فإنَّه يَجِبُ ردُّه». فَكيفَ بإسنادٍ فيه مَجهولانِ صَريحان، وَيَطعَنُ في أَفضلِ نِساءِ الأمَّة؟

نَكارَةُ المَتنِ مع نَكارَةِ السَّند:

ها هنا — في هذه الرِّوايَة تَحديداً — اجتَمَعَ شَرُّ النَّوعَين: ضَعفُ السَّندِ، وَنَكارَةُ المَتن. فَالمَتنُ — في مَدلولِه الظَّاهرِ — يَنسِبُ إلى أُمِّ المؤمنينَ:

  1. التَّشويفَ: أي عَرضَ الجاريَةِ مُتَزَيِّنَةً.
  2. الطَّوافَ بها: أي عَرضَها على النَّاسِ في الأسواقِ أو المَجامِع.
  3. اصطيادَ الرِّجال: بِلَفظٍ يَكادُ يَنطِقُ بالقَوادَة.

وَهذا — وَاللهِ — افتراءٌ لا يَلِيقُ بِأَدنى نِساءِ المؤمنينَ، فَكَيفَ بِأَفضَلِهنَّ؟ وَلا يَجرُؤُ على نَقلِ مِثلِ هذا الكَلامِ على لِسانِ أمِّ المؤمنينَ إلَّا قَلبٌ خَلَا من الإيمانِ، أو يَدٌ خَلَتْ من المُروءَة.

السُّؤالُ الذي يَفضَحُ ناقِلي هذه الرِّواية:

لو أنَّ رَجُلاً نَقَلَ هذا الكَلامَ على لِسانِ أمِّك أنتَ — أيُّها النَّاقلُ — أَتَقبَلُه؟ أَتَنشرُه؟ أَتَجعلُه شاهداً في مُحاضَراتك؟

وَاللهِ ما كانَ ليَقبَلَه أَحدٌ على أُمِّه التي وَلَدَتْه. فَكيفَ تَقبلُه على أُمِّ المؤمنينَ التي شَرَّفَها اللهُ بأن جَعَلَها زَوجَةَ خَيرِ الأَنام؟ وَالقُرآنُ يَقولُ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.

الخُلاصةُ المُسكِتَة:

هذه الرِّوايَةُ — بِشَهادَةِ المحقِّق السُّنِّيِّ نَفسِه — مَجهولَةُ السَّند، مُنكَرَةُ المَتن. وَلا يَنقُلُها أَحدٌ احتجاجاً إلَّا مَن أَسقَطَ المُروءَةَ من ميزانه، وَأَلغى الحَيَاءَ من مَنهَجِه. وَأَخبَثُ من ذلك: مَن يَنقُلُها مع عِلمِه بِضَعفِها، لأنَّه — في تلك الحال — يَتَعَمَّدُ نَشرَ الافتراءِ مع تَيَقُّنِه من بُطلانه، وَهذا — في الفِقهِ الإسلاميِّ — يَدخُلُ في حُكمِ القَذف، وَالعِياذُ باللهِ.

المُحاسَبَةُ الكُبرى — «وَيَزعُمونَ أَنَّهم مؤمنون»:

ها هنا أَنتَهي إلى القَولِ الفَصلِ في هذا المحور. هؤلاءِ الَّذينَ يَتَناقَلونَ هذه الرِّواياتِ الأَربَع — «نَزَلَ بِعائشة»، وَ«الفُستان»، وَ«تُطعِمُ الرِّجال»، وَ«شَبابُ قُريش» — ثمَّ يَزعُمونَ أَنَّهم مؤمنون، يَحتَفِلون في عاشُوراءَ، وَيَلطَمون على الحُسين، وَيَتَّخِذونَ من حُبِّ آلِ البَيتِ شِعاراً — هؤلاءِ في الحَقيقَةِ:

