تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مجلة معاوية بن أبي سفيان

«المهدي المنتظر» بين دعوى التواتر والقراءة الإسنادية: خمسة مدارات، وثلاثة روافد، ولا حديث يصح

«المهدي المنتظر» بين دعوى التواتر والقراءة الإسنادية: خمسة مدارات، وثلاثة روافد، ولا حديث يصح
المهدي المنتظر بين دعوى التواتر والقراءة الإسنادية — مجلة معاوية بن أبي سفيان
مجلة معاوية بن أبي سفيان — ملف المهدي

«المهدي المنتظر» بين دعوى التواتر والقراءة الإسنادية: خمسة مدارات، وثلاثة روافد، ولا حديث يصح

«سألتُ عبد الرحمن بن مهدي: أي حديث أصح في المهدي؟ قال: أصح شيء فيه عندي حديث أبي معبد عن ابن عباس» — الإمام أحمد. وهو أثرٌ موقوف لا ذكر فيه للمهدي
الطرح السائدتخريج كل الطرقالمدارات والمدارستضارب المتون الروافد الثلاثةالآثار المعارضةالأطروحةالجرح والتعديل

تمهيد: لماذا نعيد فتح ملف المهدي؟

الصورة التي يحفظها القارئ عن «المهدي» صورةٌ واحدة تقريبًا: رجلٌ من ولد فاطمة، اسمه محمد بن عبد الله، يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أبيه، يُبايَع بين الركن والمقام، تأتيه الرايات السود من خراسان، يملأ الأرض عدلًا سبع سنين، وينزل عيسى ابن مريم فيصلي خلفه. وقد سُلِّمت هذه الصورة للأجيال مصحوبةً بكلمةٍ واحدة تُغلق باب البحث: «متواتر». هذه الصورة ليست باطلة في كل تفاصيلها بمعنى أنها لم تُروَ، بل هي مركّبة: جُمعت أجزاؤها من روايات مختلفة المخارج، متفاوتة الوهن، متعارضة المتون، ثم صُبّت في قالبٍ واحد يشبه العقيدة. وهذا المقال يفكّ التركيب: يعرض أولًا الطرح كما استقر عند المتأخرين، ثم يخرّج كل طرق الخبر من أصولها ويحدد مداراتها، ثم يفحص الطرح بميزان الإسناد وتضارب المتون، ثم يكشف الروافد الثلاثة التي دخلت منها الفكرة إلى مدونات أهل السنة، ثم يقدّم — نتيجةً لا افتراضًا — القراءة التي تحتملها النصوص: أنه لا يصح في المهدي حديث واحد، وأن أصح ما في الباب عند أئمة النقد أثرٌ موقوف لا يذكر المهدي، وأن الثابت عن أصحاب ابن مسعود والحسن البصري ومجاهد أن «المهدي عيسى ابن مريم».

منهج المقال: لا يُحتج إلا بما صحّ؛ والضعيف يُذكر بضعفه ويُقرأ قرينةً على مصدر الفكرة لا حجةً على ثبوتها. وكل إسنادٍ هنا منقولٌ من مصدره كما فُتح في هذه الدراسة: من سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه بأرقامها، ومن صفحات «أصول الحديث» في الموسوعة الحديثية، ومن كتابين معاصرين قرأناهما صفحةً صفحة: «روايات المهدي: دراسة نقدية في الأسانيد والمتون» للأستاذ الدكتور ياسر الشمالي (دار الفرقان ١٤٤٥هـ/٢٠٢٤م، ٢٩١ صفحة)، و«الصارم الأموي لنسف خرافة المهدي» لأبي معاوية محمد بن الخضر الحربي (مؤسسة أنصار الصحابة العثمانية، ١٤٤٧هـ، ٩٦ صفحة). ونحيل إلى الأول بـ«الشمالي ص» وإلى الثاني بـ«الصارم ص».

