لحظة التأسيس: السقيفة بين الدولة والعائلة
في تاريخ الأمم، هناك لحظات مفصلية تحدد مصيرها: إما بناء مؤسسة شرعية أو الانزلاق نحو حكم السلالة. عند وفاة النبي ﷺ، وقفت الأمة أمام امتحان تأسيسي، فنجح تيار الدولة في تأسيس الشرعية عبر الشورى، بينما قاد تيار العائلة مشروعاً موازياً انتهى بالمعارضة الشرسة. هذا المقال يفكك السردية بأدوات التحليل السياسي.
خطة المقال
- السقيفة: تحويل المرجَّح إلى عقد دستوري
- ميزان الترجيح قبل السقيفة
- الاستباق السياسي والغموض البنّاء
- السقيفة: انتصار الجمهورية على الأوليغارشية
- من المقاطعة إلى قيادة الثورة المضادة
- خلاصة معضلة الشرعية
السقيفة: تحويل المرجَّح إلى عقد دستوري
السقيفة لم تكن مصنع شرعية طارئة، بل كانت تحويلًا سياسيًا لما كان حاضرًا في وعي الجماعة إلى عقد دستوري يمنع توريث الدولة. ترتيب أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضيالله عنهم كان معهودًا في زمن النبي ﷺ، وهو إقرار عملي لتفوّق الكفاءة والسابقة. حين مات المؤسس ﷺ، لم يتحرك تيار الدولة ليختطف الحكم، بل ليثبّت قاعدة: السلطة حق للأمة بعقد الشورى و البيعة، لا امتياز يُستخرج من الدم والقرابة.
ميزان الترجيح قبل السقيفة
ابن عمر رضي الله عنه يصف واقعًا سياسيًا قائمًا في زمن النبي ﷺ: الصحابة رضوان الله عنهم كانوا يعرفون ترتيب التفوّق القيادي ويصرّحون به علنًا. هذا ليس حديث فضائل، بل تقرير لمناخ ترجيح عام سبق يوم القرار. إذا كان ميزان الترجيح موجودًا قبل الفراغ الدستوري، فالسقيفة تصبح آلية نقل سلطة لا انقلابًا على إرادة.
الاستباق السياسي والغموض البنّاء
لم تكن أطماع الهاشميين في السلطة وليدة يوم السقيفة، بل كانت هاجساً يدرك خطورته كبار ساسة بني هاشم. يروي البخاري مشهداً قبيل وفاة النبي ﷺ، حيث أدرك العباس رضي الله عنه أن الأمر سيفلت منهم. رفض علي الذهاب للنبي ﷺ ليس زهدًا، بل استراتيجية غموض سياسية: لو صرح النبي ﷺ بالرفض، ستموت الشرعية الدينية لطموحه للأبد.
: الغموض البنّاء في علم السياسة
في العلوم السياسية، هذا ما يسمى Strategic Ambiguity. كان علي يدرك أن النبي ﷺ لو صرّح بالرفض (وهو المرجح)، فإن "الشرعية الدينية" لطموحه ستموت للأبد. فاختار إبقاء الأمر مسكوتًا عنه ليحتفظ بفسحة للتأويل والمطالبة لاحقاً، بدلاً من تلقي فيتو دستوري مباشر من النبي ﷺ .
السقيفة: انتصار الجمهورية على الأوليغارشية
اجتماع السقيفة كان جمعية تأسيسية أقرت مبدأً : الحكم عقد اجتماعي وليس حقًا بيولوجيًا. انعزل علي في منزله، وكانت المقاطعة السياسية تهدف لنزع الشرعية عن النظام الجديد. ثم إستخدم علي "ورقة ضغط" قوية هي السيدة فاطمة رضوان الله عليها لتعطيل الإجماع، لكن بمجرد وفاتها سقط الغطاء السياسي وأرسل علي لأبي بكر رضي الله عنه ليفاوضه على البيعة مشترطًا إبعاد عمر رضي الله عنه .
من المقاطعة إلى قيادة الثورة المضادة
استراتيجية علي في عهد الشيخين رضوان الله عنهما كانت المعارضة السلبية، وتحولت في عهد عثمان الشهيد رضي الله عليه إلى المعارضة النشطة وتشكيل حكومة ظل. تشكلت حوله خلية ثورية: عمار بن ياسر، الأشتر النخعي، محمد العاق ربيب علي. لم يكن هدفهم الإصلاح الإداري، بل إسقاط النظام للعودة إلى حكم العائلة.
تنبيه تاريخي ضروري
الثورة المضادة بدأت بخطاب طعن في الشرعية، وتسخين للشارع، واستدعاء للعاطفة ضد الدولة.
من المعارضة السلبية إلى حكومة الظل
إذا كانت استراتيجية علي في عهد الشيخين (أبي بكر وعمر) هي المعارضة السلبية (Passive Resistance) بسبب قوة الدولة وهيبة عمر، فإن الاستراتيجية تحولت في عهد عثمان بن عفان رضي الله عليه إلى المعارضة النشطة (Active Opposition) وتشكيل ما يعرف في علم السياسة بـ حكومة الظل (Shadow Government).
الدولة في عهد عثمان رضي الله عليه اتسعت، وبدأت القوى الطامحة تتشكل. هنا، لم يعد علي مجرد "زاهد"، بل صار الرمز الروحي لتيار المعارضة الراديكالية.