  • فاقدونَ للمُروءَة: لأنَّ المُروءَةَ لا تَسمَحُ بِهَتكِ سِترِ امرأَةٍ مُسلِمَةٍ، فَضلاً عن أمِّ المؤمنين.
  • طاعنونَ في أمِّهم: لأنَّ القُرآنَ صَريحٌ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. فَمَن طَعَنَ في عائشةَ فقد طَعَنَ في أُمِّه بِنَصِّ القُرآن.
  • مُكَذِّبونَ لِكتابِ اللهِ: لأنَّ اللهَ بَرَّأَها في عَشرِ آياتٍ من سورةِ النُّورِ، فَمَن جاءَ بَعدَ تَبرئَةِ اللهِ يَزرَعُ الشُّبَهَ في عِفَّتِها، فَقد كَذَّبَ القُرآنَ من حَيثُ لا يَدري.
  • مُتَنَاقِضونَ مع شِعارَاتهم: يَدَّعونَ حُبَّ آلِ البَيتِ، وَعائشةُ من آلِ البَيتِ بِنَصِّ القُرآنِ، وَزَوجَةُ سَيِّدِ آلِ البَيتِ ﷺ، فَكيف يُحَبُّ الفَرعُ مع شَتمِ الأَصل؟

الخاتمَةُ — كَلِمَتُها لو نَطَقَتْ:

أَتَخَيَّلُ — وَأَنا أَكتُبُ هذه السُّطورَ — أَنَّ أمَّنا الصِّدِّيقَةَ لو اطَّلَعَتْ على ما يُقالُ في حَقِّها اليَومَ، لَأَدارَتْ وَجهَها الكَرِيمَ عن هؤلاء، وَلَنادَتْهم بِما قَالَ يُوسُفُ لإِخوَتِه يومَ تَعَرَّفَ عَلَيهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، لَكِنَّها — في الوَقتِ نَفسِه — تَتَبَرَّأُ من أُمومَتها لَهم، لأنَّ أُمومَةَ القُرآنِ ليست شَرَفاً يُسرَقُ بالشِّعارات، بل عَهدٌ من اللهِ يَستَوجِبُ التَّوقير.

تَقولُ لَهم — وَأَنا أَنوبُ عنها بِما عَرَفناه من سيرَتها:

«يا قَومُ! واللهِ ما طُفتُ بِجاريَةٍ في سوق، وَلا نَزَلَ بيتي رَجُلٌ، وَلا أَطعَمتُ بِيَدي إلَّا أَعمى عاتَبَ اللهُ فيه نَبيَّه، وَلا لَبِستُ إلَّا دِرعاً بِخَمسَةِ دَراهم تَبَرَّكَتْ به نِساءُ المدينةِ في زَفافِهنَّ. فَمَن كانَ في قَلبِه عُشرُ مِعشارِ المُروءَةِ، فَلْيَطوِ هذه الصَّفحاتِ من كُتُبه، وَلْيَستَغفِرْ لي وَلِنَفسه. وَإلَّا، فَلَستُ لَكم بأمٍّ، فَالتَمِسُوا لِأَنفُسِكم أمّاً تُشبِهُ الصُّوَرَ التي رَسَمتُموها — فإنَّ ابنَ الفَاحِشَةِ لا يَكُونُ ابنَ المُطَهَّرَةِ بِنَصِّ كتابِ الله».

وَلْنَختِم بآيَةِ التَّبرئَةِ التي يَتَنَاسَاها هؤلاءِ كُلَّما فَتَحُوا أَفواهَهم بِالطَّعن:

﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]

فَإذا كان اللهُ قد بَرَّأَها — وَهو رَبُّ العالمين — فمَن يَجرُؤُ بَعدَ تَبرئَتِه أن يَنزِلَ بِنُكتَةٍ في عِرضِها؟ مَن جَرُؤَ على هذا، فقد جَرُؤَ على ما هو أَكبَر منه: لقد جَرُؤَ على تَكذيبِ خَالِقِ الكَون.


