التضليل التاريخي ومعركة الوعي

كيف تحوّل مجلة «معاوية بن أبي سفيان» مفاهيم التنظير إلى أمثلة حيّة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بنت مجلة معاوية بن أبي سفيان رؤيتها على منهجٍ راشدٍ يقوم على تصحيح البوصلة التاريخية والعقدية للأمة الإسلامية، وإحياء الوعي بمنهج الصحابة، بعد أن لوّثت الدعاية الشيعية–العباسية–الباطنية الوعي العام، وشوّهت الوقائع وروّجت للأباطيل على حساب الحقيقة.

هذا المشروع ليس مجرد خطاب انفعالي ضد خصم مذهبي، بل محاولة منهجية لمواجهة التضليل التاريخي: تضليل حوّل قتلة عثمان إلى “ثوار”، وغلّف سياسة علي بهالة عصمةٍ غير مصرّح بها، وصوّر معاوية ومعسكر الشام على أنهم “فئة باغية”، وأعاد تعريف أهل السنة وفق القاموس العباسي لا وفق نصوص القرآن والسنّة.

في هذا المقال سنربط بين مفهوم التضليل كما تُعرّفه أدبيات حرب المعلومات الحديثة، وبين ما تفعله المجلة عمليًا في مقالاتها من تحقيق وتوثيق وكشف للسرديات المزيفة.

أولًا: من النظرية إلى التطبيق

كيف نترجم: التضليل – المعلومات الخاطئة – المعلومات المؤذية – الرأي… إلى ساحة الفتنة الكبرى؟

في العلوم الحديثة يُفرَّق بين أربع طبقات من المحتوى: التضليل، والمعلومات الخاطئة، والمعلومات المؤذية، والرأي. ولو أسقطنا هذه الطبقات على ساحة التاريخ الإسلامي والفتنة الكبرى، سنجد أن أقسام المجلة ومقالاتها تلامس كل مستوى من هذه المستويات:

  • التضليل (كذب متعمّد):
    يتجلى في الروايات التي صُنعت أو انتُقيت بعناية لتقديس طرفٍ وتشيطن آخر. مثال ذلك: مقال «علي.. من معارضة النبي ﷺ إلى الطعن في الخلفاء» الذي يكشف طبقة من التضليل العباسي–الشيعي أخفت نصوصًا صحيحة من الصحيحين لأنها تهدم أسطورة “العصمة السياسية” التي بُني حولها خطاب كامل.
  • المعلومات الخاطئة (يُنشر الجهل بحسن نية):
    كثير من الخطباء والوعّاظ ينقلون ما اشتهر في الكتب المتأخرة ومقاطع الفيديو دون تمحيص، فيعيدون إنتاج جهل تراكم عبر القرون. مقالات التحقيق في المجلة تعالج هذا المستوى عبر تتبع الأسانيد والمصادر الأصلية بدل تكرار ما شاع في الخطب والمنابر.
  • المعلومات المؤذية (حق يُراد به باطل):
    استعمال نصوص صحيحة، لكن بترها من سياقها أو تضخيمها، للتشويه. مثال ذلك:
    «فضالة بن عبيد.. مفتي دمشق وصاحب النبي ﷺ الذي ولاه معاوية» و «أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنهما» ؛ فهذه المقالات تعيد عرض تراجم رجال الشام والعثمانية الذين تعمّد الخطاب المضلِّل تقزيمهم أو إسقاطهم من الوعي العام، مع أن شهاداتهم حاسمة في ميزان القصاص والشورى.
  • الرأي (اجتهاد وتقدير لا يساوي الكذب المتعمد):
    المجلة تفرّق بين من يخالف في بعض التفاصيل بناء على اجتهادٍ علمي، وبين من يسبّ الصحابة ويطعن في عدالتهم ثم يتستر بعنوان “قراءة جديدة للتاريخ”. هذا التفريق يظهر بوضوح في مقالات المنهج والرؤية، وفي «دليل المناظِر العثماني» الذي يضع أُسسًا راشدة لإدارة الخلاف دون تحويل الخصومة العلمية إلى تضليل متعمّد.

بهذا المعنى، تُصبح المجلة مختبرًا حيًّا لمواجهة التضليل التاريخي، لا مجرد منصة نشر رأي أو انفعال.

ثانيًا: مثال تطبيقي 1

تفكيك “أسطورة العصمة الهاشمية” في مقال: «علي.. من معارضة النبي ﷺ إلى الطعن في الخلفاء»

هذا المقال لا يكتفي بإعلان موقف عقدي، بل يشتغل على مستوى تشريح خطاب التضليل الذي قدّس سلوك شخصية تاريخية وأخفى ملفات كاملة من سيرتها.