أولًا: الطرح السائد — كيف صار الضعيف «متواترًا»؟

نعني بـ«الطرح السائد» الصورة التي تبلورت من القرن الرابع فما بعد، حين قال أبو الحسن الآبري (ت٣٦٣هـ) في «مناقب الشافعي» ردًّا على حديث «لا مهدي إلا عيسى»: «وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يعم الأرض عدلًا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه» (المنار المنيف ١/١٤٢). ثم نقلها عنه ابن القيم، والسفاريني (ت١١٨٨)، والبرزنجي (ت١٢٠٣)، والشوكاني (ت١٢٥٠) في رسالته «التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح»، والقنوجي، والكتاني في «نظم المتناثر»، حتى صار الإيمان بالمهدي عند السفاريني «واجبًا… مدونًا في عقائد أهل السنة والجماعة». وتقوم هذه الصورة على أربعة أعمدة:

العمودنصّه في الطرح السائدمصدره الفعلي
١. كثرة الصحابة«عشرون صحابيًا… وغيرهم» (الكتاني)؛ «ستة وعشرون» (العباد)؛ «ثلاثة وثلاثون» (الغماري)؛ «أكثر من ثلاثين وبعضهم أوصلها لخمسين»عزوٌ لمصادر الحديث دون دراسة أسانيد، يُدخل فيه قرة بن إياس وسنده واهٍ جدًا، وعثمان وسنده موضوع، وأبا أمامة وفيه مجهول العين (الشمالي ص٢٠٩)
٢. تصحيح الأئمة«حسن صحيح» (الترمذي ٢٢٣٠، ٢٢٣١)؛ إخراج ابن حبان؛ «صحيح على شرط الشيخين» (الحاكم ٨٤٣٢)ثلاثة أئمة وُصفوا بالتساهل؛ ولم يصحح حديثًا في المهدي أحدٌ من نقاد الطبقة الأولى: ابن مهدي، القطان، أحمد، ابن معين، البخاري، مسلم، أبو زرعة، أبو حاتم
٣. التقوية بمجموع الطرق«الأحاديث يشدّ بعضها بعضًا، ويتقوى أمرها بالشواهد والمتابعات» (الكتاني)؛ «ياسين وإن كان ضعيفًا فحديثه يصلح للاعتضاد» (ابن القيم)منهج المتأخرين في التحسين لغيره، مطبَّقًا على أمرٍ اعتقادي، مع نكارة المتون وتعارضها؛ ولا يتقوى حديث المبتدع بحديث مدلس أو منقطع (الشمالي ص٢٢١)
٤. التفسير بالصحيحين«كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» = المهدي؛ «خليفة يحثي المال حثيًا» = المهديتجييرُ أحاديث صحيحة لا ذكر فيها للمهدي، ثم تفسيرها بالضعيف؛ وابن أبي ذئب راوي الحديث نفسه يفسر «أمّكم منكم»: «فأمّكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم» (مسلم ١٥٥)

الملاحظة الأولى: لفظ «تواتر» عند الآبري لغويٌّ لا اصطلاحي؛ فالمحدثون قبل ابن الصلاح «لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص» (مقدمة ابن الصلاح ٢٦٧)، والشافعي يقول: «كلما تواترت الأخبار وتظاهرت كان أثبت للحجة»، والبخاري في جزء القراءة: «وتواتر الخبر… لا صلاة إلا بقراءة أم القرآن»، وابن حبان يبوّب: «ما يجب على المرء من الثبات عند تواتر البلايا عليه». فهو يريد الكثرة والتتابع. ومما يقطع بذلك أنه عدّ في المتواتر تفاصيل لم تأت إلا في رواية واحدة: «يملك سبع سنين»، «يصلي عيسى خلفه» (الشمالي ص٥٥–٥٦).

الملاحظة الثانية: شرط التواتر «عددٌ يؤمن تواطؤهم على الكذب»، وفسّره أهل العلم بتعدد الأوطان. ورواة المهدي «أكثرهم عراقيون كوفيون، ومن طريق الشيعة في غالب المرويات، والأسانيد التي ليس فيها شيعة لا يؤمن أن تكون أُدخلت عليهم» (الشمالي ص٥٧). وقاعدة ابن حجر في النكت على ابن الصلاح حاسمة: «إنا لا نعرف حديثًا وُصف بكونه متواترًا ليس له أصل في الصحيحين أو أحدهما» (الصارم ص٩٣). وليس للمهدي في الصحيحين حديثٌ ولا تعليق ولا ترجمة باب.

ثانيًا: تخريج كل طرق الخبر — من الأصول

جمعنا كل ما وقفنا عليه من مرويات المهدي المرفوعة في المصادر المسندة، ورتبناه على مداراته. وهنا الإسناد كاملًا وموضع الشاهد والدرجة، منقولًا من الأصول لا من كتب الجمع.

