حديثُ ابنِ المسيِّب في قصّةِ الشاميِّ
يتكرَّرُ في مجالسِ المناظرةِ الاحتجاجُ بأثرٍ في «موطّأ مالك» مضمونُه أنَّ رجلًا من أهلِ الشامِ وجد مع امرأتِه رجلًا فقتلَه، فأشكلَ على معاويةَ بنِ أبي سفيانَ القضاءُ فيه، فكتبَ إلى أبي موسى الأشعريِّ ليسألَ له عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه عن ذلك. ويُساقُ هذا الأثرُ مساقَ الطعنِ في فقهِ معاويةَ، وأنه كان يَعجِزُ عن النوازلِ حتى يَستمدَّ من غيرِه.
والجوابُ العلميُّ لا يُبنى على ردِّ المعنى ابتداءً، بل على ميزانٍ واحدٍ يحتكمُ إليه أهلُ الحديثِ جميعًا: ميزانِ الإسناد. فإنَّ الخبرَ — مهما كان متنُه — لا يُحتجُّ به حتى يصحَّ سندُه. وهذا الأثرُ بعينِه نصَّ أئمةُ النقدِ على أنه مُرسَلٌ منقطعٌ لا تقومُ به حُجّةٌ، كما سيأتي بيانُه بالنقلِ عن مظانِّه.
١تحريرُ موضعِ الأثرِ وألفاظِه
الأثرُ أخرجَه مالكٌ في «الموطّأ» في «بابِ القضاءِ فيمن وجدَ مع امرأتِه رجلًا»، من روايةِ أبي مصعبٍ الزُّهريِّ، عن مالكٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب: أنَّ رجلًا من أهلِ الشامِ — يقالُ له ابنُ خَيبَريٍّ — وجدَ مع امرأتِه رجلًا فقتلَه أو قتلَها، فأشكلَ على معاويةَ القضاءُ فيه، فكتبَ إلى أبي موسى الأشعريِّ يسألُ له عن ذلك عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه.
فالمدارُ في هذا الإسنادِ على سعيدِ بنِ المسيِّب، يَرويه عن القصّةِ مباشرةً، من غيرِ أن يَذكرَ بينه وبين أصحابِها — معاويةَ وأبي موسى وعليٍّ — أيَّ واسطةٍ سمعَ منها الخبرَ. وهذا هو موضعُ العلّة.
٢تنصيصُ الأئمّةِ على أنه مُرسَلٌ من مراسيلِ ابنِ المسيِّب
لم نُحمِّلِ الأثرَ وصفَ الإرسالِ من عندِ أنفسِنا، بل نصَّ عليه شارحُ الموطّأ القاضي أبو بكرٍ ابنُ العربيِّ المعافريُّ في «المسالكِ في شرحِ موطّأ مالك»، فقال بعد إيرادِ القصّة:
قد تبيَّنَ أنَّ هذا حديثٌ مُرسَلٌ من مراسيلِ ابنِ المسيِّب، والأحاديثُ في هذا البابِ عزيزةٌ جدًّا. — ابن العربي، المسالك في شرح موطأ مالك، المجلد السادس، ص ٣٦٠
فهذا تصريحٌ من إمامٍ مالكيٍّ عارفٍ بالموطّأ ورجالِه بأنَّ الخبرَ مُرسَلٌ. والإرسالُ — كما هو مقرَّرٌ في علومِ الحديثِ — أن يَرفعَ التابعيُّ الخبرَ مُسقِطًا الواسطةَ بينه وبين مَن فوقَه؛ وابنُ المسيِّب وإن كان سيِّدَ التابعينَ فإنه لم يُدرِكْ مجرياتِ هذه القصّةِ ولا حضرَها، ولم يُسنِدْها إلى مَن حدَّثه بها.
٣حكمُ المرسَلِ وأنَّ مرسلَ ابنِ المسيِّب لا يُقبلُ إلا بعاضد
المرسَلُ عند جمهورِ المحدِّثينَ من قبيلِ الضعيفِ الذي لا يُحتجُّ به على انفرادِه؛ لأنَّ الساقطَ مجهولٌ، لا يُدرى أثقةٌ هو أم غيرُ ثقةٍ. وأمّا الإمامُ الشافعيُّ — وهو أكثرُ الأئمّةِ عنايةً بضبطِ شروطِ قبولِ المرسَلِ — فقد جعلَ لمراسيلِ كبارِ التابعينَ مزيّةً، لكنه لم يَقبَلْها مطلقًا، بل علَّقَ قبولَها على عاضدٍ يُؤكِّدُها.
