تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مجلة معاوية بن أبي سفيان

من حضانة اليتيمة إلى اضطراب السلطان

من حضانة اليتيمة إلى اضطراب السلطان

قراءة نقدية في صورة عليّ بين دعوى القضاء وواقع الدولة

ليست المشكلة في أن رجلًا أخطأ؛ فالخطأ يقع من البشر جميعًا. المشكلة حين يُرفع رجل إلى مقام الرمز القضائي والسياسي المطلق، و حين يقع الخلل في قضية ظاهرة ثم تأتي الوقائع الثابتة فتُظهر أن الصورة أوسع من النصوص، وأن الهالة التي صُنعت حوله أكبر من الامتحان الذي نجح فيه فعلًا. هنا لا يعود السؤال: هل وقع منه خطأ؟بل يصير السؤال الأشد: هل الصورة الموروثة عنه صُنعت على قدر الوقائع، أم فُرضت على الوقائع فرضًا؟ وهل صُنعت الهالة ثم فُرضت على النصوص بدل أن تُستخرج النصوص منها؟ 

أولًا: قضية ابنة حمزة ليست هامشًا… بل امتحان كاشف

 

فقضية ابنة حمزة ليست هامشًا عابرًا. في الرواية الثابتة، تنازع علي وجعفر وزيد في كفالة ابنة حمزة. في الصحيح تذكر أن ابنة حمزة تبعت الخارجين من مكة بعد عمرة القضاء، فأخذها علي، ثم اختصم فيها علي وجعفر وزيد. فقال علي: “أنا أحق بها وهي ابنة عمي”، وقال جعفر: “ابنة عمي وخالتها تحتي”، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بها لجعفر، وقال الحكم الذي كشف وجه الحق من أصله: “الخالة بمنزلة الأم.” هذه ليست نازلة غامضة، بل صورة إنسانية واضحة: يتيمة فقدت أباها، ومصلحتها الأرفق والألصق أن تكون عند من في بيته خالتها. هنا لا يظهر مجرد “عدم التوفيق”، بل يظهر اختلال في ترجيح الأوضح: تقديم عمومة مجردة على الحضانة الأرفق والألصق بالطفلة. ومن هنا يصح أن يُسأل: إذا لم يظهر هذا الوجه من أول وهلة في قضية بهذا الوضوح، فكيف ثُبِّتت بعد ذلك صورة “أقضانا علي” كأنها فوق الامتحان؟

هذه الواقعة لا ينبغي تهوينها. فهي ليست من دقائق القضاء التي تحتاج إلى ذهن خارق، بل من المسائل التي يكاد يدل عليها أصل الرحمة والفطرة قبل التفريع الفقهي: طفلة يتيمة فقدت أباها، والأرفق بها أن تكون عند من في بيته خالتها. ومع ذلك تقدّم علي بحجة العمومة، ولم يُعرف الوجه الأرجح إلا بعد الحكم النبوي الفاصل. والثابت في النص أن جعفر قدّم عنصر الخالة صراحة، ثم جاء القضاء موافقًا له. 

ثانيًا: حادثة بنت أبي جهل تكشف خللًا في تقدير الأثر

والأخطر أن هذه الواقعة لا تُقرأ وحدها، بل تُقرأ مع نمط آخر: تقدّم الاعتبار الذاتي أو الاعتبار العائلي حيث كان المنتظر تقديم الأرفق والأهدأ والأبعد عن التوتر. وفي هذا السياق تبرز حادثة خطبة بنت أبي جهل، وهي ثابتة في الصحيح أيضًا. فقد نقل المسور بن مخرمة أن عليًا خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبًا وقال إن فاطمة بضعة منه، وإنه لا يجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد، وترك علي الخطبة بعد ذلك. هذه الرواية لا تثبت “كفرًا” ولا ما يشبه ذلك، لكنها تثبت شيئًا مهمًا في باب الوزن النفسي والسياسي: أن تقدير أثر الفعل على بيت النبوة وعلى فاطمة لم يكن حاضرًا بالدرجة التي منعت أصل الإقدام حتى احتاج الأمر إلى تدخل نبوي علني حاسم. وهذا يضعف بدوره صورة الرجل الذي تُرسم له شخصية الاتزان الكامل في تقدير العواقب.  

