مسألة خلق القرآن وكلام الله — الأقوال الفكرية عبر التاريخ
أولاً: تأصيل المسألة وسبب نشوئها
نشأت المسألة من تقاطع الفكر اليوناني مع الإسلام في القرن الثاني الهجري، إذ أثار المعتزلة — المتأثرون بمقولات أرسطو في القِدَم والحدوث — سؤالاً جوهرياً: هل القرآن قديم أزلي كالله، أم محدَث مخلوق؟ وهل الكلام صفة ذاتية لله أم فعلية؟
ثانياً: المدارس الفكرية الكبرى وأقوالها
🔵 ١. المعتزلة — مذهب الخَلق
المؤسسون والأعلام: واصل بن عطاء (ت. 131هـ)، عمرو بن عبيد، أبو الهذيل العلّاف، النظّام، الجاحظ، القاضي عبد الجبار (ت. 415هـ).
الموقف العقدي:
- القرآن مخلوق محدَث، أوجده الله في زمان ومكان
- استدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
- تقسيمهم: الكلام النفسي منتفٍ عن الله، والكلام هو الأصوات والحروف وهي حادثة
- الغرض العقدي: صون التوحيد من إثبات قديم مع الله (تعدد القدماء يشبه الإشراك)
دليلهم العقلي الرئيسي:
لو كان القرآن قديماً لكان شريكاً لله في القِدَم، وهذا شرك ثنوي
الامتحان والتفتيش (218–234هـ): في عهد المأمون، المعتصم، الواثق — فُرض القول بخلق القرآن رسمياً، وعُذِّب العلماء المخالفون، وكان أبرزهم الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض وصمد.
🔴 ٢. أهل الحديث والحنابلة — مذهب القِدَم المطلق (في الرواية الشائعة)
الأعلام: الإمام أحمد بن حنبل (ت. 241هـ)، عبد الله بن المبارك، إسحاق بن راهويه، البخاري، ابن قتيبة.
الموقف:
- القرآن كلام الله غير مخلوق
- التوقف عن التأويل والتفسير — "بلا كيف"
- الإمام أحمد فرّق بين:
- الكلام النفسي (المعنى القائم بالله): قديم غير مخلوق
- الأصوات والحروف المتلفَّظ بها من البشر: أفعال بشرية
موقف الإمام أحمد الدقيق: قال: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع" — فالتزام الصمت في مسألة اللفظ.
موقف البخاري الدقيق: قال في خلق أفعال العباد: "أصوات العباد وأفعالهم مخلوقة، أما القرآن المتلوّ المحفوظ فكلام الله غير مخلوق" — وكان هذا سبب خلافه مع أحمد بن حنبل.
🟢 ٣. الأشاعرة — التمييز بين الكلام النفسي والكلام اللفظي
المؤسس: أبو الحسن الأشعري (ت. 324هـ) — تلميذ الجبائي المعتزلي الذي انشق عنه.
الأعلام: القاضي أبو بكر الباقلاني، إمام الحرمين الجويني، الغزالي، فخر الدين الرازي، السيوطي، ابن حجر العسقلاني.
التمييز الجوهري:
| النوع | الحكم |
|---|---|
| الكلام النفسي (المعنى القائم بالذات الإلهية) | قديم أزلي غير مخلوق |
| الكلام اللفظي (الحروف والأصوات والمداد) | حادث (وسيلة تعبير لا عين الصفة) |
القول الأشعري:
الكلام الإلهي صفة واحدة أزلية قائمة بذات الله، تعبّر عنها الحروف والأصوات كما يعبّر اللون عن الجمال
الغزالي في "الاقتصاد في الاعتقاد": ميّز بين القرآن بما هو حقيقة إلهية قائمة بالذات، والمصحف الذي هو دالٌّ عليها.
فخر الدين الرازي طوّر هذا المذهب عقلياً في "المحصّل" و"نهاية العقول"، ودافع عن قِدَم الكلام النفسي بأدلة منطقية.
🟡 ٤. الماتريدية — توافق جزئي مع الأشاعرة
المؤسس: أبو منصور الماتريدي (ت. 333هـ) — سمرقند.
الأعلام: أبو اليسر البزدوي، كمال الدين ابن الهمام، ابن نجيم.
الموقف:
- يتفقون مع الأشاعرة في التمييز بين كلام النفس (قديم) وكلام اللسان (حادث)
- لكنهم يختلفون في: الكلام النفسي ليس معنى واحداً بل يتضمن معاني متعددة (أمر ونهي وخبر...) ومع ذلك يبقى قديماً
⚫ ٥. السلفية وابن تيمية — نقد المذهبين
الأعلام: ابن تيمية (ت. 728هـ)، ابن القيم (ت. 751هـ)، ابن كثير.
النقد الجذري لابن تيمية: رفض ابن تيمية التقسيم الأشعري رفضاً صريحاً في "الإيمان" و**"درء تعارض العقل والنقل"** و**"الفتاوى الكبرى"**:
- الأشاعرة وقعوا في التجهم حين جعلوا الكلام اللفظي مخلوقاً
- الكلام الله حروف ومعانٍ معاً وهو قديم النوع حادث الآحاد
- الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه صفة فعلية لا تنفصل عن ذاته
ابن القيم في "الصواعق المرسلة" وسّع هذا النقد وأفاض في تفنيد القول بأن الكلام مجرد معنى نفسي.
موقفهم من مسألة "الصوت": أثبتوا أن الله يتكلم بصوت — مستدلين بحديث: "يتكلم الله يوم القيامة بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرُب" — مع تنزيه الصوت عن مشابهة المخلوقين.
🟠 ٦. الكرامية — الحدوث الفعلي
المؤسس: محمد بن كرّام (ت. 255هـ)، خراسان.
الموقف:
- الكلام حادث قائم بذات الله (حوادث قائمة بالذات الإلهية)
- هذا يُشكّل قولاً وسطاً غريباً رفضه الجمهور لأنه أجاز قيام الحوادث بالذات الإلهية
ثالثاً: مسألة اللفظ — الفرقة الثالثة بين أهل السنة
انشقّ أهل الحديث أنفسهم إلى ثلاث فرق:
| الفرقة | القول | الحكم عليهم |
|---|---|---|
| اللفظية | لفظي بالقرآن مخلوق | بدعة (أدّى إلى التجهم) |
| الواقفة | لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق | توقف مذموم |
| أهل السنة المحقّقون | القرآن كلام الله غير مخلوق، وتلاوة العبد فعله | التفصيل السليم |
رابعاً: مسألة الذِّكر والصوت
ارتبطت بالمسألة الكبرى ارتباطاً وثيقاً:
هل الذكر (التلاوة والتسبيح) مخلوق؟
- المعتزلة: الذكر كله حادث لأن أصواتنا حادثة
- الأشاعرة: التلاوة فعل العبد محدَث، والمتلوّ كلام الله القديم — التمييز بين التلاوة والمتلوّ
- ابن تيمية: التلاوة فعل العبد، والقرآن المتلوّ كلام الله، لكن الفصل المطلق بينهما خطأ
أهمية الصوت في الذِّكر: قال ابن تيمية: ثبت بالأحاديث الصحيحة أن الله سبحانه يُنادي يوم القيامة، وأن كليمه موسى سمع الصوت حقيقةً — وهذا يؤكد أن الكلام الإلهي ليس مجرد معنى نفسي.
خامساً: الصلة بالفلسفة — المتكلمون والفلاسفة
| المفكر | الموقف |
|---|---|
| الكندي (ت. 252هـ) | تأثر بالنيوأفلاطونية، أشار إلى أن الكلام الإلهي فيض لا يُقاس بكلام البشر |
| الفارابي (ت. 339هـ) | الوحي انبثاق من العقل الفعّال، وهو رأي فلسفي رفضه المتكلمون جميعاً |
| ابن سينا (ت. 428هـ) | الكلام الإلهي "إشراق معقول" ينزل عبر النفس النبوية — رفضه الغزالي في "تهافت الفلاسفة" |
| الغزالي (ت. 505هـ) | ردّ على الفلاسفة وأبقى على الكلام النفسي الأشعري مع إدخال المفهوم الصوفي للمشاهدة |
| ابن رشد (ت. 595هـ) | انتقد المتكلمين، ورأى أن الجمهور لا يحتاج إلى هذه المباحث الكلامية |
سادساً: الموقف الصوفي
الحلاج (ت. 309هـ): "القرآن كلام الله والعارف يرى المتكلم لا الكلام"
ابن عربي (ت. 638هـ) في "الفتوحات المكية": طوّر مفهوماً خاصاً للكلام الإلهي باعتباره تجلياً لا صفة قائمة بمفهوم المتكلمين — وقد أثار جدلاً حاداً.
الغزالي في "إحياء علوم الدين": ربط مسألة الكلام بالتجربة الروحية الداخلية، وميّز بين "العلم بكلام الله" و"المعايشة لكلام الله".