  1. العودة إلى أصح المصادر:
    يعتمد المقال على نصوص من صحيح البخاري في قصة الحديبية ومواضع أخرى، ليُظهر نمطًا من الممانعة والجدل، لا حادثة معزولة. وبذلك يواجه تضليلًا أخفى هذه النصوص أو همّشها لأن ظهورها يهدم صورة مثالية صُنعت في عصور متأخرة.
  2. تحويل “المقدّس” إلى مادة تحليل:
    كثير من المسلمين نشؤوا على أن نقد مواقف معيّنة من تلك الشخصية “نصب” أو “بغض لأهل البيت”. المقال يكسر هذا الخوف، ويطالب بمنهج واحد في التعامل مع كل الصحابة: ما ثَبَت يُقبل، وما لم يثبت يُرد، وما كان اجتهادًا يُوزن بميزان الشورى والقصاص.
  3. ربط السلوك الفردي بالنتائج السياسية:
    يربط المقال بين سلوك المعارضة المبكرة، وتأخر البيعة، وبعض المواقف من عثمان، وبين ما آل إليه أمر الفتنة الكبرى؛ ليقول إن صناعة المظلومية لم تنشأ من فراغ، وإن جزءًا من التضليل هو إخفاء مسؤولية المواقف لا تعظيمها.

هكذا يكشف هذا المقال طبقة تضليلٍ تاريخي حاولت فرض “قداسة سياسية” على حساب النصوص والوقائع، ويعيد الأمور إلى ميزان البحث الرشيد.

ثالثًا: مثال تطبيقي 2

من تغييب الحدث إلى توثيقه بالصورة: «طعن علي بن أبي طالب في ولي أمره عثمان بن عفان أمام الناس»

هذا المقال يعالج نوعًا آخر من التضليل: التضليل بالصمت أو بالتلطيف. كثير من السرديات التقليدية إما تتجاهل هذه الحادثة أو تمرّ عليها بخجل؛ لأنها تفتح ملف مسؤولية بعض الكبار في كسر هيبة الخليفة الثالث.

  • تعقّب الروايات في المصادر:
    يستعرض المقال الروايات الواردة في مسلم وأحمد وغيرها، ثم يذهب إلى مصادر أقدم أو أوضح ليثبت نصّ ردّ عثمان على علي، والذي حُذفت ألفاظه أحيانًا أو لُطِّفت، مع مناقشة حال الراوي المختلف فيه وكيف وثّقه بعض الأئمة.
  • تشبيه الحدث بلغة الحاضر:
    يقارن الكاتب بين المشهد وبين وزير في زمننا يقف في مؤتمر عالمي ليتهم رئيس الدولة بمخالفة الدين أمام الوفود. هذا التشبيه يجعل القارئ المعاصر يدرك جسامة الفعل دون أن يتخبّط في التفاصيل الفقهية.
  • التوثيق بالصور والمخطوطات:
    يختم المقال بعرض صور للمراجع والهوامش؛ ليقول للقارئ: “نحن لا نخترع رواية، بل نعيد إلى الضوء نصوصًا حاول التضليلُ التاريخي دفنها في الهوامش”.

بهذا يتحول المقال إلى مثال حيّ على مواجهة تضليل الحذف والانتقاء: حين تُخفى بعض الألفاظ أو تُسطَّح الأحداث بدعوى الأدب مع شخصيات بعينها.

رابعًا: مثال تطبيقي 3

تفكيك سلاح اتهام “النصب” في: «العثمانية الأصيلة ومسألة التربيع بعليّ»

التضليل لا يشتغل فقط على مستوى الحوادث، بل على مستوى المعايير والمصطلحات. هذا المقال يواجه فكرة رسّختها قرون من الخطاب العباسي، مفادها: إما أن تُقرّ بالتربيع بعلي بعد عثمان، وإما أن تُتهم بالنصب وبغض أهل البيت.

  1. العودة إلى أصول التعريف:
    يستحضر المقال كلام ابن تيمية في منهاج السنة حول أن معيار أهل السنة هو إثبات خلافة الثلاثة، وأن الخلاف في علي لا يخرج المخالف من السنة. هذه النقطة تضرب في صميم “المعيار الجديد” الذي فرضه التضليل المتأخر.
  2. كشف التلاعب بالمصطلحات:
    يبيّن المقال أن جعل “التربيع بعلي” شرطًا لدخول دائرة السنة هو إضافة متأخرة، وأن العثمانية الأوائل، ومعهم أئمة من أهل الحديث، لم يجعلوا هذا شرطًا بل رأوا أن هذا الباب من أبواب الاجتهاد، لا من أصول العقيدة.
  3. نزع سلاح التخويف:
    حين يدرك القارئ أن اتهامه بالنصب لأنه لم يتبنّ معيارًا عباسيًا متأخرًا هو نوع من التضليل، يستعيد شجاعته العلمية، ويعود إلى الأصل: الدليل، لا تهمة الخصم.

بهذا يتحول المقال إلى أداة عملية لتفكيك أحد أكبر أسلحة التضليل المذهبي: استعمال تهمة “النصب” لإسكاته ومنعه من مراجعة السردية الرسمية.

خامسًا: مثال تطبيقي 4

الردّ بالرواية الإيجابية لا بالسب: «فضالة بن عبيد.. مفتي دمشق وصاحب النبي ﷺ الذي ولاه معاوية» و «أبان بن عثمان بن عفان»

التضليل في الوعي العام لا يقتصر على تشويه صورة شخصٍ بعينه، بل يتعداه إلى تشويه معسكر كامل، مثل معسكر الشام والعثمانيين، عبر التركيز على روايات معينة وإخفاء أخرى.