المحور السَّابع: قنفذٌ من النَّبل — الشَّاهدُ النَّاطقُ ببراءتها

روى الإمامُ الطَّبَريُّ في «التَّاريخ» (٤/٥٣٣) بإسنادٍ صَحيحٍ — كما نصَّ المحقِّق — عن أبي رَجَاءٍ قال:

«ذَكَرُوا يَوْمَ الْجَمَلِ، فَقُلْتُ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى خِدْرِ عَائِشَةَ كَأَنَّهُ قُنْفُذٌ مِمَّا رُمِيَ فِيهِ مِنَ النَّبْلِ. فَقُلْتُ لِأَبِي رَجَاءٍ: أَقَاتَلْتَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَمَيْتُ بِأَسْهُمٍ فَمَا أَدْرِي مَا صَنَعْنَ».

قراءةٌ معكوسةٌ لنصٍّ يُحاولُ القومُ توظيفَه:

هذا النَّصُّ — صحيحُ الإسناد بنصِّ المحقِّق — تُحَاولُ بعضُ الجهاتِ توظيفه لإثبات أنَّ عائشةَ كانت في قلبِ المعركةِ تَخوضُها كقائدةٍ ميدانيَّة. لكنَّ القراءةَ الصَّحيحةَ مُعاكسةٌ تماماً:

قراءةٌ منهجيَّةٌ تَكشِفُ الحقَّ:

أوَّلاً: عائشةُ في «خِدْرٍ»، لا في الميدان

النَّصُّ يَصِفها أنَّها في خِدْرٍ — وهو الهَوْدَجُ المُغطَّى المَستورُ فوقَ الجمل. والخِدْرُ في لسانِ العربِ رمزُ السِّتر والخفر، لا رمز القتال. لو كانت قائدةً عسكريَّة، لكانتْ في مَركَزِ القيادةِ على فرسٍ أو في خيمةِ قائد، لا في خِدْرٍ ساكنٍ مَحمولٍ.

ثانياً: «كأنَّه قُنْفُذ» — صورةُ المرمِيِّ لا الرَّامي

التَّشبيهُ بالقُنفذِ تشبيهٌ مَهيبٌ كاشفٌ: القنفذُ من الحيواناتِ المعروفِ عنها أنَّه لا يَهجِم، بل يَدفَع بأشواكه فقط. والقومُ يَرمونها حتَّى صار خِدرُها كَتلةً من النَّبل. فهي المُسْتَهْدَفَةُ، لا المُسْتَهْدِفَة؛ والمَرْميَّةُ بالسِّهام، لا الرَّامية.

ثالثاً: المُقابَلَةُ مع أبي رَجَاء

السَّائلُ يَسألُ أبا رَجَاء: «أَقَاتلتَ يومئذٍ؟» قال: «والله لقد رميتُ بأسهم...». فمن «الَّذي قاتَلَ»؟ أبو رجاءٍ ومن معه. ومن «الَّذي رُمِيَ»؟ عائشةُ في خِدْرها. والنَّصُّ بنفسِه يُفرِّقُ بين القاتلِ والمَرميِّ بأسلوبٍ بَيِّن.

رابعاً: شجاعةُ الصَّبر، لا شجاعةُ القتال

هي تَصبرُ في خِدْرها على وقعِ السِّهام، تَدعو إلى اللهِ، وتَحُثُّ الجندَ على إيقافِ الفتنة، ولا تَفِرُّ ولا تَهرب. وهذا صَبرٌ نَبَويٌّ مُورَّث، يَدُلُّ على شَجاعةٍ روحيَّةٍ لا عَسكريَّة، وهو في مَقامِ الصِّدِّيقيَّةِ لا في مَقامِ القِتال.

خامساً: نَفْيُ نِيَّةِ القتالِ يَتأكَّد

هذا النَّصُّ يُؤيِّدُ — لا يُعارِضُ — تَقريرَ المُهَلَّب: «لم يكن خروجُها على نيَّةِ القتال». فلو كانت خَرَجَتْ مُقاتلةً لما رُمِيَ خِدْرُها وهي في وَسَطه، بل لكانتْ على الخَيلِ تَركَبُ وتَصِلُ السِّهامَ إلى أعدائها، أو لكانت مُسلَّحةً.