سابعاً: جدول مقارن شامل
| المدرسة | القرآن | الكلام النفسي | الكلام اللفظي | الصوت |
|---|---|---|---|---|
| المعتزلة | مخلوق | منفي | حادث | مخلوق |
| أهل الحديث (جمهور) | غير مخلوق | قديم | غير مخلوق | مُثبَت بلا كيف |
| الأشاعرة | قديم (معنىً) / حادث (لفظاً) | قديم أزلي | حادث (فعل العبد) | منفي عن الله |
| الماتريدية | كالأشاعرة | قديم | حادث | كالأشاعرة |
| ابن تيمية / السلفية | قديم النوع، حادث الآحاد | قديم + فعلي | قديم النوع | مُثبَت |
| الكرامية | حادث قائم بالله | حادث | حادث | — |
| الفلاسفة | إشراق/فيض | غير وارد | غير وارد | مُنكَر |
ثامناً: الخلاصة التاريخية
المسألة ليست خلافاً لفظياً بل تمسّ طبيعة الصفات الإلهية بأسرها:
اتفقت كل المدارس السنية على أن القرآن وحي إلهي حجّة، واختلفت في كيفية وصف علاقة الكلام بالذات الإلهية.
الأثر العملي: محنة خلق القرآن كشفت أن الفكر الكلامي حين يتحوّل إلى سياسة دولة ينتج مظالم — وكان موقف الإمام أحمد رمزاً لاستقلالية العلم عن السلطة.
الإرث الأكبر للمسألة هو تطوير علم أصول الفقه والتمييز بين أنواع الدلالات اللغوية والكلامية في القرآن، مما أثرى المنهجية التفسيرية لقرون.
أثر مسألة خلق القرآن في تطوير علم أصول الفقه والمنهجية التفسيرية
تمهيد: لماذا أنتجت مسألة كلامية علماً فقهياً؟
السؤال الذي أثارته المسألة لم يكن فقط: "هل القرآن مخلوق؟" بل أنتج سؤالاً أعمق: "ما طبيعة العلاقة بين الكلام الإلهي والخطاب البشري؟"
وهذا السؤال بالذات هو الذي دفع العلماء إلى بناء منظومة دقيقة لفهم كيف يدلّ القرآن على الأحكام، وكيف تُقرأ ألفاظه، وما القواعد التي تحكم استنباط المعنى من النص المقدّس.
المحور الأول: كيف أسست المسألة لعلم الدلالة الأصولية
١. التمييز بين المعنى والدالّ — اللبنة الأولى
حين قال الأشاعرة:
"الكلام النفسي قديم، والكلام اللفظي حادث"
فتحوا باباً فلسفياً ضخماً: العلاقة بين الدالّ والمدلول.
هذا التمييز انتقل مباشرة إلى أصول الفقه في صورة:
| المستوى الكلامي | المقابل الأصولي |
|---|---|
| الكلام النفسي (المعنى الإلهي) | مقصود الشارع / المعنى المراد |
| الكلام اللفظي (الحروف والأصوات) | الألفاظ والصيغ الدالّة |
| العلاقة بينهما | علم الدلالة الأصولية بأكمله |
فأصبح السؤال الأصولي: كيف تدلّ الصيغة اللفظية على المعنى المراد؟ وهل الدلالة قطعية أم ظنية؟
٢. تقسيم الدلالات — البناء التفصيلي
نشأ من هذا التمييز تقسيم الدلالات الذي صار عماد أصول الفقه:
أ) عند الحنفية (المدرسة الكوفية):
طوّر الحنفية تقسيماً رباعياً دقيقاً:
الدلالة اللفظية
│
├── عبارة النص ← المعنى الأصلي المقصود
├── إشارة النص ← المعنى غير المقصود لكن اللازم
├── دلالة النص ← المعنى المفهوم بالقياس اللغوي
└── اقتضاء النص ← المعنى الذي يتوقف عليه صحة الكلام
هذا التقسيم ثمرة مباشرة لسؤال: كيف يحمل اللفظ الواحد معاني متعددة؟ وهو السؤال ذاته الذي أثارته مسألة الكلام.
ب) عند الشافعية والأشاعرة:
بنوا تقسيماً مختلفاً يعتمد على درجة الوضوح:
الألفاظ من حيث الوضوح
│
├── النص ← لا يحتمل إلا معنى واحداً
├── الظاهر ← يحتمل معنيين، أحدهما أرجح
├── المؤوَّل ← صُرف عن ظاهره لدليل
└── المجمَل ← يحتاج بياناً خارجياً
٣. مسألة الأمر والنهي — التطبيق الأكثر خصوبة
من أكثر الثمرات الأصولية للمسألة: صيغ الأمر والنهي.
السؤال الكلامي الأصلي: هل "إرادة الله" قديمة أم حادثة؟ وهل الأمر الإلهي تعبير عن إرادة قديمة أم عن فعل حادث؟
الأثر الأصولي المباشر:
| المسألة الكلامية | المسألة الأصولية المقابلة |
|---|---|
| هل الإرادة الإلهية قديمة؟ | هل صيغة "افعل" تفيد الوجوب دائماً؟ |
| هل الأمر صفة ذات أم فعل؟ | هل الأمر يقتضي الفور أم التراخي؟ |
| هل النهي سلب الإرادة؟ | هل النهي يقتضي الفساد أم مجرد التحريم؟ |
الغزالي في "المستصفى" — وهو أعمق كتب الأصول — صرّح بأن فهم صيغة الأمر يستلزم الرجوع إلى مفهوم "الكلام النفسي"، لأن الوجوب ليس في اللفظ ذاته بل في الإرادة الإلهية التي يدلّ عليها اللفظ.
المحور الثاني: تطوير مفهوم النص والتأويل
١. القطعي والظني — ثمرة الجدل الكلامي
أحدث الجدل حول طبيعة القرآن تحولاً جذرياً في سؤال: كيف نفهم النص؟
القضية الكلامية: الكلام الإلهي واحد، فكيف تختلف فيه الفِرَق؟ لا بدّ أن الاختلاف في مستوى الفهم البشري لا في النص ذاته.
الثمرة الأصولية: قسّم الأصوليون التواصل مع النص إلى مستويين:
التواصل مع النص القرآني
│
├── القطعي الثبوت + القطعي الدلالة
│ └── لا يجوز الاجتهاد فيه — حكم قاطع
│
├── القطعي الثبوت + الظني الدلالة
│ └── يجوز الاجتهاد — مجال التفسير والفقه
│
├── الظني الثبوت + القطعي الدلالة
│ └── أخبار الآحاد القاطعة الدلالة
│
└── الظني الثبوت + الظني الدلالة
└── أوسع مجالات الاجتهاد
هذا التقسيم الرباعي أسّس لـمنهجية الفقه الإسلامي كاملة في التعامل مع الأدلة.
٢. إشكالية التأويل — من الكلام إلى التفسير
الجدل الكلامي أنتج ثلاثة مواقف تأويلية:
الموقف الأول — التأويل الكلامي (الأشاعرة والمعتزلة): بما أن الكلام النفسي قديم والكلام اللفظي وسيلة، فاللفظ قد يُصرف عن ظاهره إذا تعارض مع المعنى الإلهي الحقيقي. → هذا أسّس لـمنهج التأويل في التفسير وفي الفقه معاً.
الموقف الثاني — الوقوف مع الظاهر (أهل الحديث): الكلام الإلهي بألفاظه حجة، فالأصل الوقوف مع الظاهر، والتأويل يحتاج دليلاً. → أسّس لـمنهج الظاهرية وبنى عليه ابن حزم نظريته الأصولية كاملة.
الموقف الثالث — التمييز المنهجي (ابن تيمية): لا تأويل يخالف الظاهر بلا دليل، ولا وقوف مع الظاهر إذا أدى إلى المحال. → أسّس لما سمّاه ابن تيمية "الفرق بين التفسير والتأويل" في مقدمته التفسيرية.
المحور الثالث: أثر المسألة في مناهج التفسير تحديداً
١. نشأة علوم القرآن كاستجابة للمسألة
كثير من أبواب "علوم القرآن" نشأت مباشرة من الحاجة إلى الإجابة عن إشكاليات مسألة الكلام:
| باب من علوم القرآن | الإشكالية التي أثارتها المسألة |
|---|---|
| الإعجاز القرآني | لو كان مخلوقاً لأمكن محاكاته — فالإعجاز دليل على خصوصيته الإلهية |
| الوجوه والنظائر | اللفظ الواحد بمعانٍ متعددة — دليل على ثراء الكلام الإلهي وعدم تناهيه |
| المحكم والمتشابه | علاقة الظاهر بالباطن، وحدود التأويل |
| الناسخ والمنسوخ | هل يتغير الحكم الإلهي؟ وكيف يتوافق ذلك مع الكمال الذاتي؟ |
| أسباب النزول | كيف ينزل الكلام القديم في زمان محدد؟ |
٢. ثلاثة نماذج تطبيقية بارزة
النموذج الأول: الزركشي في "البرهان في علوم القرآن"
بدأ الزركشي (ت. 794هـ) كتابه بـمسألة طبيعة القرآن قبل الدخول في أي علم آخر، لأن:
فهم طبيعة الكلام الإلهي شرط لفهم آليات التعامل معه
ثم بنى على هذا الأساس كل فصول الكتاب في التفسير والدلالة والإعجاز.