  • إعادة الاعتبار لصحابة الشام والعثمانية:
    مقال فضالة بن عبيد يعرض سيرة صحابي فقيه محدّث، ولاه معاوية على دمشق، فيربط بين الشخصية العلمية والخيار السياسي في الوقوف مع معسكر القصاص لعثمان. بهذه الطريقة ينهار التعميم الذي جعل كل من كان مع الشام “باغيًا” أو “طالب دنيا”.
  • ملء فراغ الوعي:
    مقال أبان بن عثمان يذكّر القارئ بابن الخليفة المظلوم، وأنه من فقهاء المدينة وأهل الفتوى ومن المشاركين في وقعة الجمل مع أم المؤمنين عائشة. هذه الترجمات تعيد ملء مساحة الوعي بأسماء كانت مغيّبة لصالح سردية واحدة.

هذه الإستراتيجية تجعل من المجلة منصة لا تكتفي بنقض الأكاذيب، بل تبني صورة إيجابية متوازنة للمعسكر الذي استهدفه التضليل لعقود طويلة.

سادسًا: مثال تطبيقي 5

من مقالة في فن الخطاب إلى برنامج عملي ضد التضليل: «دليل المناظِر العثماني»

هذا المقال هو العمود الفقري لمقاومة التضليل على مستوى المناظِر والمؤثر، لأنه يحوّل مبادئ المجلة إلى خطوات عملية:

  1. مثلث الهجوم:
    النية (لماذا تناظر؟)، والقدرة (ما مدى إحكامك للمادة العلمية؟)، والفرصة (متى وأين تضرب الشبهة؟). هذه العناصر الثلاثة تمنع المناظر من الدخول في سجالات عشوائية بلا هدف واضح.
  2. مراحل إدارة المناظرة:
    من الوصول الأولي بسؤال كاشف، مرورًا بتنفيذ الهجوم بمثال قاطع، ثم الإلزام المنطقي، ثم الإغلاق بخلاصة قصيرة ترسخ في ذهن الجمهور. كل هذا يترجم شعار المجلة: “نقول الأشياء كما هي ونحتكم إلى الدليل”.
  3. قواعد أخلاقية ومنهجية:
    المقال يصرّ على لغة هادئة حادة عند اللزوم، والالتزام بالروايات الصحيحة، وتجنّب السب الشخصي، والتركيز على هدم “النظام الفكري” للخصم لا شخصه.

بهذه الطريقة، لا تتحول مواجهة التضليل إلى فوضى سباب، بل إلى فن راشدي في الجدال يخدم الحقيقة ولا يهدم الأخلاق.

سابعًا: ما الذي تعلّمناه عن مقاومة التضليل؟

  • التوثيق قبل الموقف: الأحكام لا تُبنى على الشعارات، بل على تتبّع الروايات في الصحيحين وكتب التراجم، مع صورٍ للمصادر والهوامش كلما أمكن.
  • ضرب أسطورة العصمة السياسية: ليس الهدف إهانة أحد، بل إزالة الهالة التي منعت الناس من قراءة النصوص كما هي، لأن هذه الهالة نفسها أداة من أدوات التضليل.
  • إحياء المعسكر المغيَّب: تقديم نماذج من رجالات الشام والعثمانية (فضالة، أبان، وغيرهما) لإعادة التوازن للصورة، بعد عقودٍ من اختزالهم في صورة “الفئة الباغية”.
  • تعليم القارئ مهارات القراءة النقدية: التفريق بين الرأي والاجتهاد من جهة، والتضليل المتعمّد من جهة أخرى؛ وبين المعلومة الصحيحة المستعملة في سياق باطل، والمعلومة الخاطئة المنتشرة بحسن نية.
  • الالتزام بلهجة راشدة: المجلة تعلن أنها منصة بحثية نقدية بلا مجاملات، لكنها في الوقت نفسه ترفض الانزلاق إلى أسلوب الشتم والطعن الشخصي، لأن هذا نفسه بيئة خصبة للتضليل.

خاتمة: مجلة ضد التضليل، لا ضد الأشخاص

إن مشروع مجلة معاوية بن أبي سفيان يخوض معركة الوعي ضد التضليل التاريخي: بالعودة إلى النصوص، وبإحياء الشخصيات المغيَّبة، وبنزع أقنعة القداسة الزائفة، وببناء جيل من المناظرين الواعين الذين يملكون أدوات القراءة والرد، لا مجرد الغضب والصراخ.

هكذا يمكن للمجلة أن تتحوّل – مع تراكم المقالات والتراجم والتحقيقات – إلى مرجع راشديّ يحرّر ذاكرة الأمة من التضليل، ويعيد بناء تصور متوازن عن الصحابة والفتنة والشورى والقصاص، بعيدًا عن عباءة العباسيين والباطنيين ومن ورث خطابهم في عصرنا.

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.