وقد حرَّر الإمامُ النوويُّ هذا الموضعَ في مقدّمةِ «المجموعِ شرحِ المهذَّب» في «فصلِ الحديثِ المرسل»، فذكرَ أنَّ الشافعيَّ جعلَ لمراسيلِ كبارِ التابعينَ مزيّةً على غيرِهم، واستحسنَ مرسلَ سعيدِ بنِ المسيِّب، ثم نقلَ عن الحافظِ أبي بكرٍ البيهقيِّ نصَّ الشافعيِّ، قال:
فالشافعيُّ يَقبَلُ مراسيلَ كبارِ التابعينَ إذا انضمَّ إليها ما يُؤكِّدُها، فإن لم يَنضمَّ لم يَقبَلْها، سواءٌ كان مرسلَ ابنِ المسيِّب أو غيرِه. — البيهقي، نقلًا عن النووي في المجموع
فهذا نصٌّ صريحٌ في موضعِ النزاعِ: أنَّ مرسلَ ابنِ المسيِّب نفسِه — على جلالتِه — لا يُقبلُ إلا إذا انضمَّ إليه ما يُؤكِّدُه ويَعضُدُه، وإلا رُدَّ. وعواضدُ القَبولِ التي ذكرها الشافعيُّ في «الرسالة» في بابِ المنقطعِ أربعةٌ:
- أن يُروى الحديثُ مُسنَدًا متّصلًا من وجهٍ آخر.
- أن يُروى مُرسَلًا من وجهٍ آخرَ، يَرويه مَن أخذ العلمَ عن غيرِ شيوخِ المُرسِلِ الأوّل.
- أن يوافقَه قولُ بعضِ الصحابة.
- أن يُفتيَ بمقتضاه أكثرُ أهلِ العلم.
٤إلزامُ الخصمِ بدليلِه — البيهقيُّ حُجّةٌ عليه لا له
ومِن لطيفِ ما يُلزَمُ به المخالفُ أنه هو الذي بدأ فاحتجَّ بالبيهقيِّ، وظنَّ أنَّ في قولِ الشافعيِّ «استحسنتُ مرسلَ سعيدٍ» إطلاقًا يُصحِّحُ كلَّ ما أرسلَه ابنُ المسيِّب. ونحن نأخذُ بالبيهقيِّ كما أخذ، لكنَّ البيهقيَّ نفسَه — وهو إمامٌ شافعيٌّ خبيرٌ بنصوصِ الشافعيِّ — لا يُطلِقُ بل يُفصِّل؛ فقد نقلَ النوويُّ عنه قولَه صريحًا:
وقد ذكرنا مراسيلَ لابنِ المسيِّب لم يَقبَلْها الشافعيُّ حين لم يَنضمَّ إليها ما يُؤكِّدُها، ومراسيلَ لغيرِه قال بها حيث انضمَّ إليها ما يُؤكِّدُها. — البيهقي، نقلًا عن النووي في المجموع
فهذا نصُّ البيهقيِّ الذي احتجَّ به الخصمُ، شاهدٌ عليه لا له: فقد ردَّ الشافعيُّ مراسيلَ ابنِ المسيِّب بأعيانِها حين تجرَّدت عن العاضد. ونبَّه النوويُّ على بطلانِ التعلُّقِ بقولِ «إرسالُه حسنٌ» مجرّدًا، فقال: «ولا يصحُّ تعلُّقُ مَن قال إنَّ مرسلَ سعيدٍ حجّةٌ بقولِه: إرسالُه حسنٌ؛ لأنَّ الشافعيَّ لم يَعتمِدْ عليه وحدَه، بل اعتمدَه لمّا انضمَّ إليه عاضدُه».
ثم إنَّ أقوى العواضدِ التي عدَّها الشافعيُّ في «الرسالة» لتقويةِ مرسلِ كبارِ التابعينَ: أن يُرسِلَ الحديثَ تابعيٌّ آخرُ، أخذ العلمَ عن غيرِ رجالِ المُرسِلِ الأوّل. فالمقصودُ بـ«ما يَعضُدُها» في خصوصِ هذا الباب: أن يَرويَ القصّةَ تابعيٌّ ثانٍ غيرُ ابنِ المسيِّب، بطريقٍ مستقلّةٍ، فيشهدَ لها.
فإن وُجِدَ هذا التابعيُّ الثاني صحَّحناها على شرطِ الشافعيِّ الذي يحتجُّ به الخصمُ نفسُه. وإن لم يَرْوِها إلا ابنُ المسيِّب وحدَه — وهو الواقعُ — فالروايةُ منقطعةٌ ضعيفةٌ لا تصحُّ، بنصِّ الشافعيِّ والبيهقيِّ معًا.
فاستدلالُ الخصمِ بالبيهقيِّ أوّلًا قد انقلبَ عليه؛ لأنَّ البيهقيَّ هو الذي اشترطَ العاضدَ، وهو الذي نصَّ على أنَّ مراسيلَ ابنِ المسيِّب رُدَّت عند فقدِه. فإمّا أن يأتيَ الخصمُ بتابعيٍّ ثانٍ رواها، وإمّا أن يُسلِّمَ بأنها مرسَلةٌ لا تقومُ بها حُجّةٌ. ولا ثالثَ.