ثالثًا: أخطر اعتراف سياسي… “يملكوننا ولا نملكهم”

ثم إذا انتقلنا من المجال الأسري إلى المجال السياسي، دخلنا أخطر مرحلة: مرحلة ما بعد عثمان. هنا لا يعود الكلام اتهام خصوم، بل نصوصًا منسوبة إلى علي نفسه في الأخبار التاريخية المشهورة. فحين طالبه طلحة والزبير ومن معهم بإقامة الحد على قتلة عثمان، نُقل عنه قوله: “كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟” وفي رواية أخرى في السياق نفسه: إن هؤلاء قد ثارت معهم الأعراب والعبيد، وأنه لا يرى موضع قدرة على ما يطلبونه في تلك اللحظة. سواء فسّرت هذا الكلام على أنه عجز مرحلي أو عجز بنيوي، فالنتيجة السياسية واحدة: الرجل الذي بويع بالخلافة يقرّ أن القوة الفعلية ليست بيده، وأن العناصر المنفلتة التي شاركت في الفتنة صارت تملك من التأثير ما يعطل القصاص. وهذا في منطق الدولة ليس تفصيلًا؛ بل هو شهادة مبكرة على ولادة سلطة منقوصة السيادة.  

ومن هنا تنشأ المعضلة الكبرى التي لا تحلها العاطفة. إذا كان بريئًا من دم عثمان، فالمتوقع سياسيًا وشرعيًا أن يكون أول مشروعه عزل القتلة وحصرهم والتمكين للقصاص. وإذا كان لا يستطيع ذلك، فهذه ليست شهادة لصالح أهليته للإمارة، بل شهادة على أن سلطته وُلدت مكبلة. وإذا كان قد أبقاهم في المجال العسكري والسياسي لأنهم مادة قوته، فهنا تنتقل المشكلة من باب الضعف إلى باب الارتهان. أما دعوى أنه كان صاحب دولة مكتملة الشرعية والقدرة ثم عُرقلت ظلمًا فقط، فتصطدم مع اعتراف “يملكوننا ولا نملكهم” صدامًا مباشرًا. النص نفسه يهدم صورة الدولة الراسخة.  

رابعًا: دعوى “الخلافة التامة العامة و التربيع” لا تصمد

ولهذا كان من المهم الالتفات إلى ما قرره ابن تيمية في “منهاج السنة” عند مناقشة مسألة البيعة بعد عثمان؛ إذ ردّ على دعوى أن الناس كلهم بايعوا عليًا، وعدّ هذا من الكذب، لأن الاجتماع التام لم يحصل. وبغض النظر عن الموقف من ابن تيمية نفسه، فوجه الاستدلال هنا واضح: خلافة علي عنده لم تكن من جنس الخلافة التامة العامة التي استقر لها الاجتماع والقوة معًا، بل كانت خلافة دخلتها المنازعة والافتراق. هذا لا يثبت وحده حكمًا أخلاقيًا على الرجل، لكنه ينسف البناء الدعائي الذي يصور الأمر كأنه امتداد طبيعي صافٍ لنموذج أبي بكر وعمر وعثمان. فهناك فرق بين دولة تنتقل بالشورى والاستقرار النسبي، وبين سلطة تولد من قلب فتنة كبرى وتقرّ من يومها الأول بعجزها عن إنفاذ العدالة في القضية التي قامت عليها الأزمة أصلًا.  

خامسًا: الخيط الناظم… ليس خطأً واحدًا بل نمطًا

ومن هنا تصير المسألة أعمق من أخطاء متفرقة. نحن أمام خلل في الشخصية السياسية:

شخصية لا تحسم الأوضح مبكرًا في قضية حضانة، وتحتاج إلى حكم خارجي يردها إلى الأرفق.