لطيفةٌ بَيانيَّة:

تأمَّلْ كيف يُقرَأُ النَّصُّ نفسُه قراءتين: مَنْ كانَ مَرَضُ التَّشيُّعِ في قَلبِه قرأ منه «عائشةُ قاتلت»، ومَنْ كانَ منهجُ النَّقدِ في عَقله قرأ منه «عائشةُ رُمِيَت». فالنَّصُّ واحدٌ، والقراءاتُ تَختلِفُ بحسبِ هَوى القارئ. ومنهجُ السُّنَّةِ يَنحازُ إلى القراءةِ التي يَدُلُّ عليها لَفظُ الرِّوايةِ نفسُها: «كأنَّه قُنفذٌ ممَّا رُمِيَ فيه من النَّبل».


المحور الثَّامن: أَسانيدُ الافْتِراء — تشريحُ تقنيَّاتِ التَّزوير

من خلال استقراءِ الموادِّ المُقَدَّمَةِ في هذا المقال، يتبيَّنُ أنَّ التَّزويرَ على لسانِ عائشةَ ليس مُجرَّدَ حادثةٍ أو حادثتين، بل ظاهرةٌ مُؤسَّسةٌ على تقنيَّاتٍ سِتٍّ يَلزَمُ النَّاقدَ معرفتها:

التِّقنيَّةُ الأولى: التَّحريضُ بالكتابة المُزوَّرة

كما تَقدَّمَ في خَبَرِ ابنِ أبي حُذَيْفَة: تُكتَبُ رسائلُ بأسماءِ أمَّهاتِ المؤمنين، تَحتَوي على تَحريضٍ سياسيٍّ، ثمَّ تُقرَأُ في النَّاسِ كأنَّها صادرةٌ عنهنَّ. وهذا هو التَّزويرُ الأصليّ.

التِّقنيَّةُ الثَّانية: نقلُ الكلامِ بحُذُوفٍ كاشفة

قد يُنقَلُ كلامُها الحقيقيُّ مع حَذفِ سِياقهِ الذي يَكشِفُ مَقصِدها، حتَّى تَنقلِبَ الدَّلالة. ومثالُ ذلك: تُنقَلُ عبارةُ «تركتموه كالثَّوبِ من الدَّنس» وحدها بدون «والذي آمن به المؤمنون ما كتبتُ إليهم بسوادٍ في بياض». فيَخرجُ النَّاسُ بانطباعِ أنَّها تُؤيِّدُ قتلَ عثمان، بينما الواقعُ أنَّها تُنكِرُه أشدَّ الإنكار.

التِّقنيَّةُ الثَّالثة: إقحامُ ألفاظٍ مَنفِيَّةٍ في مَواطنِ السُّكوت

كأن يَأتيَ خَبَرٌ صحيحٌ لِنَفْي شَيءٍ، فيُضافُ إليه في رواياتٍ لاحقةٍ ألفاظٌ تُحوِّلُه إلى إثبات. والمَعصومُ من ذلك مُقابَلَةُ الرِّواياتِ بعضِها ببعض، وعَرضُها على الجامعِ الصَّحيح.

التِّقنيَّةُ الرَّابعة: ادِّعاءُ النَّدمِ في ساعةِ الموتِ أو ما يَقرُب

من أَخْبَثِ ما يَفعَلُه القومُ ادِّعاءُ أنَّها نَدِمَتْ في آخِرِ حياتها على «ما كان منها» في الجملِ ندماً يَعتَرِفُ بالخَطأ الشَّرعي. وهذا تَحريفٌ خبيث؛ لأنَّ المَعروفَ المُتواترَ أنَّ نَدَمها — إن صَحَّ — كان على ما أَصابَ النَّاسَ من قَتْلَى وَدِماء، لا اعتِرافاً بِخَطأ أصلِ الخروجِ للإصلاح. ولذلك تَجِدُها — في الرِّواية التي أَوْرَدَها البَلاذُريُّ في «أنسابِ الأشراف» — تَتَمَنَّى أن تكون قد قُتِلَتْ قبلَ مَقتلِ عثمان؛ وهذا تَأكيدٌ على بَراءَتِها من دمِه لا اعترافٌ بأخذ ثأرٍ منه.