النموذج الثاني: السيوطي في "الإتقان في علوم القرآن"
السيوطي (ت. 911هـ) — وهو أشعري المذهب — وظّف التمييز الأشعري بين الكلام النفسي واللفظي في:
- تفسير الاختلاف القرائي: القراءات المتعددة كلها تعبيرات عن كلام إلهي واحد
- تفسير الترادف والتنويع: تعدد الألفاظ لمعنى واحد لا يناقض وحدة المراد الإلهي
النموذج الثالث: ابن تيمية في "مقدمة في أصول التفسير"
ابن تيمية قلب المسألة: بما أن الكلام الإلهي حقيقي بألفاظه ومعانيه معاً، فإن:
- أفضل تفسير للقرآن هو القرآن ذاته
- ثم السنة لأنها بيان نبوي للكلام الإلهي
- ثم أقوال الصحابة لأنهم سمعوا التنزيل وعاشوا السياق
- الرأي المجرد أضعف المصادر لأنه بشري يتعامل مع كلام إلهي
هذه المنهجية التفسيرية كاملة مبنية على موقفه من طبيعة الكلام الإلهي.
المحور الرابع: الأثر في اللغة العربية ذاتها
الكلام الإلهي دفع علماء اللغة إلى تدقيق غير مسبوق
حين أصبح فهم كلام الله مسألة دينية وعقدية وفقهية معاً، انعكس ذلك على علم اللغة العربية نفسه:
١. علم المعاني: سيبويه في "الكتاب" وضع أسس النحو، لكن عبد القاهر الجرجاني (ت. 471هـ) في "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" طوّر نظرية "النظم" التي تقول:
الإعجاز ليس في الألفاظ منفردة ولا في المعاني مجردة، بل في نظم العلاقة بينهما
وهذه النظرية ردٌّ ضمني على المسألة الكلامية: الكلام الإلهي ليس لفظاً فقط ولا معنى فقط بل هو الاثنان في تناسق معجز.
٢. علم الوضع اللغوي: أثارت المسألة سؤال: هل اللغة توقيفية أم اصطلاحية؟
- التوقيف: الله علّم آدم الأسماء ← الكلام الإلهي سابق على الكلام البشري
- الاصطلاح: اللغة اتفاق بشري ← الكلام اللفظي اصطلاح، والمعنى الإلهي خارجه
وهذا الجدل أثرى علم أصول الفقه في باب: هل ألفاظ القرآن تُفسَّر بحسب اللغة أم بحسب الاصطلاح الشرعي؟
خلاصة: خريطة الأثر
مسألة خلق القرآن وطبيعة الكلام الإلهي
│
├── سؤال: ما العلاقة بين اللفظ والمعنى؟
│ └── → علم الدلالة الأصولية (عبارة / إشارة / دلالة / اقتضاء)
│
├── سؤال: هل النص قطعي أم ظني؟
│ └── → نظرية القطعي والظني في ثبوت الأدلة ودلالتها
│
├── سؤال: ما حدود التأويل؟
│ └── → ثلاثة مناهج تفسيرية كاملة (التأويل / الظاهر / التمييز)
│
├── سؤال: كيف تفيد صيغ الأمر والنهي؟
│ └── → نظرية الأمر والنهي في أصول الفقه
│
├── سؤال: ما مصادر فهم القرآن؟
│ └── → منهجية التفسير بالمأثور وترتيب مصادر التفسير
│
└── سؤال: كيف تتعدد القراءات والمعاني؟
└── → علوم القرآن (الوجوه والنظائر، المحكم والمتشابه، القراءات)
الحقيقة الكبرى: مسألة خلق القرآن بدت في ظاهرها نزاعاً كلامياً حاداً وأزمةً سياسية مؤلمة، لكنها في عمقها كانت المحرّك الذي حوّل الفقه الإسلامي من ممارسة تقليدية إلى علم منهجي متكامل — فكل كبار الأصوليين من الشافعي إلى الغزالي إلى ابن تيمية كانوا يتعاملون مع هذه المسألة بوعي أو بدونه حين وضعوا قواعد الاستنباط والتفسير.
قواعد الاستنباط والتفسير — المنظومة الكاملة باختلافاتها
تمهيد: الفرق الجوهري بين الاستنباط والتفسير
قبل البدء لا بدّ من تحديد المصطلحين:
| التفسير | الاستنباط | |
|---|---|---|
| الموضوع | بيان معنى النص | استخراج الحكم من النص |
| الغاية | الفهم والإيضاح | التشريع والإلزام |
| الأداة | اللغة + السياق + المأثور | المنهج الأصولي |
| النتيجة | معنى الآية | حكم فقهي ملزم |
| العلاقة بينهما | التفسير مدخل الاستنباط — لا استنباط بلا تفسير صحيح |
القسم الأول: قواعد التفسير
المنهج الأول: التفسير بالمأثور
أصله ومصادره
قاعدته الكبرى التي صاغها ابن تيمية:
أصح طرق التفسير أن يُفسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في موضع بُيِّن في موضع آخر
مصادره بالترتيب:
القرآن يفسّر القرآن
↓
السنة النبوية (بيان للقرآن)
↓
أقوال الصحابة (شهدوا التنزيل)
↓
أقوال التابعين (أخذوا عن الصحابة)
↓
اللغة العربية الفصيحة
القواعد التفسيرية في هذا المنهج
القاعدة الأولى — قاعدة السياق: المعنى لا يُفهم من اللفظ المجرّد بل من سياقه اللغوي والموضوعي
- السياق اللغوي: ما قبل الآية وما بعدها
- السياق الموضوعي: غرض السورة كاملة
- السياق التاريخي: سبب النزول
القاعدة الثانية — قاعدة سبب النزول:
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (الجمهور)
في مقابل من قال:
العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ (ابن تيمية في بعض تطبيقاته)
والتحقيق: سبب النزول يحدد المراد الأول لا يحصر دلالة النص.
القاعدة الثالثة — قاعدة الناسخ والمنسوخ: المتأخر ينسخ المتقدم عند التعارض، وشروطه:
- تعذّر الجمع بين النصين
- ثبوت التأخر الزمني
- أن يكون كلاهما حكماً شرعياً لا خبراً
القاعدة الرابعة — قاعدة المحكم والمتشابه:
| المحكم | المتشابه |
|---|---|
| واضح الدلالة لا يحتمل تأويلاً | محتمل معاني متعددة |
| أصل في التشريع | يُردّ إلى المحكم |
| يعمل به مباشرة | لا يُستقل به في تأسيس حكم |
الخلاف في الوقف:
- قرأ ابن عباس وجمهور السلف: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ — وقف تام، الراسخون يقولون آمنّا
- قرأ المحققون من الخلف: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ — عطف، أي يعلمون التأويل
المنهج الثاني: التفسير بالرأي
شرطه الأساسي
ليس كل رأي مذموماً — ميّز العلماء:
| التفسير بالرأي المحمود | التفسير بالرأي المذموم |
|---|---|
| مبني على قواعد اللغة والشرع | رأي مجرد بلا أدوات |
| لا يخالف المأثور الصحيح | يخالف الأثر أو يتقدم عليه |
| صاحبه متأهّل | من غير أهل الاجتهاد |
| لا يجزم بأنه مراد الله | يجزم بلا دليل |
قواعده
القاعدة الأولى — التأهل اللغوي: اشترط الغزالي وغيره أن يكون المفسّر عارفاً بـ:
- النحو والصرف والاشتقاق
- علم المعاني والبيان والبديع
- الوجوه والنظائر في القرآن
القاعدة الثانية — عدم التناقض مع الأصول: التفسير بالرأي لا يُقبل إذا:
- خالف نصاً محكماً
- خالف إجماعاً قطعياً
- استلزم محالاً عقلياً أو شرعياً
المنهج الثالث: التفسير الإشاري (الصوفي)
أصله
يميّز أصحابه بين:
- الظاهر: المعنى اللغوي المباشر
- الباطن: ما يُشير إليه النص من حقائق روحية
شروط قبوله عند العلماء المعتدلين (كابن القيم):
١. ألا يناقض الظاهر
٢. ألا يُدّعى أنه المراد الوحيد
٣. أن يكون له شاهد في الشريعة
٤. ألا يُبنى عليه حكم شرعي مستقل
رفضه الكلي عند:
- ابن تيمية: التفسير الباطني يُفضي إلى إلغاء الشريعة
- ابن حزم: لا معنى للنص إلا ما وضعته اللغة
القسم الثاني: قواعد الاستنباط الأصولي
أولاً: قواعد الألفاظ — المستوى الأول
١. تقسيم الألفاظ من حيث الوضوح
عند الحنفية (الأكثر تفصيلاً):
من حيث الوضوح — أربع درجات:
الظاهر ← يدل بذاته على المعنى ويحتمل التأويل
النص ← أوضح من الظاهر وأقل احتمالاً للتأويل
المفسَّر ← لا يحتمل التأويل ولا التخصيص
المحكم ← لا يُنسخ ولا يُبدَّل البتة
من حيث الخفاء — أربع درجات مقابلة:
الخفي ← الخفاء لعارض في اللفظ
المشكل ← يحتاج نظراً وبحثاً
المجمل ← لا يُفهم إلا ببيان
المتشابه ← لا يُعلم إلا بتوقيف
عند الشافعية والجمهور:
القطعي الدلالة ← لا يحتمل إلا معنى واحداً
الظني الدلالة ← يحتمل أكثر من معنى
٢. قواعد العموم والخصوص
القاعدة الكبرى:
العام يشمل كل ما يصلح له اللفظ حتى يرد المخصِّص
مخصِّصات العام:
مخصِّصات العام
│
├── متصلة (في النص ذاته)
│ ├── الاستثناء: ﴿إلا﴾ وأخواتها
│ ├── الشرط: ﴿إن / إذا...﴾
│ ├── الصفة: كالنعت والحال
│ └── الغاية: ﴿حتى / إلى﴾
│
└── منفصلة (خارج النص)
├── نص آخر من القرآن
├── السنة المتواترة أو الآحاد
├── الإجماع
└── دليل العقل القاطع
الخلاف المهم: هل الآحاد تخصّص العام القرآني؟
| المذهب | الموقف |
|---|---|
| الحنفية | لا تخصّص إلا المتواتر أو المشهور |
| الشافعية والجمهور | تخصّص ولو كانت آحاداً |
| ابن حزم الظاهري | كلاهما لا يخصّص الآخر بل يتعارضان |
٣. قواعد الأمر والنهي
قواعد صيغة الأمر:
القاعدة الأولى:
الأمر المجرد عن القرائن يفيد الوجوب (الجمهور)
في مقابل:
يفيد الندب — ابن داود الظاهري وبعض المعتزلة يفيد الإباحة — بعض الأصوليين
القاعدة الثانية — الفور والتراخي:
| المذهب | الموقف |
|---|---|
| الحنفية والحنابلة | الأمر يقتضي الفور |
| الشافعية والمالكية | لا يقتضي الفور إلا بقرينة |
| المعتزلة | يقتضي الفور مطلقاً |
القاعدة الثالثة — التكرار:
هل "صلّوا" أمر بصلاة واحدة أم بالتكرار؟
الجمهور: لا يقتضي التكرار بذاته، والتكرار يثبت بدليل خارجي.