وشخصية تقدِم على فعلٍ أسري حساس حتى يتدخل النبي صلى الله عليه وسلم علنًا لإيقافه.

وشخصية تصل إلى السلطة في أخطر لحظة من تاريخ الجماعة، ثم تقرّ بأن الفاعلين على الأرض “يملكونها” أكثر مما تملكهم.

هذه ليست صورة “الحاكم الراشد المكتمل الأدوات”، بل صورة رجل دخلت عليه العاطفة القرابية، والحسابات المتأخرة، والعجز التنفيذي، ثم صارت هذه التركيبة نفسها منبعًا لسلسلة البلايا اللاحقة.  

سادسًا: ما الذي يصلح من استدلالاتك، وما الذي لا يصلح؟

ولهذا فالنقد الأقوى ليس أن يقال: “علي سيئ” على طريقة السباب، فهذا ضعيف علميًا. النقد الأقوى أن يقال: النصوص لا تسعف الهالة المصنوعة. فحين تُجمع الوقائع الثابتة، يظهر رجل له مناقب قليلة ان لم نقل منعدمة و عند قومه العباسيين و الطالبيين بين ضعف جل رواياتها، لكن يظهر أيضًا قصور بيّن في صفاء الترجيح، وفي تقدير الأثر، وفي صناعة الاستقرار السياسي. وعندئذٍ لا يعود ممكنًا أن تمرّ شعارات مثل “أقضانا علي” و“نموذج الإمارة او الخلافة الراشدة” و“التربيع” و“العصمة” من غير مساءلة. بل الواجب العلمي أن يقال: هذه الشعارات أكبر من الوقائع التي يُحتج بها لها.  

خاتمة

من عجز عن إدراك الأرفق ليتيمة حتى قيل له: الخالة بمنزلة الأم، لا يُسلَّم له بأنه ميزان القضاء بلا مناقشة.

ومن احتاج إلى منبر النبوة لردعه في أمرٍ آذى فاطمة، لا يُرسم للناس في صورة الحكيم الذي لا يختل تقديره.

ومن اعترف وهو في موقع السلطة أن القوم يملكونه ولا يملكهم، لا يُقدَّم بوصفه صاحب دولة مكتملة الأهلية والهيبة.

فالمشكلة ليست في واقعة واحدة، بل في خيط ناظم:

قصور في ترجيح الأوضح : الذي لا يلتقط الأرجح في حضانة ظاهرة، لا يُسلَّم له أنه ميزان القضاء بلا مراجعة.

واضطراب في تقدير العواقب : والذي يحتاج في ملف أسري حساس إلى تقويم نبوي علني، لا يُمنح صورة الحكيم الكامل بلا فحص.

وعجز في إمساك زمام الدولة ساعة الانفجار : والذي يعترف في أول أزمة دولة أنه لا يملك الفاعلين كما ينبغي، لا يُقدَّم على أنه صاحب إمارة مستقرة تامة الأهلية.

لهذا فالنقد الجاد يكفيه أن يعرض الوقائع كما هي. وعندها تسقط الاصنام وحدها، لأن النصوص نفسها تقول: الصورة المصنوعة أكبر من الواقع.

إن تعطيل القصاص لم يكن عجزاً، بل كان "سياسة". وانتقال العاصمة للكوفة لم يكن تكتيكاً، بل كان "انحيازاً". وما فعله التيار العثماني هو أنهم رفضوا تسليم رقبة الأمة لمن صعد إلى المنبر على جماجم الخلفاء وبسيوف الغوغاء.

ومن هذا الخيط خرجت الفتنة، وتوالد الاضطراب، ثم جاءت بعد ذلك ماكينة التقديس لتطلي الخلل بلغة الفضائل. لكن الوقائع إذا نطقت، سقط الطلاء، وبقي الامتحان العاري: هل الرجل الذي لم يحسم الأوضح، ولم يضبط الأشد، يصلح أن يُجعل أصلًا في القضاء والإمارة؟ النصوص التي بأيديهم لا تساعدهم كما يظنون

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.