التِّقنيَّةُ الخامسة: التَّزوير بالإسنادِ الرَّجعيِّ المُشَرَّف

يَأتي القومُ بإسنادٍ يَنتهي إلى راوٍ ثقةٍ من أهلِ السُّنَّة، لِيُمرِّروا متناً مَكذوباً يَخدمُ مذهبهم. والإمامُ مسلمٌ نفسُه نَبَّه على هذا في مُقدِّمَةِ «الصَّحيح»: «إنَّ القومَ يَسرِقُون الأسانيدَ».

التِّقنيَّةُ السَّادسة: تَزوير الموقفِ النَّفسيِّ

أَخْبَثُ التَّقنيَّاتِ كلِّها: لا يُخْتَرَعُ نصٌّ، بل تُلَوَّنُ روايةٌ صَحيحةٌ بنبرةٍ مُتَكَلَّفَة، كأن تُنسَبَ إليها لَفظَةٌ بنبرةٍ تَدُلُّ على التَّحدِّي أو العِنادِ بينما الأصلُ بنبرةٍ تَدُلُّ على الحُزن أو الاعتذار. وهذا يَكْثُرُ في إعادةِ سَردِ الرِّواياتِ في كُتبِ المُحدَثين الَّذين يَنقلونَ بصيغةِ «تَصرُّفٍ في المعنى» لا «نقلٍ بلفظِه».


المحور التَّاسع: الخاتِمَةُ الجامِعَة — قَواعِدُ الحُكمِ وَموازينُ الإنصاف

ها هنا نَختِمُ بِخُلاصةٍ نَظَريَّةٍ تَجمَعُ شَتاتَ المَحاور، وَتُؤطِّرُ المقالَ كُلَّه في بَيانٍ واحدٍ مُحكَم.

أوَّلاً: السِّتَّةُ التي كانتْ فيها أُمُّنا على الحقّ

بعدَ ثمانيةِ مَحاورَ من التَّحليلِ المُؤَصَّل، يَخرجُ القارئُ بِنَتيجَةٍ قاطعَة: كانتْ أُمُّنا الصِّدِّيقَةُ بنتُ الصِّدِّيقِ — عَلَيْهَا السَّلَام — على الحقِّ في سِتَّةِ مَواطن، أُجمِلُها هنا بِغيرِ تَكرارٍ لِما تَقدَّم:

الموطن مَوضِعُه في المقال حُجَّةُ كَونها على الحقّ
نَفيُ الوصيَّةِ لعليّ المحور الأوَّل شَهادَةُ عَيانٍ في «الصَّحيح»، وَالأصلُ بَقاءُ ما كان
رَفضُ نِسبَةِ الكُتُبِ التَّحريضيَّةِ إليها المحور الثَّالث قَسَمٌ مُغَلَّظٌ، وَصِناعةُ تَزويرٍ موثَّقةٌ تاريخيّاً
خُروجُها للإصلاحِ بين النَّاس المحور الثَّاني شَهادَةُ المُهَلَّب، وَامتثالُ آيةِ ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
مَوقِفُها من قَتَلَةِ عثمان المحور الثَّالث روايةُ «تَركتُموه كالثَّوبِ من الدَّنَس» في «تاريخ خليفة»
صَبرُها في خِدرها يَومَ الجمل المحور السَّابع تَشبيهُ «القُنفذ» يَدُلُّ على المَرميَّةِ لا الرَّامِيَة
صَبرُها على تَهديدِ «شِفار حَدَّاد» المحور الرَّابع إسنادٌ حَسَنٌ يَكشِفُ أنَّ خُروجَها كان مُكرَهَةً، فَسَتَرَتْ

