مجلّة معاويةباب آداب المُناظرة وقواعد الجَدَل · النقلُ المُجرَّد عن الحُكم والتهويل
قاعدةٌ في رَدِّ اشتراطِ الجوابِ
بـ«نَعَمْ» أو «لا» في المُناظرة
تحريرُ مَتى يَلزَمُ الحَصْرُ ومَتى يَجبُ التفصيل
إذا اشترط الخصمُ في صدر المُناظرة أن يكون جوابُك بـ«نَعَم» أو «لا» لا ثالثَ لهما، وإلّا امتنع عن المُحاورة؛ فهذا الشرطُ لا يُسلَّم على إطلاقه، بل يُفصَّل فيه: فيُقبَل حيث كانت القِسمةُ العقليّةُ دائرةً بين النفي والإثبات، ويُرَدُّ حيث كانت المسألةُ مُركَّبةً ذاتَ تفصيلٍ وقُيود. وبيانُ ذلك على الوُجوه الآتية.
الوجه الأوّل: أنّه مُصادرةٌ على المطلوب
إنّ فَرضَ الثُّنائيّةِ سَلَفًا افتراضٌ بأنّ المسألةَ بسيطةٌ تَقبَلُ الحَصْرَ في النفي والإثبات، وهذا عينُ مَحَلِّ النِّزاع؛ إذ ربّما كانت المسألةُ مُركَّبةً. فإلزامُك بالجوابِ المُفرَد قبلَ تحريرِ مَحَلِّ النِّزاع تَحكُّمٌ، لأنّه بَنى القاعدةَ على ما لم يُسلَّمْ له به بعدُ.
الوجه الثاني: أنّ حقَّ المُجيبِ التفصيل
إذا وَرَدَ على المُجيبِ سؤالٌ يَحتمِلُ وَجهَين فأكثر، كان فَرضُه التفصيلَ لا الإجمال، ومن قواعدهم المُقرَّرة: «لا يُجابُ المُجمَلُ إلّا بالتفصيل»، وقولهم: «التفصيلُ في موضعِ الإجمالِ بَيانٌ، والإجمالُ في موضعِ التفصيلِ تلبيسٌ». فمن مَنَعك التفصيلَ فقد منعك حقًّا من حقوقِ المُناظرة.
الوجه الثالث: أنّه بابٌ من «السؤالِ المُركَّب»
اشتراطُ «نعم أو لا» في كلِّ سؤالٍ يَفتحُ بابَ السؤالِ المُركَّب؛ وهو أن يُورِدَ المُغالِطُ سؤالًا مَطويًّا فيه دعوى لم يُسلَّمْ بها، فيكونَ كِلا الجوابَين إقرارًا بتلك الدعوى الخفيّة.
مثالٌ مُقرَّر عند أهل العلم: لو قيل لمن لم يُصَلِّ أصلًا: «أَفأتممتَ صلاتَك أم قَصَرتَها؟» فالجوابُ بأحدهما إقرارٌ بأصلِ الصلاةِ وهو غيرُ واقع. فالصوابُ إبطالُ السؤالِ من أصلِه، لا الانحباسُ في خِيارَيه.
الوجه الرابع: أنّ مَبنى المُناظرةِ طلبُ الحقّ
المُناظرةُ العادلةُ مَبناها على طلبِ الحقِّ لا على إفحامِ الخصمِ بالحِيَلِ اللفظيّة. ومن جَعَل غايتَه إلزامَك بصورةٍ من الجوابِ تُفضي إلى باطلٍ لا تُريده، فقد نَقَل المُناظرةَ من مقامِ التحقيقِ إلى مقامِ المُغالَبة. قال ابنُ تيميّة في معرضِ ذمِّ هذا الجنسِ من الجَدَل: إنّ المقصودَ إظهارُ الحقِّ لا قَهرُ الخصم، فإذا انعكسَ القصدُ فَسَدَت المُناظرة.
الميزانُ الفارق
السؤالُ الفاصلُ واحدٌ يَسير: هل القِسمةُ العقليّةُ في المسألةِ دائرةٌ بين النفيِ والإثباتِ حقًّا، بحيث يَلزَمُ من رفعِ أحدهما ثبوتُ الآخر؟ فإن كانت كذلك فالإلزامُ حقٌّ، ومَن أبى الانحصارَ فهو المُراوِغ. وإن كانت ذاتَ تفصيلٍ وقُيودٍ وجِهات، فالإجابةُ بـ«نعم» أو «لا» مُجرَّدةً تَجَنٍّ على الحقيقة.
الجوابُ العمليّ في المُناظرة
يُقال للخصم صَراحةً: «أُجيبُك بـ‹نعم› أو ‹لا› فيما كانت قِسمتُه عقلًا دائرةً بينهما، فهذا حقٌّ ألتزمُه ولا أُراوِغُ فيه؛ فإن كان سؤالُك من هذا الجنسِ فهاتِه أُجِبْك جوابًا حاصرًا. وأمّا ما كان مُركَّبًا ذا تفصيلٍ وقُيود، فلا يَستقيمُ فيه الإجمال، وإلزامي به تَحكُّمٌ لا يَقبلُه النَّظر؛ فإن شئتَ مُناظرةَ تحقيقٍ زِدناها بَيانًا، وإن أبَيتَ إلّا حَصرًا تَعجِزُ المسألةُ عن قَبولِه، فالامتناعُ منك لا منّي».
فبهذا تكونُ قد سلّمتَ له بحقِّه حيثُ كان حقًّا، ومَنَعتَه ما ليس له، وكَشَفتَ أنّ امتناعَه عن المُحاورة — إن أصرَّ — راجعٌ إلى ضِيقِ قاعدتِه لا إلى قُصورٍ في جوابِك.
۞ ❁ ۞مجلّة معاوية — مَنهجُ النقلِ المُجرَّد عن الحُكمِ والتهويل
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.