قواعد صيغة النهي:
القاعدة الأولى:
النهي يقتضي التحريم (الجمهور)
القاعدة الثانية — أثر النهي على العقد:
| المذهب | حكم المنهي عنه |
|---|---|
| الحنفية | النهي لا يقتضي الفساد إلا إذا كان النهي لذات العبادة |
| الشافعية والحنابلة | النهي يقتضي الفساد مطلقاً |
| المالكية | تفصيل بين نهي العبادات ونهي المعاملات |
٤. قواعد المطلق والمقيّد
القاعدة الكبرى:
المطلق يُحمل على المقيّد إذا اتحد الحكم والسبب
الصور الأربع:
١. اتحاد السبب والحكم ← يُحمل المطلق على المقيّد (اتفاق)
٢. اختلاف السبب واتحاد الحكم ← خلاف (الجمهور: يُحمل / الحنفية: لا)
٣. اتحاد السبب واختلاف الحكم ← لا يُحمل (اتفاق)
٤. اختلافهما معاً ← لا يُحمل (اتفاق)
٥. قاعدة المنطوق والمفهوم
المنطوق: ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق صراحةً
المفهوم: ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق
المفهوم
│
├── مفهوم الموافقة (فحوى الخطاب)
│ ├── أولوي: حكم المسكوت أولى من حكم المنطوق
│ │ مثال: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ — الضرب أشد تحريماً
│ └── مساوٍ: حكم المسكوت مساوٍ للمنطوق
│
└── مفهوم المخالفة (دليل الخطاب)
├── مفهوم الصفة: ﴿في الغنم السائمة زكاة﴾ — المعلوفة لا زكاة فيها
├── مفهوم الشرط: ما بعد "إن" يعكس حكم الشرط
├── مفهوم الغاية: ﴿حتى﴾ تفيد تغيّر الحكم بعدها
└── مفهوم العدد: الخلاف فيه واسع
الخلاف الكبير: هل مفهوم المخالفة حجة؟
| المذهب | الموقف |
|---|---|
| الجمهور (مالكية وشافعية وحنابلة) | حجة معتبرة |
| الحنفية | ليس بحجة — الوصف خرج مخرج الغالب لا للتقييد |
| المعتزلة | حجة في الجملة |
ثانياً: قواعد المعاني — المستوى الثاني
١. قواعد العلة والقياس
ركائز القياس الأربع:
القياس
│
├── الأصل: المسألة المنصوص على حكمها
├── الفرع: المسألة المستجدة المراد معرفة حكمها
├── الحكم: ما ثبت للأصل ويُراد إثباته للفرع
└── العلة: الوصف الجامع بين الأصل والفرع
شروط العلة — القواعد التفصيلية:
شروط صحة العلة
│
├── الوجود: موجودة في الأصل قطعاً
├── الطرد: كلما وُجدت وُجد الحكم
├── العكس: إذا انتفت انتفى الحكم (خلاف في اشتراطه)
├── الانضباط: محددة غير مضطربة
├── الملاءمة: مناسبة لتحقيق مقصد الحكم
└── عدم المعارضة: لا نص يبطلها
مسالك العلة (كيف تُستخرج العلة):
| المسلك | المعنى | المثال |
|---|---|---|
| النص الصريح | نص على العلة في الآية أو الحديث | ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء﴾ |
| الإيماء والتنبيه | ترتيب الحكم على الوصف يُشعر بالعلية | "لا يقضي القاضي وهو غضبان" |
| المناسبة | الوصف مناسب لتحقيق مقصد الحكم | الإسكار علة تحريم الخمر |
| الشبه | الوصف يُشبه الأوصاف المؤثرة | الخلاف الواسع فيه |
| الدوران | يدور الحكم مع الوصف وجوداً وعدماً | |
| السبر والتقسيم | حصر الأوصاف واستبعاد ما لا يصلح |
٢. قواعد التعارض والترجيح
القاعدة الكبرى:
الأدلة الشرعية لا تتعارض في نفس الأمر، وما يُظنّ تعارضاً فهو في فهم المجتهد
مراتب الجمع والترجيح:
عند ظهور التعارض بين دليلين
│
├── أولاً: الجمع والتوفيق (واجب قبل كل شيء)
│ ├── حمل العام على الخاص
│ ├── حمل المطلق على المقيد
│ └── حمل أحدهما على حالة والآخر على أخرى
│
├── ثانياً: النسخ (إذا تعذّر الجمع وثبت التأخر)
│ └── المتأخر ناسخ للمتقدم
│
├── ثالثاً: الترجيح (إذا تعذّر الجمع والنسخ)
│ ├── من حيث السند (التواتر على الآحاد)
│ ├── من حيث اللفظ (النص على الظاهر)
│ ├── من حيث المعنى (المثبِت على النافي)
│ └── من حيث الخارج (الموافق للقياس على المخالف)
│
└── رابعاً: التوقف (إذا تعذّر كل ما سبق)
٣. قواعد المصالح والمقاصد
هذا المستوى هو الأعمق في الاستنباط — وفيه أكبر الخلافات.