وَهذه السِّتَّةُ مَجموعَةً تُؤَلِّفُ صورةً مُتكامِلَةً لِصِدِّيقيَّةِ أمِّ المؤمنين: في علمِها (الموطن الأوَّل)، وَفي صِدقِها (الثَّاني)، وَفي اجتهادِها (الثَّالث)، وَفي ضميرِها (الرَّابع)، وَفي شَجاعَتها (الخامس)، وَفي حِلمِها (السَّادس). فأَيُّ امرأَةٍ في تاريخِ الإسلامِ بَلَغَتْ هذه المنزلةَ المُجَمَّعَة؟

ثانياً: قاعدةُ الحُكم النِّهائيَّة — موازين أربعةٌ لِكُلِّ روايةٍ تَطعَنُ فيها

من تَأمَّلَ في هذا المقالِ بِمحاوِرِه التِّسعَة، خَرَجَ بقاعدةٍ مَنهجيَّةٍ شامِلَةٍ تَنطَبِقُ على كلِّ ما يَردُ في حقِّها:

كلُّ روايةٍ تَطعَنُ في أمِّ المؤمنينَ عائشة، أو تَنسبُ إليها كلاماً يَعترِفُ بمذهبِ الشِّيعةِ — في الوصيَّة، أو الإمامة، أو التَّحريضِ على عثمان، أو تَنالُ من حُرمَةِ بَيتها وَعِفَّتِها — يجبُ أن تُعرَضَ على أربعةِ مَوازين قبل قَبولها:

  1. ميزانُ الإسناد: هل صحَّ سندها بشروطِ المُحدِّثين الصَّارمة، أم أنَّ في رُواتها مَجاهيلَ كَ«عَمَّار بن عِمران»، أو مَتروكينَ، أو مَن أَعرَضَ عنهم أئمَّةُ المدينة كَ«عَلقَمةَ والأسود»؟
  2. ميزانُ المَعَارضة: هل تُعارِضُ ما ثبتَ في الصَّحيحين عنها من نَفيٍ صَريحٍ مُغَلَّظٍ بِالقَسَم؟
  3. ميزانُ السِّياق: هل تَنسجمُ مع ما وَثَّقَهُ المؤرِّخون من ظاهرةِ التَّزويرِ على لسانِها — كَصناعةِ ابنِ أبي حُذَيْفَة، وَكُتُبِ التَّحريضِ على عُثمان؟
  4. ميزانُ المَذهَب: هل قال بهذا الطَّعنِ أحدٌ من أئمَّةِ السُّنَّةِ، أم أنَّه — كما قال المُهَلَّب — «لا في الإسلامِ أحدٌ يقولُه إلَّا الشِّيعة»؟

فإذا سَقَطَتْ هذه الرِّواية في ميزانٍ واحدٍ من هذه الأربعة، فالحقُّ ردُّها وعدمُ الاحتجاجِ بها على أمِّنا الصِّدِّيقةِ بنتِ الصِّدِّيق. وإذا سَقَطَتْ في اثنين، فردُّها وَاجبٌ شَرعاً. وإذا سَقَطَتْ في الثَّلاثةِ أو الأربعةِ جَميعاً، فَنَقلُها مع العِلمِ بضَعفِها داخلٌ في حُكمِ القَذف.

ثالثاً: المعادلَةُ الَّتي يَختِمُ بها المقال

من جَماعِ ما تَقدَّم تَتَجَلَّى مُعادَلَتانِ تاريخيَّتانِ صَلْدَتانِ، لا يَنفَكُّ منهما عَقلُ المُنصِف:

(١) سُقوطُ حُرمَةِ بَيتِ النُّبوَّةِ = سُقوطُ الشَّرعيَّةِ الَّتي تَدَّعِيها يَدُ السَّيف.

(٢) قَبولُ الطَّعنِ في عائشةَ = رَدُّ تَبرئَةِ اللهِ لها في القُرآن.

فَالأولى تُخاطِبُ مَن أَكرَهَها بـ«شِفارِ الحَدَّاد»، وَالثَّانية تُخاطِبُ مَن أَكرَمَ نَفسَه بِتَرديدِ الأَساطيرِ المنسوجةِ على لِسانها. وَكلاهما — في ميزانِ الشَّرعِ — مَهزومٌ هَزيمةً نَكراء.