- عمار بن ياسر: المحرك العاطفي للجماهير.
- الأشتر النخعي: القائد الميداني للميليشيات (الجناح العسكري).
- محمد بن أبي بكر (ربيب علي): الوجه الشاب المندفع.
ما فعله عليّ كان بدايةً لتآكل الهيبة الراشدة في نفوس العامة، إذ شجع آخرين على الجرأة في النقد والطعن في القيادة، وفتح الباب أمام خطاب المعارضة العدواني الذي انتهى بمقتل الخليفة الثالث واندلاع الفتنة الكبرى.
لو شبّهنا الموقف بعصرنا، فهو كأن يقوم أحد "وزراء الدولة" اليوم في مؤتمرٍ إسلامي عالمي، فيُهاجم رئيسه أمام الوفود ويطعن في دينه. إنّ أيّ دولةٍ اليوم ستراه تحريضًا صريحًا على الفوضى وزعزعةً للأمن الوطني، لا "حرية رأي" كما يتوهم الغافلون.
إن عليًا لم يعذر عثمان رضي الله عليه في اجتهاده، ولم يتأول له الخير، بل واجهه باتهامٍ مباشرٍ بأنه خالف السنة، وهو ما لا يجوز في مقام السياسة الشرعية التي تقوم على الستر والنصيحة لا على التشهير.
الحادثة كما رواها المؤرخون
نهى الخليفة عثمان رضي الله عنه الناس عن التمتّع بالعمرة إلى الحج، واستحبَّ الإفراد؛ وهو ما رآه فقهًا راجحًا اقتداءً برسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر من بعده. فلما بلغ ذلك عليًّا، ثار وغضب، وجاء إلى عثمان رضي الله عليه في موسم الحج وقال أمام الحضور:
"ما تريدُ إلا أن تنهى عن أمرٍ فعله النبي ﷺ!"، ثم لبّى علي بالحج والعمرة معًا.
كان المشهد أمام الوفود القادمة من الشام ومصر والعراق وإفريقيا، فكان أثره كبيرًا على النفوس، إذ بدا عليًّا يطعن في فقه الخليفة أمام الأمة ويُحرجه في أقدس بقاع الأرض.
تشير الدلائل التاريخية وتحليل الخطاب السياسي لتلك المرحلة إلى أن علياً لم يكن بعيداً عن هذا الحراك. فبينما كان عثمان رضي الله عليه يمارس شرعيته الدستورية، كان هؤلاء المحيطون بعلي يطعنون في هذه الشرعية ويهيئون الأجواء للفوضى. لم يكن هدفهم "الإصلاح" بمفهومه الإداري، بل كان هدفهم إسقاط النظام (Regime Change) للعودة إلى المربع الأول: حكم العائلة.
خلاصة
لقد أسس أبو بكر وعمر وعثمان رضوان الله عنهم دولة المؤسسات القائمة على الشورى والاختيار وحق الأمة في تقرير مصيرها. في المقابل، قاد علي تياراً يعتقد أن السلطة حق إلهي/عائلي، ووفّر الغطاء السياسي لقتلة الخليفة الشرعي عثمان رضي الله عليه. عظمة الصحابة تتجلى في أنهم اختاروا الدستور ورفضوا الوراثة، وهو الدرس الذي يجب أن تعيه الأجيال اليوم.
قاد علي تياراً يعتقد أن السلطة Divine Right (حق إلهي/عائلي)، أي أن الحكم امتياز مقدس ينتقل بالدم لا بالعقد. هذا التصور هو أصل النزاع بين منطق الدولة ومنطق العائلة.
نداءٌ للأمة: سدّ الثغرات وفضح الحياد
التاريخ الإسلامي ليس “أسطورة سلالة”، بل حياة أمة صعدت بالشورى والعدل، وسقطت حين صارت الشرعية “حقّ دمٍ” لا حقّ أمة.
حين نُدرك أن كثيرًا من “المسلَّمات” صُنعت في أتون الصراع على الشرعية، نفهم لماذا ظلّت الأمة تتنازع: لأن الوعي بُني على سؤالٍ مريض: من يحق له الحكم بالنَّسَب؟ بينما السؤال القرآني الصحيح هو: من يحق له الحكم بالعدل والشورى والتقوى؟
فكل وعيٍ تاريخيٍّ يُقدّس الدم قبل الشورى، هو وعيٌ مُصمَّمٌ لإدامة الفتنة، لا لإنهائها.
وكل أمةٍ لا تجرؤ على نقد “الشرعية المصنوعة” ستظل تدور في نفس الحلقة: سلالةٌ تُؤلَّه، وأمةٌ تُستَخدَم، وتاريخٌ يُكتَب مرةً أخرى لخدمة السلطان.
الصمت عند اشتعال الفتنة موقف يقوّي المتراس الذي يحمي الجريمة. الحياد حين يكون الدم موضوع النزاع ليس حيادًا؛ هو انحياز مستتر. واجب الأمة عملي وواضح: إغلاق منافذ التترّس سياسيًا ورواييًا، مساندة الجهد العلمي لفرز الصحيح من المسموم، وتجريم فكرة أن المكانة تعطل العدالة.
من لم يكن في خندق العدل والقصاص فهو، شاء أم أبى، يرمّم خندق الحصانة.
هوامش وتوثيق
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.