٥تطبيقُ الميزانِ — لا عاضدَ هنا، فلا حُجّة
إذا تقرَّر أنَّ القَبولَ معلَّقٌ على العاضدِ، انتقلَ النظرُ إلى السؤالِ الحاسمِ: هل لهذه القصّةِ بعينِها عاضدٌ يَرفعُها عن رتبةِ المرسَلِ المردود؟ والجوابُ: لا. وقد نبَّه ابنُ العربيِّ نفسُه إلى ندرةِ ما في هذا البابِ بقولِه «والأحاديثُ في هذا البابِ عزيزةٌ جدًّا»، أي قليلةٌ نادرةٌ؛ فلا مُسنَدَ يَشهَدُ لها، ولا طريقَ أخرى مستقلّةً تُقوِّيها في خصوصِ نسبةِ هذا الإشكالِ إلى معاويةَ وهذه المكاتبةِ المعيَّنة.
بل إنَّ المرفوعَ الصحيحَ في أصلِ المسألةِ — أي مسألة مَن وجدَ مع امرأتِه رجلًا، واشتراطِ الشهودِ، ومنعِ إقامةِ الحدِّ بالهوى والغضب — إنما جاء من طريقٍ أخرى لا تثبتُ بها هذه القصّةُ الخاصةُ في شأن معاويةَ. فالفرقُ ظاهرٌ بين أصلِ المسألةِ الفقهيّة وبين نسبةِ الإشكالِ والمكاتبةِ إلى معاويةَ. الأولى لها أصلٌ صحيح، والثانيةُ مدارُها على إرسالِ ابنِ المسيِّب وحدَه، لا تَعدوه إلى إسنادٍ متّصل.
والنتيجةُ المنهجيّةُ: أنَّ مَن احتجَّ بهذه القصّةِ على معاويةَ قد بنى دعواه على خبرٍ ساقطِ السندِ بميزانِ الجمهور، مردودٍ بشرطِ الشافعيِّ الذي يُعظِّمُ مراسيلَ ابنِ المسيِّب؛ فسقطَ الاستدلالُ من أصلِه، إذِ الفرعُ لا يَثبُتُ بأصلٍ منهار.
٦تنبيهٌ على خللِ التوظيفِ الانتقائيِّ للمراسيل
ثَمَّ ملحظٌ منهجيٌّ يُقالُ بإنصافٍ: مَن جعلَ ميزانَه في الترجيحِ بين الصحابةِ ما يَستحسنُه من الأخبارِ لا ما يَصِحُّ منها، فقد خالفَ طريقةَ أهلِ العلم. فالنَّصَفةُ تقتضي أن يُحتكَمَ إلى السندِ أوّلًا، فما صحَّ قُبِلَ على مَن كان، وما لم يَصِحَّ رُدَّ ولو وافقَ الهوى. وليس من العدلِ أن تُقبلَ المنقطعاتُ يومَ تُوافقُ غرضًا وتُردَّ يومَ تُخالفُه؛ فإنَّ هذا تحكُّمٌ يُفسِدُ صناعةَ النقد.
وأمّا معاويةُ بنُ أبي سفيانَ رضي الله عنه فهو كاتبُ الوحيِ، وصهرُ النبيِّ ﷺ، وأميرٌ وَلِيَ أمرَ المسلمينَ سنينَ. وكونُه يَستوثقُ في نازلةٍ مشكِلةٍ — لو صحَّ الخبرُ — لا يكونُ مَنقَصةً، بل هو من كمالِ الورعِ في القضاء؛ فإنَّ مشاورةَ أهلِ العلمِ سنّةُ الراشدين، وقد كان عمرُ نفسُه يَستشيرُ ويَرجِعُ. فكيف والخبرُ لا يَثبُتُ أصلًا؟
۞الخُلاصة
- الأثرُ في «الموطّأ» من روايةِ سعيدِ بنِ المسيِّب عن القصّةِ بلا واسطةٍ مذكورة.
- نصَّ ابنُ العربيِّ في «المسالك» على أنه «مُرسَلٌ من مراسيلِ ابنِ المسيِّب»، وأنَّ ما في البابِ عزيزٌ جدًّا.
- مرسلُ ابنِ المسيِّب — بنصِّ الشافعيِّ المنقولِ في «مجموع» النوويِّ عن البيهقيِّ — لا يُقبلُ إلا بعاضد.
- البيهقيُّ الذي احتجَّ به الخصمُ أوّلًا هو نفسُه القائلُ إنَّ مراسيلَ ابنِ المسيِّب رُدَّت عند فقدِ العاضد؛ فدليلُه حُجّةٌ عليه لا له.
- فإمّا أن يأتيَ المخالفُ بتابعيٍّ ثانٍ رَوى القصّةَ فنصحِّحَها على شرطِه، وإمّا أن يُسلِّمَ بأنها منقطعةٌ ضعيفةٌ لا تصحُّ.
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.