رابعاً: الكَلِمَةُ الأَخيرة

ومن وَقَفَ عند هذه القاعدةِ وَعَمِلَ بها، فقد سَلَكَ سَبيلَ الرَّاسخينَ من أهلِ الحديثِ والسُّنَّةِ، وَنَجَا من قَولَةٍ هي عند المُهَلَّبِ — وَعند جُمهورِ أهلِ الإسلامِ — قَولَةٌ شِيعيَّةٌ مَحضةٌ، لا يَقولُها مَنْ في قَلبِه ذَرَّةٌ من حُبِّ آلِ بَيتِ النَّبيِّ ﷺ — وعائشةُ مِنهم وَفيهم.

﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]

فَإذا كان اللهُ — رَبُّ العالمين — قد بَرَّأَها بِهذه الآيةِ المُحكَمَة، فَمَن يَجرُؤُ بَعدَه أن يَنزِلَ بِشُبهَةٍ في عِرضِها؟

مَن جَرُؤَ على هذا، فقد جَرُؤَ على ما هو أَكبَرُ منه: لقد جَرُؤَ على تَكذيبِ كتابِ ربِّ العالَمين.


ملحقٌ: المصادرُ المُعتَمَدةُ في المقال

الكتاب المؤلف الموضع
الجامع الصَّحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاريّ (ت ٢٥٦هـ) (٤٤٣٧)، (٤٤٣٨)، (٤٥٩١)
شرح صحيح البخاريّ أبو الحسن عليّ بن خلف ابن بطَّال (ت ٤٤٩هـ) الجزء العاشر
تاريخ الطَّبريّ أبو جعفر محمد بن جرير الطَّبريّ (ت ٣١٠هـ) (٤/٥٣٣)، (٤/٥٤١–٥٤٢)، (٤/٥٤٥–٥٤٦)
تاريخ خليفة بن خَيَّاط خليفة بن خَيَّاط العُصْفُريّ (ت ٢٤٠هـ) (١٧٦)
أخبار المدينة عمر بن شَبَّة النُّمَيريّ (ت ٢٦٢هـ) الجزء الخامس (٢١٧٤)
مصنَّف ابن أبي شَيْبة عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ) (٤٠٦٣٤)، (١٥/٢٨٥)
البداية والنِّهاية الحافظ ابن كثير الدِّمشقيّ (ت ٧٧٤هـ) (٧/١٩٥)
الإصابة في تمييز الصَّحابة الحافظ ابن حجر العسقلانيّ (ت ٨٥٢هـ) (٢/٣١٧)
تهذيب التَّهذيب الحافظ ابن حجر العسقلانيّ (ت ٨٥٢هـ) (٥/٣٧٨)
منهاج السُّنَّة النَّبويَّة شيخ الإسلام ابن تيميَّة (ت ٧٢٨هـ) متفرِّق
التَّاريخ الكبير (تاريخ ابن أبي خَيثَمَة) أبو بكر أحمد بن أبي خَيثَمَة زُهَير بن حَرْب (ت ٢٧٩هـ) (٣٢٧٢)
الجامع الصَّحيح (صحيح مسلم) الإمام مسلم بن الحجَّاج النَّيسابوريّ (ت ٢٦١هـ) كتاب الطَّهارة، باب حُكم المَنيّ (١٠٥، ١٠٦)
صحيح البخاريّ الإمام محمد بن إسماعيل البخاريّ (ت ٢٥٦هـ) كتاب الهبة، باب الاستعارة للعروس عند البناء (٢٦٤٥)
الجامع لشُعَب الإيمان الإمام البَيهَقيّ (ت ٤٥٨هـ) (٧٨٢٩)
فتح الباري شرح صحيح البخاريّ الحافظ ابن حجر العسقلانيّ (ت ٨٥٢هـ) شرح حديث الدِّرع والقِطْر

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ — وَمِنْهُنَّ أُمُّنَا عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ — وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.