المدار الأول — الكوفي: عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود

أبو داود (٤٢٨٢): حدثنا مسدد أن عمر بن عبيد حدثهم (ح) وحدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو بكر يعني ابن عياش (ح) وحدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان (ح) وحدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا زائدة (ح) وحدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني عبيد الله بن موسى، عن فطر — المعنى واحد — كلهم عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم — قال زائدة في حديثه: لطوّل الله ذلك اليوم، ثم اتفقوا — حتى يبعث فيه رجلًا مني، أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي». زاد في حديث فطر: «يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا». وقال في حديث سفيان: «لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». قال أبو داود: لفظ عمر وأبي بكر بمعنى سفيان.
الترمذي (٢٢٣٠): حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي الكوفي، حدثني أبي، حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن زر، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة، وهذا حديث حسن صحيح. والترمذي (٢٢٣١): حدثنا عبد الجبار بن العلاء، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». قال عاصم: وأخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي. وأحمد (٣٥٧١) عن ابن عيينة، وابن حبان (٦٨٢٤) من طريق فطر، والطبراني في الأوسط (١٢٣٣) من طريق زائدة.

الدرجة: مداره على عاصم وحده، وقد رواه عنه أكثر من عشرين راويًا كلهم بالعنعنة «عن زر». وعاصم «صدوق له أوهام» (التقريب)، وقال ابن سعد: «ثقة إلا أنه كثير الخطأ في حديثه»، ويعقوب بن سفيان: «في حديثه اضطراب»، وأبو حاتم: «ليس محله أن يقال هو ثقة، ولم يكن بالحافظ»، والقطان عن ابن علية: «كل من اسمه عاصم سيئ الحفظ»، ولم يخرج له الشيخان إلا مقرونًا. وقد تفرد بحديثٍ «تُشد إليه الرحال» عن زر، وأصحابُ زر من الأعلام عشرون (النخعي، الشعبي، حبيب بن أبي ثابت، عدي بن ثابت، أبو إسحاق الشيباني…)، وتلاميذ ابن مسعود يزيدون على مائة، فلم يروه أحد منهم. ثم إن في الطريق نفسها اضطرابًا: عاصم يرويه مرة عن زر عن ابن مسعود، ومرة عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفًا، ورفعه أبو شهاب الكوفي وهو مجهول. والعلة القادحة: ما رواه أبو عمرو الداني في السنن الواردة (٥٩٠) بإسناد صحيح عن الأعمش عن إبراهيم النخعي قال: «كان أصحاب عبد الله يقولون: المهدي عيسى ابن مريم». فأعلمُ الناس بأصحاب ابن مسعود ينقل عنهم خلاف ما تفرد به عاصم (الشمالي ص١٢٦–١٣٢). وقد قال الإمام أحمد في حديث ابن مسعود في المهدي: «ليس بشيء» (الخلال، المنتخب من العلل ٢٠٠). وعبارة العقيلي «أحاديث صالحة الأسانيد» و«جياد» ليست تصحيحًا، وإنما تعبيرٌ عن أنها ليست شديدة الضعف عنده.

المدار الثاني — المدني الحرّاني: زياد بن بيان عن علي بن نفيل عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة

أبو داود (٤٢٨٤): حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا أبو المليح الحسن بن عمر، عن زياد بن بيان، عن علي بن نفيل، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة». قال عبد الله بن جعفر: وسمعت أبا المليح يثني على علي بن نفيل ويذكر منه صلاحًا. وابن ماجه (٤٠٨٦): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا أبو المليح الرقي، عن زياد بن بيان، عن علي بن نفيل، عن سعيد بن المسيب قال: كنا عند أم سلمة فتذاكرنا المهدي فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من ولد فاطمة». والطبراني (٢٣/٥٦٦) بلفظ: «ذُكر المهدي عند النبي ﷺ فقال: من ولد فاطمة».

