الترتيبُ التوقيفي: مَن خالفَ إجماعَ الصحابةِ في «الثلاثة» فقد فارقَ المَحَجَّة

بقلم: هيئة تحرير مجلة معاوية

إنّ قضية التفضيل بين أصحاب رسول الله ﷺ ليست مسألةً تاريخيةً خاضعة للأهواء، ولا قراءةً سياسيةً متأخرة، بل هي أصلٌ عقديٌّ دقيق، وميزانٌ تُعرف به سلامة المنهج من انحرافه. والمتأمل في نصوص الوحي، وفيما استقر عليه الصدر الأول، يدرك أن ترتيب: أبي بكر ثم عمر ثم عثمان لم يكن اجتهادًا بشريًا محضًا، بل إجماعًا أُقِرَّ في زمن النبوة، وسنةً تقريريةً لا تقبل النقض.

أولاً: التفضيل زمنَ النبوة (الوحي الإقراري)

كان الصحابة – والوحي ينزل – يضعون الرجال في منازلهم بلا غلوّ ولا تحامل. روى الإمام البخاري في صحيحه (3697) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:

«كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكرٍ أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم».

وفي رواية أبي داود: «يبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره علينا». وهذه الجملة وحدها تهدم كل بناءٍ متأخر؛ فإقرار النبي ﷺ حجةٌ شرعية، وسكوته وحيٌ، ولو كان هذا الترتيب باطلاً أو جائرًا لصحّح الوحي أو أنكره الرسول ﷺ، ولا يجوز في الشرع تأخير البيان عن وقت الحاجة.

ثانيًا: التوقفُ عند الثلاثة… منهجُ العدل والسلامة

قول ابن عمر: «ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم» يؤسس قاعدةً سلفيةً متينة: التفضيل القطعي يتوقف عند الثلاثة، وما سواهم ففضلهم ثابت، ومكانتهم محفوظة، لكن دون مزاحمةٍ لرتبةٍ أقرها الوحي والإجماع العملي.

ثالثًا: الإجماع العملي وموقفُ المهاجرين والأنصار

لم يبقَ هذا الترتيب حبرًا على ورق، بل تُرجم واقعًا يوم السقيفة، ثم في استخلاف عمر، ثم في البيعة العامة لعثمان بن عفان رضي الله عنه. والطعن في عثمان هو طعنٌ مباشر في المهاجرين والأنصار جميعًا، ولهذا قال الإمام أيوب السختياني كلمته القاصمة:

«مَنْ قَدَّمَ عَلِيًّا عَلَى عُثْمَانَ فَقَدْ أَزْرَى بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ».

لأنهم بايعوا عثمان عن إجماعٍ ورضًا، وفيهم عليٌّ نفسه، فمن زعم أن غيره أحقّ، فقد اتهم خير القرون إما بالجهل أو بالخيانة، وحاشاهم.

رابعًا: شهادةُ علي بن أبي طالب (الحجة الدامغة)

العجيب أن يُنسب الانتصار لعليٍّ عنه مع مخالفة نصوصه الصريحة. فقد روى البخاري عن محمد بن الحنفية قال:

«قلت لأبي: أيُّ الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال: أبو بكر. قلت ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن يقول عثمان، قلت ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين».

هذا النص وحده ينسف السرديات الباطنية المتأخرة، ويعيد عليًّا إلى موقعه الطبيعي: مُقِرٌّ بفضل الشيخين، بعيدٌ عن دعاوى العصمة والتقديم القهري.

الخلاصة: مفارقةُ المنهج

  • من خالف ترتيب الثلاثة خالف السنة التقريرية.
  • وطعن – لوازمًا – في إجماع المهاجرين والأنصار.
  • وخرج عن منهج السلف الذي استقر على أن ترتيب الخلافة هو ترتيب الفضل.

إن سلامة القلب واللسان لأصحاب رسول الله ﷺ تقتضي الوقوف حيث وقفوا، والتسليم بما سلّموا به، فقد وقفوا عن علم، وكفّوا عن بصيرة، ومن تجاوزهم ضلّ الطريق وإن ظنّ نفسه على هدى.

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.