نظرية المقاصد عند الشاطبي (ت. 790هـ):
قسّم الشاطبي المقاصد إلى:
المقاصد الضرورية الخمس
│
├── حفظ الدين
├── حفظ النفس
├── حفظ العقل
├── حفظ النسل
└── حفظ المال
المقاصد الحاجية ← تكمّل الضرورية
المقاصد التحسينية ← تزيّن ولا تُلزم
القاعدة الشاطبية الكبرى:
ما كان من الأحكام يُحقق مقصداً ضرورياً فهو واجب، وما أخلّ به فهو حرام، وهذا معيار الاستنباط الكلي
الخلاف في المصلحة المرسلة:
| المذهب | الموقف من المصلحة غير المنصوص عليها |
|---|---|
| المالكية | حجة معتبرة (وسّع فيها مالك) |
| الشافعية | لا تُعتبر مستقلة، تندرج تحت الأصول |
| الحنابلة | يُعمل بها عند الضرورة |
| الحنفية | الاستحسان مقدّم عليها |
| ابن حزم | مردودة — لا حكم إلا بنص |
| الطوفي | المصلحة مقدّمة على النص في المعاملات (رأي شاذ) |
ثالثاً: المستوى التطبيقي — قواعد الاجتهاد
القواعد الخمس الكلية الفقهية
هذه القواعد ثمرة الاستنباط وخلاصته:
١. الأمور بمقاصدها كل فعل يُحكم عليه بحسب المقصود منه — من التفسير: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾
٢. اليقين لا يزول بالشك الأصل بقاء ما كان على ما كان — قاعدة الاستصحاب الأصولي
٣. المشقة تجلب التيسير مستنبطة من: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾
٤. الضرر يُزال من: "لا ضرر ولا ضرار" — وهي قاعدة الضرورة الفقهية
٥. العادة مُحكَّمة العرف والعادة مصدر للحكم حيث لا نص — محلّ خلاف واسع بين المذاهب
رابعاً: جدول المقارنة الكبير بين المذاهب
في القضايا الخلافية المحورية:
| القضية | الحنفية | المالكية | الشافعية | الحنابلة | الظاهرية |
|---|---|---|---|---|---|
| حجية خبر الآحاد في العقيدة | لا | لا | نعم | نعم | نعم |
| تخصيص العام بالآحاد | لا | نعم | نعم | نعم | لا |
| مفهوم المخالفة | لا | نعم | نعم | نعم | لا |
| القياس | نعم | نعم | نعم | نعم (محدود) | لا |
| الاستحسان | نعم | نعم | لا | نعم (محدود) | لا |
| المصلحة المرسلة | محدودة | نعم (واسع) | لا | نعم | لا |
| سد الذرائع | محدودة | نعم (واسع) | محدودة | نعم | نعم |
| العرف والعادة | نعم | نعم | نعم | نعم | لا |
| الاستصحاب | ضعيف | متوسط | قوي | قوي | قوي |
خامساً: المدارس الأصولية من حيث المنهج
المدرسة الأولى: المتكلمون (الشافعية والأشاعرة)
المنهج: يبنون الأصول على أدلة عقلية ولغوية مجردة، ثم يطبّقونها
سماتها:
- التجريد والتأصيل قبل التطبيق
- الاعتماد على المنطق الأرسطي في التعريف والتقسيم
- الممثّلون: الشافعي في "الرسالة"، الجويني في "البرهان"، الغزالي في "المستصفى"، الآمدي في "الإحكام"
المدرسة الثانية: الفقهاء (الحنفية)
المنهج: يستخلصون الأصول من الفروع الفقهية الموروثة عن أبي حنيفة
سماتها:
- الأصول خادمة للفروع لا العكس
- أكثر انسجاماً مع الواقع التطبيقي
- الممثّلون: الجصاص في "أحكام القرآن"، البزدوي في "الأصول"، السرخسي في "المبسوط"
المدرسة الثالثة: المدرسة الجامعة
المنهج: تجمع بين المنهجين
الممثّلون: ابن الحاجب، ابن السبكي، الزركشي، ابن قدامة في "الروضة"
المدرسة الرابعة: المدرسة المقاصدية
المنهج: تجاوز قواعد الألفاظ إلى قواعد المعاني والمصالح الكلية
الممثّل الأبرز: الشاطبي في "الموافقات" — أعمق كتاب في أصول الفقه المقاصدي
قاعدته الجوهرية:
الأحكام الجزئية إذا تعارضت مع المقاصد الكلية وجب تقديم المقاصد
خلاصة المنظومة — الهرم الاستنباطي الكامل
قمة الهرم: النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة
(لا اجتهاد — حكم قاطع)
↓
النص القطعي الثبوت الظني الدلالة
(اجتهاد في الدلالة — عبر قواعد الألفاظ)
↓
دلالات الألفاظ الأربع (عبارة/إشارة/دلالة/اقتضاء)
وتقسيمات المنطوق والمفهوم
↓
التعارض والترجيح
(الجمع ثم النسخ ثم الترجيح ثم التوقف)
↓
القياس والعلة والمسالك
(الإلحاق بالأصول المنصوص عليها)
↓
الأدلة التكميلية المختلف فيها
(استحسان / مصلحة / عرف / استصحاب / سد ذرائع)
↓
قاعدة الأساس: تحقيق المقاصد الكلية الخمسة
الحقيقة الجامعة: كل هذه القواعد تنبع من سؤال واحد: كيف نفهم مراد الله من كلامه؟ وهو السؤال ذاته الذي أثارته مسألة خلق القرآن — فكانت تلك المسألة الكلامية أمّ هذا العلم الأصولي الشامخ.
المدرسة المقاصدية — التأصيل الكامل
تمهيد: لماذا المقاصد؟
كان الفقه الإسلامي قبل الشاطبي يعمل بمنطق الجزء:
- نص + قياس + علة = حكم جزئي
لكن هذا المنطق أنتج مشكلة عميقة:
ماذا يفعل الفقيه حين تتعارض الأحكام الجزئية؟ وحين يؤدي التمسك بحكم جزئي إلى مضادة روح الشريعة كلها؟
جاءت المقاصدية لتقول: لا بد من منطق الكل — منطق يرى الشريعة كمنظومة غائية متكاملة لا مجرد أحكام متناثرة.
أولاً: الجذور التاريخية للمدرسة المقاصدية
ما قبل الشاطبي — الإرهاصات الأولى
المقاصد لم تولد مع الشاطبي دفعةً واحدة، بل تراكمت عبر قرون:
الطبقة الأولى — الإشارات الضمنية (ق. 2-3هـ)
الإمام مالك (ت. 179هـ): كان يستعمل المصلحة المرسلة وسد الذرائع دون تنظير مصطلحي
- مثاله الشهير: أجاز تضمين الصنّاع لمصلحة الناس رغم القياس على عدم الضمان
- قاعدته الضمنية: مصلحة الأمة مقدّمة على القياس الجزئي
الإمام الشافعي (ت. 204هـ): في "الرسالة" وضع مبدأ: الشريعة جاءت لرفع الحرج لكنه لم يُنظّر للمقاصد كمنهج مستقل
الطبقة الثانية — التأسيس المصطلحي (ق. 4-5هـ)
أبو بكر القفّال الشاشي (ت. 365هـ): أول من أشار صراحةً إلى أن الأحكام مبنية على حِكَم ومصالح في كتابه "محاسن الشريعة"
القاضي أبو بكر الباقلاني (ت. 403هـ): قعّد مبدأ: التكليف مشروط بالمصلحة — وهذا أصل مقاصدي عقدي
الطبقة الثالثة — البناء العلمي الجادّ (ق. 5هـ)
إمام الحرمين الجويني (ت. 478هـ): في كتابه "غياث الأمم" وضع أول تصنيف منهجي للمقاصد:
الجويني: ثلاث مراتب
│
├── الضروريات ← لا تقوم الحياة بدونها
├── الحاجيات ← تُيسّر الحياة وترفع الحرج
└── التتمّات ← تُكمّل وتُزيّن
وقال مقولته المؤسِّسة:
"من لم يتفقّه في مقاصد الشريعة لم يبلغ درجة الاجتهاد"
الطبقة الرابعة — الذروة قبل الشاطبي (ق. 5-6هـ)
الغزالي (ت. 505هـ): في "شفاء الغليل" و**"المستصفى"** طوّر نظرية المصلحة تطويراً نوعياً:
حدّد الضروريات الخمس بصورتها الكلاسيكية:
الضروريات الخمس عند الغزالي
│
├── الدين
├── النفس
├── العقل
├── النسل
└── المال
وصاغ قاعدته الجوهرية:
"كل مصلحة لا تندرج تحت حفظ هذه الأصول الخمسة فهي غير معتبرة"
لكن الغزالي ضيّق المصلحة المرسلة وجعلها في أضيق الحدود.
العز بن عبد السلام (ت. 660هـ): في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" — أعظم كتاب قبل الشاطبي في المقاصد التطبيقية
قاعدته:
"الشريعة كلها مصالح، إما درء مفاسد أو جلب منافع"
وقسّم المصالح والمفاسد إلى: دنيوية وأخروية، وحقيقية وإضافية
نجم الدين الطوفي (ت. 716هـ): ذهب إلى مقولة شاذة خطيرة:
"المصلحة مقدّمة على النص والإجماع في المعاملات" ردّ عليه العلماء لكن رأيه أثّر في الفكر الحداثي الإسلامي لاحقاً.