الدرجة: قال البخاري: «زياد بن بيان… في إسناده نظر»، وقال ابن عدي: «والبخاري إنما أنكر من حديث زياد بن بيان هذا الحديث وهو معروف به»، وقال العقيلي في علي بن نفيل: «لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به»، وقال الذهبي: «لم يصح حديثه»، وابن الجوزي: «وهو كلام معروف من كلام سعيد بن المسيب، والظاهر أن زياد بن بيان وهم في رفعه»، وشعيب الأرنؤوط: «إسناده ضعيف». وعند ابن عدي (الكامل ٣/١٩٦) من طريق النفيلي عن أبي المليح: «ثنا الثقة عن علي بن نفيل — لا أدري ولا أرى إلا قد سمعت من علي»، فشكّ زياد في سماعه. والمحفوظ أنه من قول سعيد بن المسيب، وسيأتي أنه لا يصح عنه أيضًا (الشمالي ص١٦٤–١٦٧).

المدار الثالث — الكوفي العلوي: ياسين العجلي عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية عن أبيه عن علي

ابن ماجه (٤٠٨٥): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود الحفري، حدثنا ياسين، عن إبراهيم بن محمد ابن الحنفية، عن أبيه، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة». وأحمد (٦٤٥): حدثنا فضل بن دكين، حدثنا ياسين العجلي، به. وابن أبي شيبة (١٩١): وكيع عن ياسين، به، ولم يرفعه.

الدرجة: قال البخاري في التاريخ الكبير (٩٩٤) بعد أن ساقه: «وفي إسناده نظر»، وقال ابن حبان في ياسين: «منكر الحديث على قلة روايته، يجب التنكب عما انفرد من الروايات»، وقال العقيلي: «لا يتابع ياسين على هذا اللفظ»، والبزار: «وإنما كتبناه مع لين ياسين لأنا لم نعرفه عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد… وبيّنا العلة فيه». وإبراهيم بن محمد بن الحنفية لم يوثقه سوى ابن حبان والعجلي. ورواه وكيع وسالم بن أبي حفصة عنه موقوفًا، فاضطرب رفعًا ووقفًا. وشعيب الأرنؤوط: «إسناده ضعيف». أما «متابعة» سالم بن أبي حفصة التي رفع بها الألباني الحديث إلى الصحيح (الصحيحة ٢٣٧١) فسالم «شيعي غالٍ» عند ابن حجر نفسه، والراوي عنه محمد بن فضيل «شيعي محترق» (أبو داود)، وعنه حسن بن صالح بن أبي الأسود «زائغ حائد عن الحق» (الأزدي)؛ «فكيف يكون الشيعي المفرط متابعًا للشيعي في رواية أثرُ التشيع فيها واضح؟» (الشمالي ص١٥٦–١٥٨).

أبو داود (٤٢٨٣): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا فطر، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن علي، عن النبي ﷺ قال: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلًا من أهل بيتي يملؤها عدلًا كما ملئت جورًا». وعند أحمد (٧٧٣): قال أبو نعيم: «رجلًا مني»، وقال: وسمعته مرة يذكره عن حبيب عن أبي الطفيل.

مداره فطر بن خليفة: «كان يغلو في التشيع» (أحمد)، «زائغ غير ثقة» (الجوزجاني)، «زائغ لا يحتج به» (الدارقطني)، «ما تركت الرواية عنه إلا لسوء مذهبه» (أبو بكر بن عياش)، ولم يحتج به البخاري. وأبو الطفيل «كان من شيعة علي… حامل راية المختار». وليس في الحديث لفظ «المهدي». وأثر علي في الحسن (أبو داود ٤٢٩٠): «قال أبو داود: حُدثت عن هارون بن المغيرة… عن أبي إسحاق قال: قال علي ونظر إلى ابنه الحسن: إن ابني هذا سيد… وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم» — معلّقٌ عند أبي داود، وأبو إسحاق مدلس مختلط لم يسمع من علي، فهو «منكر باطل». وقد قال وكيع: «لم أسمع في المهدي بحديث أصح من» أثر الحارث بن سويد عن علي: «إني لأعرف اسم أميرهم ومناخ ركابهم» — وليس فيه ذكر المهدي، وفيه الأعمش مدلس.