ثانياً: الشاطبي — الإمام المؤسِّس
سيرته ومكانته
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت. 790هـ)
- مالكي المذهب، أندلسي المولد والمنشأ
- عاش في غرناطة في أواخر عصر الأندلس
- تلقّى على يد علماء المالكية والأصول والكلام
- كتب في أزمة: الأندلس تتفتت، والفقه يعيش جموداً، والبدعة منتشرة
أنتج ثلاثة كتب كبار:
- الموافقات في أصول الفقه المقاصدي
- الاعتصام في النهي عن البدعة
- المقاصد (أصغر حجماً لكن مكثّف)
الموافقات — البنية والمنهج
عنوانه الكامل: "الموافقات في أصول الشريعة" وسبب التسمية: "لموافقته بين العقل والنقل، وبين القرآن والسنة، وبين الأصول والفروع"
بنيته في أربعة أقسام:
الموافقات
│
├── كتاب الأحكام ← قواعد التكليف والأدلة
├── كتاب المقاصد ← قلب الكتاب وجوهره
├── كتاب الأدلة ← أدلة الأحكام الشرعية
└── كتاب الاجتهاد ← شروط المجتهد ومسائله
ثالثاً: النظرية المقاصدية الكاملة عند الشاطبي
١. مقاصد الشارع
قسّم الشاطبي مقاصد الشارع إلى قسمين كبيرين:
مقاصد الشارع
│
├── أولاً: مقاصد في وضع الشريعة ابتداءً
│ └── الشريعة وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل
│
└── ثانياً: مقاصد في وضع الشريعة للإفهام
└── الشريعة عربية لا تعارض اللسان العربي
٢. المقاصد الثلاثية الكبرى — التقسيم الأساسي
الضروريات
تعريفها:
"هي التي لا تقوم الحياة الدنيوية والدينية إلا بها، وإذا فُقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة"
الضروريات الخمس — الشرح التفصيلي:
| الضرورة | الجانب الوجودي (إثبات) | الجانب العدمي (نفي) |
|---|---|---|
| حفظ الدين | إقامة الشعائر والأركان | الجهاد، وعقوبة الردة |
| حفظ النفس | القصاص والدية | تحريم القتل والاعتداء |
| حفظ العقل | الأمر بما يصونه | تحريم الخمر والمسكرات |
| حفظ النسل | نظام الزواج والأسرة | تحريم الزنا وعقوبته |
| حفظ المال | إباحة التملك والتكسب | تحريم السرقة وعقوبتها |
ترتيب الضروريات عند التعارض:
قال الشاطبي وغيره بترتيبها هكذا:
الدين > النفس > العقل > النسل > المال
لكن هذا الترتيب محل خلاف واسع:
- الغزالي: الدين أولاً مطلقاً
- العز بن عبد السلام: النفس قد تُقدَّم في حالات
- الطوفي: المصلحة الواقعية هي المعيار لا الترتيب المجرّد
الحاجيات
تعريفها:
"ما يُحتاج إليه من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب"
أمثلتها الكبرى:
الحاجيات في العبادات ← الرخص والتخفيفات (قصر الصلاة، الفطر للمسافر)
الحاجيات في المعاملات ← عقود السلم والإجارة والمزارعة
الحاجيات في العادات ← إباحة الطيبات والزينة
الحاجيات في الجنايات ← الدية والعفو بديلاً عن القصاص
العلاقة بالضروريات:
الحاجيات تخدم الضروريات وتحميها من الانهيار بسبب الإرهاق والحرج
التحسينيات
تعريفها:
"الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنّب الأحوال المدنّسات التي تأنفها العقول الراجحات"
أمثلتها:
- إزالة النجاسة (فوق الواجب في الستر)
- آداب الأكل والشرب
- الكرم والمروءة
- مكارم الأخلاق
الهرم الكلي:
▲
/T\ التحسينيات
/───\ (يُستحسن وجودها)
/ H \
/───────\ الحاجيات
/ \ (يُحتاج إليها)
/ D \
/─────────────\ الضروريات
/ \ (لا غنى عنها)
─────────────────
القاعدة في التداخل:
"التحسيني يخدم الحاجي، والحاجي يخدم الضروري — وإفساد التحسيني قد يفضي إلى إفساد الحاجي، وإفساد الحاجي قد يفضي إلى إفساد الضروري"
٣. مقاصد المكلَّف — القسم الثاني المغفول
هذا القسم أقل شهرة لكنه أعمق أثراً:
قسّم الشاطبي نية المكلَّف إلى:
نية المكلَّف في أفعاله
│
├── موافقة مقصد الشارع ← الفعل صحيح مقبول
│
├── مخالفة مقصد الشارع ← الفعل فاسد ولو استوفى الشروط الشكلية
│ مثال: الزواج بقصد التحليل ← شروطه مستوفاة لكن مقصده يناقض الشريعة
│
└── التحايل على الشريعة ← أشد المخالفات
مثال: بيع العينة ← صورته بيع ومقصده ربا
القاعدة:
"الأعمال بمقاصدها، فمن قصد بعمله مقصداً مشروعاً فعمله مشروع، ومن قصد مخالفة الشريعة في ظاهر موافقتها فعمله مردود"
٤. نظرية الكليات والجزئيات — أعمق ما في الموافقات
هذه النظرية هي أكثر ما يميز الشاطبي ويجعله فريداً:
المقولة الأساسية:
"الأحكام الجزئية خادمة للكليات، فإذا عارضتها وجب تقديم الكليات"
تفصيل هذه المقولة:
الشريعة عند الشاطبي على مستويين:
المستوى الأول: الكليات
(المقاصد الكبرى — قطعية بالاستقراء)
↕
المستوى الثاني: الجزئيات
(أحكام تفصيلية — ظنية في الغالب)
قاعدة الاستقراء القطعي: من أعظم ابتكارات الشاطبي:
"المقاصد الكلية ثبتت بالاستقراء القطعي لا بنص واحد — فهي أقوى من كل نص آحادي"
يعني: حين نستقرئ مئات النصوص الجزئية نجد أنها جميعاً تتجه نحو هدف واحد — هذا التجمّع يُنتج قطعاً كلياً أقوى من أي نص منفرد.
مثاله الشهير: نص واحد على جواز قتل الكافر لا يُقدّم على مقصد حفظ النفس الثابت باستقراء مئات النصوص.
٥. نظرية المشقة والحرج
القاعدة الكبرى:
"المشقة التي لا تُحتمل عادةً لا تُطلب شرعاً، والمشقة التي تُحتمل عادةً لا تُسقط الواجب"
تقسيم المشقة:
المشقة
│
├── مشقة معتادة ← لا تُوجب تخفيفاً (كمشقة الصوم في الحر)
│
└── مشقة غير معتادة ← توجب الترخيص، وهي على درجات:
├── الشديدة جداً ← تسقط الوجوب مطلقاً
├── الشديدة ← تُخفف الوجوب (قصر، جمع)
└── المتوسطة ← خلاف في التخفيف
الرخص الست المبنية على هذه النظرية:
- الإسقاط: سقوط الجمعة عن المريض
- التخفيف: قصر الصلاة
- الإبدال: التيمم بدل الوضوء
- التقديم: الجمع تقديماً
- التأخير: الجمع تأخيراً
- الترخيص بالمحظور: أكل الميتة للمضطر
رابعاً: القواعد المقاصدية الكبرى عند الشاطبي
القواعد الأصولية الكبرى
القاعدة الأولى — قاعدة الاستقراء:
"الحكم الكلي لا يثبت بنص واحد ولا بنصين، بل بتتبع أدلة الشريعة كلها والنظر في مجموعها"
القاعدة الثانية — قاعدة الموافقة:
"الفعل الجزئي إذا أفضى إلى مفسدة كلية وجب تركه وإن كان مشروعاً في أصله"
القاعدة الثالثة — قاعدة التعارض:
"إذا تعارض مقصد ضروري مع مقصد حاجي قُدِّم الضروري، وإذا تعارض حاجي مع تحسيني قُدِّم الحاجي"
القاعدة الرابعة — قاعدة التحيّل:
"كل تصرف أفضى بالتحيل إلى إبطال حكم شرعي فهو مردود شرعاً وإن استوفى شروطه الشكلية"
القاعدة الخامسة — قاعدة الوسائل:
"الوسائل لها حكم المقاصد — ما أفضى إلى واجب فهو واجب، وما أفضى إلى محرم فهو محرم"
القاعدة السادسة — قاعدة البدعة:
"كل عبادة لا أصل لها في الشريعة فهي بدعة مردودة لأنها تتعارض مع مقصد حفظ الدين" (هذا أساس كتابه "الاعتصام")
خامساً: الخلاف مع الشاطبي — النقد الداخلي
النقد الأول: ابن تيمية وابن القيم (سابقان للشاطبي لكن رأيهما ينقد المنهج)
ابن تيمية:
- وافق على المقاصد الخمس كضوابط
- رفض جعل المصلحة مستقلة عن النص
- قاعدته: "لا مصلحة صحيحة تخالف النص — فإن خالفت فهي وهم لا مصلحة حقيقية"
ابن القيم في "إعلام الموقعين":
- طوّر فكرة المقاصد لكن ربطها بالنصوص ربطاً أحكم
- رفض الفصل بين المقصد والدليل اللفظي
النقد الثاني: من داخل المالكية
بعض المالكية رأوا أن الشاطبي وسّع المصلحة المرسلة أكثر مما ينبغي وأعطاها قوة قد تُزاحم النص.
النقد الثالث: الظاهرية
ابن حزم (سابق للشاطبي) كان سيرفض النظرية من أساسها:
"لا حكم إلا ما نصّ عليه الشرع — والمصلحة المرسلة ظن وهوى"
سادساً: من بعد الشاطبي — امتداد المدرسة
في العصر الوسيط
ابن عاشور (ت. 1393هـ) في "مقاصد الشريعة الإسلامية": أضاف مقاصد جديدة لم يذكرها الشاطبي:
- حفظ الحرية
- حفظ المساواة
- حفظ الكرامة الإنسانية
وانتقد الشاطبي في عدم كفاية التأصيل لمقصد العدالة.
علال الفاسي (ت. 1394هـ): ربط المقاصد بمفهوم الإصلاح الاجتماعي وطوّرها في اتجاه النهضوي.
في العصر الحديث — الإشكاليات الكبرى
المسار الأول — التوسع المعاصر: أضاف بعض الباحثين مقاصد جديدة:
- حفظ البيئة
- حفظ الأمن الاجتماعي
- حفظ الاقتصاد
النقد: هذا التوسع قد يُفضي إلى جعل المقاصد أداة تبرير لأي شيء.
المسار الثاني — التوظيف الحداثي: استعمل بعض الحداثيين نظرية المقاصد لتجاوز النصوص القطعية بدعوى تحقيق المصلحة — وهذا ما رفضه الشاطبي نفسه صراحةً.
المسار الثالث — التحقيق العلمي: أحمد الريسوني وجاسر عودة وآخرون حاولوا تطوير المقاصد ضمن ضوابط منهجية دقيقة تحفظ النصوص وتستثمر المقاصد معاً.