المدار الرابع — البصري: أبو الصديق الناجي وأبو نضرة عن أبي سعيد

أبو داود (٤٢٨٥): حدثنا سهل بن تمام بن بزيع، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا يملك سبع سنين». والحاكم (٨٦٧٠) من طريق عمرو بن عاصم عن عمران، وقال: صحيح على شرط مسلم. تعقبه الذهبي: «عمران ضعيف ولم يخرج له مسلم».
الترمذي (٢٢٣٢): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة قال: سمعت زيدًا العمي قال: سمعت أبا الصديق الناجي يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث، فسألنا نبي الله ﷺ فقال: «إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمسًا أو سبعًا أو تسعًا — زيد الشاك — قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين. قال: فيجيء إليه رجل فيقول: يا مهدي أعطني أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وابن ماجه (٤٠٨٣) من طريق محمد بن مروان العقيلي عن عمارة عن زيد العمي، وأحمد (١١١٣٠) من طريق مطر الوراق، وأحمد (١١٣٢٦) من طريق المعلى بن زياد عن العلاء بن بشير: «أبشركم بالمهدي…»، والحاكم (٨٦٧٣): ثنا سعيد بن مسعود، ثنا النضر بن شميل، ثنا سليمان بن عبيد، ثنا أبو الصديق الناجي: «يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث… يعيش سبعًا أو ثمانيًا».

الدرجة: طريق أبي نضرة مداره عمران القطان: «ضعيف» (ابن معين، أبو داود، النسائي)، «كثير المخالفة والوهم» (الدارقطني)، وأبو نضرة «من شيعة علي» (الطبري)، وقتادة مدلس عنعن، وفي بعض طرقها عطاء بن عجلان الكذاب دلّسه الوليد بن مسلم تدليس التسوية. وطريق أبي الصديق رواه عنه ثمانية: زيد العمي (صدوق كثير الخطأ)، مطر الوراق (ضعيف)، العلاء بن بشير (مجهول عند ابن المديني وابن حجر)، أبو هارون العبدي (متروك متهم بالكذب رافضي)، عوف الأعرابي («قدري رافضي شيطان» عند بندار)، ابن عمير الهجري (مجهول)، قتادة (عنعنه)، وسليمان بن عبيد الذي لا يُعرف له سوى هذا الحديث، فسندُ الحاكم الذي صححه الألباني (الصحيحة ٧١١) «مركب لا وجود له في الواقع». وأبو الصديق نفسه قال فيه ابن سعد: «يتكلمون في أحاديثه ويستنكرونها». والعلة التي فاتت البستوي وعداب الحمش والألباني: أن البخاري ذكر في التاريخ الكبير (٢/٣٠٨) أن بين أبي الصديق وأبي سعيد واسطة: «عن أبي الصديق الناجي، عن الحسن بن يزيد السعدي، عن أبي سعيد» — والحسن بن يزيد مجهول (الشمالي ص١٧١–١٨٢). فأبو الصديق «فوقه مجهول وتحته إما مجهول وإما ضعفاء أو متروكون أو شيعة».

المدار الخامس — الشامي البصري: أبو قلابة عن ثوبان (الرايات السود)

ابن ماجه (٤٠٨٤): حدثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم — ثم ذكر شيئًا لا أحفظه — فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي». والحاكم (٨٤٣٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والبزار (٤١٦٣) وقال: «إسناده إسناد صحيح». وأحمد (٢٢٣٨٧): حدثنا وكيع، عن شريك، عن علي بن زيد، عن أبي قلابة، عن ثوبان: «إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فأتوها فإن فيها خليفة الله المهدي».

الدرجة: أبو أسماء الرحبي ليس من رجال البخاري، فسقط قول الحاكم. وأبو قلابة مدلس: «ثقة في نفسه إلا أنه يدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس» (الذهبي، الميزان ٢/٤٢٦)، وله في مسند أحمد اثنتان وعشرون رواية عن ثوبان كلها بواسطة إلا هذه في رواية علي بن زيد فهي منقطعة. وخالد الحذاء تفرد به مسندًا وقد تغير بأخرة، وعبد الرزاق تفرد به عن الثوري كما نص البيهقي، وعبد الرزاق «نسبوه إلى التشيع» وحدّث بعدما عمي بما ليس في كتبه. وقد أعرض عنه مسلم مع أن ظاهر إسناده على شرطه. وقال الألباني: «منكر… وقد ذهل من صححه عن علته وهي عنعنة أبي قلابة» (الضعيفة ٨٥). وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف، وشريك سيئ الحفظ. والبيهقي بعد أن ساق نظيره من حديث أبي هريرة قال: «ويُروى قريب من هذا اللفظ عن كعب الأحبار ولعله أشبه» (دلائل النبوة ٦/٥١٦). فالسند «مثخن بالجراح والعلل: تفرد، واختلاف، وتدليس، واختلاط، وتشيع، وسلوك للجادة» (الشمالي ص١٢٣–١٢٥).