سابعاً: الخريطة الكاملة للمدرسة المقاصدية
الجذور
│
├── مالك ← المصلحة المرسلة وسد الذرائع
├── الجويني ← أول تصنيف للمقاصد
├── الغزالي ← تحديد الضروريات الخمس
└── العز بن عبد السلام ← الشريعة كلها مصالح
↓
الذروة: الشاطبي (الموافقات)
├── نظرية الكليات والجزئيات
├── الاستقراء القطعي
├── مقاصد الشارع ومقاصد المكلّف
└── قواعد المشقة والرخص
↓
الامتداد
├── ابن تيمية وابن القيم ← توظيف مضبوط بالنص
├── ابن عاشور ← توسيع المقاصد
├── علال الفاسي ← توجيه إصلاحي
└── المعاصرون ← إشكاليات منهجية جديدة
الخلاصة الجوهرية
المدرسة المقاصدية قامت على اكتشاف عميق:
الشريعة ليست مجموعة أوامر ونواهٍ متفرقة، بل هي منظومة غائية متكاملة تسعى إلى تحقيق غاية واحدة: صلاح الإنسان في الدنيا والآخرة
وهذا الاكتشاف حوّل الفقه من علم أحكام إلى علم حكمة — ومن قراءة النص إلى فهم الشريعة — ومن التقليد الجامد إلى الاجتهاد الحيّ المضبوط بالأصول.
الاستعمالات الغربية لأصول الفقه والمدرسة المقاصدية
تمهيد: لماذا اهتم الغرب بأصول الفقه؟
الاهتمام الغربي بأصول الفقه لم يكن وليد الصدفة بل نتاج ثلاثة دوافع متشابكة:
الدافع المعرفي: اكتشاف الباحثين الغربيين أن أصول الفقه يحتوي على نظرية قانونية متكاملة سبقت النظرية القانونية الغربية الحديثة في كثير من مباحثها.
الدافع السياسي: الحاجة إلى فهم القانون الإسلامي في سياقات الاستعمار ثم ما بعد الاستعمار وإدارة المجتمعات المسلمة.
الدافع الفلسفي: البحث عن بديل أو تكميل للنظريات القانونية الغربية المأزومة كالوضعية القانونية والنظرية الطبيعية.
أولاً: الموجات التاريخية للاهتمام الغربي
الموجة الأولى — الاستشراق الكلاسيكي (ق. 18-19م)
المرحلة التوثيقية البحتة
يوزف شاخت (Joseph Schacht) (1902-1969م): يُعدّ المؤسس الحقيقي لدراسة أصول الفقه في الغرب الأكاديمي.
كتبه المحورية:
- "أصول الفقه المحمدي" (1950م)
- "مدخل إلى الفقه الإسلامي" (1964م)
أطروحته الكبرى:
القانون الإسلامي لم ينشأ من القرآن والسنة النبوية الأولى، بل تشكّل في القرن الثاني الهجري تحت تأثير الممارسات الإدارية الأموية والعباسية، ثم أُسبغت عليه شرعية نبوية لاحقة عبر إسناد الأحاديث.
تأثيره: أسّس لمنهج تاريخي نقدي في دراسة أصول الفقه — لكنه مثير للجدل لأن استنتاجاته تضرب شرعية الحديث النبوي.
إغناتس غولدتسيهر (Ignaz Goldziher) (1850-1921م): سبق شاخت وأثّر فيه عميقاً.
أطروحته:
كثير من الأحاديث النبوية التي بنى عليها أصول الفقه نشأت متأخرة وتعكس صراعات فقهية لاحقة لا أقوال النبي الفعلية.
النقد الإسلامي: ردّ عليهما علماء كثيرون أبرزهم محمد مصطفى الأعظمي في "دراسات في الحديث النبوي" الذي فنّد منهجهما بأدوات فيلولوجية غربية ذاتها.
كريستيان سنوك هرخرونيه (Snouck Hurgronje) (1857-1936م): مستشرق هولندي عمل في إندونيسيا الاستعمارية.
استعمل أصول الفقه لغرض استعماري صريح:
فهم المقاصد وتحديد المرونة الفقهية لمعرفة ما يمكن للسلطة الاستعمارية استيعابه وما يجب قمعه.
هذا النموذج سمّاه الباحثون لاحقاً: "الاستشراق الخادم للاستعمار"
الموجة الثانية — التحليل القانوني المقارن (ق. 20م)
من التوثيق إلى المقارنة
نويل كولسون (Noel Coulson) (1928-1986م): في كتابه "تاريخ القانون الإسلامي" (1964م):
- قارن بين أصول الفقه والقانون الروماني
- أبرز أن مفهوم العلة في القياس يوازي مفهوم ratio legis في القانون الروماني
- رأى أن الشريعة الإسلامية تجمع بين:
- الإلهامية (المصدر الإلهي) كالقانون الطبيعي
- الوضعية (التقنين البشري) كالقانون الوضعي
أهميته: أخرج دراسة أصول الفقه من الاستشراق إلى القانون المقارن الأكاديمي.
ويليام هاليك (Wael Hallaq) (1955م — معاصر): أبرز باحثي أصول الفقه في الغرب اليوم — فلسطيني الأصل كندي الإقامة.
كتبه المحورية:
- "هل كان الباب الاجتهاد مغلقاً؟" (1984م) — مقالة غيّرت الحقل
- "تاريخ نظريات الفقه الإسلامي" (1997م)
- "أصول التشريع الإسلامي" (2009م)
- "الدولة المستحيلة" (2013م)
أطروحته المحورية:
الادعاء بأن "باب الاجتهاد أُغلق" في القرون الوسطى أسطورة غربية الصنع — الاجتهاد استمر بأشكال متجددة.
وفي "الدولة المستحيلة" ذهب إلى:
الدولة الإسلامية الحديثة مستحيلة لأنها تحاول توظيف الشريعة في بنية الدولة الحديثة التي تناقض بطبيعتها المنطق المقاصدي للفقه الكلاسيكي.
الموجة الثالثة — الفلسفة القانونية والنظرية السياسية (ق. 21م)
هنا يصبح التوظيف أكثر عمقاً وإبداعاً — لا مجرد دراسة بل حوار نظري حقيقي.
ثانياً: توظيفات أصول الفقه في الفلسفة القانونية الغربية
١. أصول الفقه وفلسفة القانون الطبيعي
أوجه التقاطع:
| أصول الفقه | القانون الطبيعي (Natural Law) |
|---|---|
| الأحكام مبنية على حكمة إلهية | القانون مبني على العقل الطبيعي |
| المقاصد الخمس معيار الحكم | الكرامة الإنسانية معيار الحكم |
| الشريعة فوق التشريع البشري | القانون الطبيعي فوق القانون الوضعي |
| العدل مقصد شرعي أصيل | العدل مبدأ قانوني طبيعي |
الباحث الأبرز في هذا التقاطع: جون فينيس (John Finnis) — فيلسوف القانون الطبيعي الكاثوليكي — في كتابه "القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية" (1980م):
حدّد ثمانية خيرات أساسية هي أساس القانون:
خيرات فينيس الثمانية:
الحياة / المعرفة / اللعب / التجربة الجمالية
الصداقة / العقلانية العملية / الدين / السلامة
قارن باحثون بينها وبين الضروريات الخمس المقاصدية واكتشفوا توافقاً بنيوياً عميقاً رغم اختلاف المصدر.
٢. أصول الفقه والنظرية التفسيرية (Hermeneutics)
هذا أكثر التوظيفات إثارةً في الغرب الأكاديمي.
ربط باحثون بين:
- التفسير الأصولي للنص القرآني
- الهيرمينوطيقا الغادامرية والريكورية
هانز-غيورغ غادامر (Gadamer) في "الحقيقة والمنهج":
كل قراءة للنص تحدث في أفق تاريخي — القارئ لا يصل إلى المعنى الخالص أبداً.
المقابل الأصولي: الأصوليون قالوا بمفهوم أسباب النزول والسياق — أي أن النص لا يُفهم مجرداً من سياقه التاريخي.
الفيلسوف نصر حامد أبو زيد (1943-2010م): وهو مصري لكن كان يعمل في جامعة ليدن الهولندية — جسّر بين الهيرمينوطيقا الغربية والتفسير الأصولي في كتابه "مفهوم النص":
القرآن نص لغوي تاريخي يخضع لقوانين اللغة والتاريخ كغيره من النصوص.
هذا الرأي أحدث عاصفة في مصر وأُعلنت ردته — لكنه في الغرب الأكاديمي صار مرجعاً للربط بين الأصولين.
٣. أصول الفقه ونظرية التداول (Deliberative Democracy)
يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) — أبرز فيلسوف ألماني معاصر — طوّر نظرية الديمقراطية التداولية:
الشرعية السياسية تنبع من العقل التداولي العام لا من السلطة أو التقليد.
التقاطع مع أصول الفقه: باحثون رأوا في الإجماع الأصولي موازياً للتداول الهابرماسي:
| الإجماع الأصولي | التداول الهابرماسي |
|---|---|
| يشترط أهلية المجتهدين | يشترط الكفاءة التداولية |
| يستهدف الوصول للحكم الصحيح | يستهدف الوصول للقرار العادل |
| مقيّد بالنص والمقاصد | مقيّد بقواعد العقل التواصلي |
| شرعيته من الله | شرعيته من العقل الجمعي |
أندرو مارش (Andrew March) في "الإسلام والليبرالية" (2009م): استكشف إمكانية التوافق بين المقاصد وقيم الليبرالية السياسية.
٤. أصول الفقه وفلسفة الحقوق
أن كابة (Ann Elizabeth Mayer) في "الإسلام وحقوق الإنسان": درست العلاقة بين المقاصد الخمس ومنظومة حقوق الإنسان الدولية:
المقاصد الخمس ←→ حقوق الإنسان الدولية
حفظ الدين ←→ حرية الدين والضمير
حفظ النفس ←→ الحق في الحياة والسلامة
حفظ العقل ←→ الحق في التعليم والتفكير
حفظ النسل ←→ حقوق الأسرة والطفل
حفظ المال ←→ الحق في الملكية
نتيجتها المثيرة: رغم التوافق الظاهري، الإطار مختلف جذرياً:
- المقاصد: واجبات جماعية تحمي الفرد
- حقوق الإنسان: حقوق فردية في مواجهة الجماعة
ثالثاً: التوظيف في الدراسات القانونية التطبيقية
١. القانون الدولي والمقاصد
خالد أبو الفضل (Khaled Abou El Fadl) — أستاذ في جامعة UCLA: في "الإسلام والتحدي الديمقراطي" و**"الحوكمة في الإسلام"**:
وظّف المقاصد لبناء نظرية إسلامية في:
- حقوق الإنسان
- الحوكمة الديمقراطية
- القانون الدولي الإنساني
قاعدته:
المقاصد الشاطبية توفّر إطاراً إسلامياً أصيلاً للانخراط في القانون الدولي دون الاستسلام للإطار الغربي.
محمد هاشم كمالي (Mohammad Hashim Kamali) — أستاذ ماليزي في جامعة هارفارد سابقاً: في "أصول الفقه الإسلامي"(أوسع كتاب بالإنجليزية في الموضوع):
ربط المقاصد بـ:
- قانون التجارة الدولية — المعاملات المالية الإسلامية
- القانون البيئي — مقصد حفظ البيئة كضرورة معاصرة
- قانون الأسرة في맥سياقات الأقليات المسلمة
٢. القانون الدستوري المقارن
عمر تاسبير (Umar Faruq Abd-Allah) وآخرون: ربطوا بين:
- مبدأ الشورى والمبادئ الديمقراطية الدستورية
- مفهوم الولاية ونظرية التمثيل السياسي
- مقاصد العدل ومبدأ سيادة القانون
٣. المالية الإسلامية والاقتصاد
هذا أكثر المجالات التطبيقية نمواً في توظيف أصول الفقه غربياً.
مركز دراسات التمويل الإسلامي في هارفارد: أسّسه السنهوري ثم طوّره نعوم فولدمان (Noah Feldman):
وظّفوا:
- قواعد المعاملات الأصولية في تصميم العقود الإسلامية
- مقصد حفظ المال في نظرية الاقتصاد الأخلاقي
- القياس الأصولي في تطوير أدوات مالية إسلامية في البنوك الغربية
الانتقاد: كثيرون رأوا أن هذا التوظيف سطحي — يستعير الغلاف الأصولي ويفرّغه من المضمون المقاصدي الحقيقي.
رابعاً: أبرز المراكز الأكاديمية الغربية المتخصصة
المراكز الغربية لدراسة أصول الفقه
│
├── جامعة هارفارد (Harvard)
│ └── Islamic Legal Studies Program
│ أبرز أساتذته: نعوم فولدمان، إنبراهيم موسى
│
├── جامعة أكسفورد (Oxford)
│ └── Oxford Centre for Islamic Studies
│ أبرز أساتذته: ويليام غراهام، عبد الحميد أبو سليمان
│
├── جامعة كولومبيا (Columbia)
│ └── ويليام هاليك (أبرز أصوليي الغرب)
│
├── جامعة ليدن الهولندية (Leiden)
│ └── تخصص في الهيرمينوطيقا القرآنية
│ أبرز أساتذته: نصر حامد أبو زيد (سابقاً)
│
├── الجامعة الأمريكية في واشنطن
│ └── خالد أبو الفضل (UCLA سابقاً)
│
└── المعهد العالمي للفكر الإسلامي (IIIT)
└── يربط بين الغرب والعالم الإسلامي
أبرز أساتذته: طه جابر العلواني، جاسر عودة
خامساً: إسهامات جاسر عودة — النموذج التوليفي
جاسر عودة هو الأكثر تمثيلاً للتوظيف الغربي-الإسلامي المعاصر للمقاصد.
في كتابه الرئيسي "المقاصد كفلسفة للشريعة الإسلامية — رؤية منظومية" (2008م) الصادر بالإنجليزية أولاً:
وظّف نظرية الأنظمة (Systems Theory) الغربية في فهم المقاصد:
المقاصد كنظام
│
├── الخاصية الأولى: الكلية (Wholeness)
│ المقاصد منظومة لا مجموع أجزاء
│
├── الخاصية الثانية: الانفتاح (Openness)
│ الشريعة نظام مفتوح على الواقع المتغير
│
├── الخاصية الثالثة: التداخل (Interrelation)
│ المقاصد الخمس تتشابك لا تتعارض
│
├── الخاصية الرابعة: التدرّج (Hierarchy)
│ الضروري فوق الحاجي فوق التحسيني
│
└── الخاصية الخامسة: القصدية (Purposefulness)
كل حكم جزئي غائي يخدم مقصداً كلياً
إضافاته على الشاطبي:
- أضاف حفظ الكرامة الإنسانية كضرورة سادسة
- أضاف حفظ الحقوق المدنية والسياسية
- أضاف حفظ المجتمع كمقصد جماعي
النقد: بعض العلماء رأوا أن هذا التوسع يُفقد المقاصد انضباطها المنهجي ويجعلها مطاطة لتبرير أي موقف.
سادساً: الانتقادات الغربية الجذرية لأصول الفقه
النقد الأول — نقد ما بعد الاستعمار (Post-Colonial Critique)
طلال أسد (Talal Asad) في "أنثروبولوجيا الإسلام" و**"تشكيلات العلمانية"**:
دراسة الغرب لأصول الفقه هي في جوهرها سلطة معرفية — الغرب يُعرّف الإسلام من خلال مفاهيمه القانونية الخاصة ويُخضعه لمنطق التصنيف الغربي.
نقده:
- مفهوم "القانون الإسلامي" نفسه اختراع غربي-استعماري
- أصول الفقه في سياقه الحضاري كان علم حياة لا مجرد علم قانون
- نقله إلى الإطار القانوني الغربي يُشوّهه
النقد الثاني — الوضعية القانونية (Legal Positivism)
من منظور كلسن وهارت:
القانون الصحيح هو ما يصدر عن سلطة وضعية وتُطبّقه محاكم معترف بها — الأحكام المبنية على نص ديني ليست "قانوناً" بالمعنى التقني.
الرد المقاصدي: المقاصد تُجيب: القانون ليس مجرد أمر سلطة بل منظومة غائية — وهذا ما يقوله نقاد الوضعية أنفسهم كرونالد دووركين.
النقد الثالث — النسوية القانونية (Feminist Legal Theory)
أماني ضيف الله وباحثات أخريات:
المقاصد بنيت تاريخياً على منطق ذكوري — مقصد حفظ النسل مثلاً يُعالج المرأة كوعاء إنجاب لا كذات حقوقية مستقلة.
الرد: جاسر عودة وآخرون يرون أن المقاصد إطار مرن يمكن إعادة بنائه من داخله لصون كرامة المرأة — لكن هذا محل جدل واسع.
سابعاً: خريطة التوظيفات الغربية
الاستعمالات الغربية لأصول الفقه
│
├── توظيف استشراقي (ق.19-20م)
│ ├── توثيقي: شاخت، غولدتسيهر
│ └── استعماري: هرخرونيه
│
├── توظيف قانوني مقارن (ق.20م)
│ ├── مقارنة بالقانون الروماني: كولسون
│ └── نقد أسطورة إغلاق الاجتهاد: هاليك
│
├── توظيف فلسفي (ق.20-21م)
│ ├── فلسفة القانون الطبيعي: فينيس
│ ├── الهيرمينوطيقا: غادامر، أبو زيد
│ └── الديمقراطية التداولية: هابرماس
│
├── توظيف حقوقي (ق.21م)
│ ├── حقوق الإنسان: مايار، أبو الفضل
│ ├── القانون الدولي: كمالي
│ └── القانون الدستوري المقارن
│
├── توظيف اقتصادي (ق.21م)
│ ├── المالية الإسلامية: هارفارد
│ └── الاقتصاد الأخلاقي
│
└── توظيف نقدي (ق.21م)
├── ما بعد الاستعمار: طلال أسد
├── النسوية القانونية
└── الوضعية القانونية
الخلاصة الجوهرية
الاستعمالات الغربية لأصول الفقه تكشف حقيقة مزدوجة:
من جهة: أصول الفقه والمقاصد تحتوي على طاقة نظرية هائلة قادرة على الحوار مع أرقى النظريات القانونية والفلسفية الغربية — بل وتسبقها في كثير من المباحث.
من جهة أخرى: خطر التوظيف الغربي هو استيعاب أصول الفقه في الإطار الغربي وإفقاده خصوصيته التأسيسية — أي الإيمان بأن الشريعة وحي إلهي لا مجرد منظومة عقلانية بشرية.
ولهذا قال ويليام هاليك في خلاصة مسيرته:
"الغرب لا يدرس أصول الفقه ليفهمه بل ليُدجّنه — والمشروع الحقيقي هو إعادة الفقه الإسلامي إلى حضارته الخاصة بعيداً عن دولة الحداثة التي تُفسده"
وهذه المقولة هي اليوم مركز الجدل الأعمق في هذا الحقل.