مدار الرايات السود الكوفي: يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود

ابن ماجه (٤٠٨٢): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا علي بن صالح، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي ﷺ اغرورقت عيناه وتغير لونه. قال: فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئًا نكرهه. فقال: «إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريدًا وتطريدًا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطًا كما ملؤوها جورًا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوًا على الثلج». والحاكم (٨٤٣٤) من طريق حنان بن سدير عن عمرو بن قيس عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة وعبيدة، بزيادة: «فليأت إمام أهل بيتي… يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي».

الدرجة: يزيد بن أبي زياد «من كبار أئمة الشيعة» (ابن فضيل)، «ارمِ به» (ابن المبارك)، «ضعيف كبر فتغير فصار يتلقن، وكان شيعيًا» (ابن حجر). قال الإمام أحمد: «حديث إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ليس بشيء — يعني حديث يزيد بن أبي زياد. قلت لعبد الله: الرايات السود؟ قال: نعم». وقال وكيع: «ليس بشيء». وقال أبو أسامة: «لو حلف عندي خمسين يمينًا قسامة ما صدقته، أهذا مذهب إبراهيم! أهذا مذهب علقمة! أهذا مذهب عبد الله؟!»، وعلق الذهبي: «معذور والله أبو أسامة، وأنا قائل كذلك، فإن من قبله ومن بعده أئمة أثبات، فالآفة منه عمدًا أو خطأ». وطريق الحاكم قال فيها الذهبي: «هذا موضوع»؛ حنان بن سدير «من شيوخ الشيعة» (الدارقطني)، والراويان عنه مجهولان، والحكم لم يلق عبيدة (أبو حاتم). وهذان الوجهان أصلهما واحد «تناقلها شيعة الكوفة، دار الضرب» (الشمالي ص١٣٢–١٤٢).

باقي المرويات المرفوعة — بأحكامها

الصحابيالمتنالمصدر والإسنادالآفة والحكم
أم سلمة (الثاني)«يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة… فيبايعونه بين الركن والمقام… فيخسف بهم بالبيداء… ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب… فيلبث سبع سنين»أبو داود ٤٢٨٦–٤٢٨٨؛ أحمد ٢٦٦٨٩: هشام/همام عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن صاحبٍ له عن أم سلمةمضطرب على خمسة ألوان (عن صاحب له / عن عبد الله بن الحارث / عن مجاهد / مرسل قتادة)، مداره مبهم، قتادة مدلس عنعن؛ لا ذكر فيه للمهدي أصلًا؛ الألباني وشعيب: ضعيف
أبو هريرة«لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لملك فيها رجل من أهل بيت النبي»؛ «يملك رجل مني… يفتح قسطنطينية والديلم»؛ «تخرج من خراسان رايات سود لا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء»الترمذي ٢٢٣١ (عاصم عن أبي صالح موقوفًا)؛ ابن حبان ٥٩٥٣ (أبو شهاب مجهول)؛ البزار ٩٠١٦ (قيس بن الربيع)؛ الأوسط ٥٤٠٦ (محمد بن مروان العقيلي)؛ أحمد ٨٧٧٥ (رشدين)ست طرق «كلها واهية جدًا منكرة»: تدليس ابن عيينة عن مجهول، قيس متروك يتشيع، رشدين ضعيف مخلط تفرد عن الزهري
جابر«ينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا»الحارث بن أبي أسامة؛ أبو نعيم (الأربعون ٣٩): إسماعيل بن عبد الكريم عن إبراهيم بن عقيل عن أبيه عن وهب بن منبه عن جابركلمة «المهدي» مدرجة منكرة؛ المحفوظ في مسلم (١٥٦) من طريق أبي الزبير: «فيقول أميرهم تعال صل لنا»؛ وصحيفة وهب عن جابر قال ابن معين: «لم يلق وهب جابرًا»
عثمان«المهدي من ولد العباس عمي»الأفراد للدارقطني ٢٦: محمد بن الوليد القرشي مولى بني هاشم عن أسباط عن سليمان التيمي عن قتادة عن سعيد عن عثمانموضوع؛ ابن عدي في محمد بن الوليد: «يضع الحديث ويصله ويسرق ويقلب الأسانيد»، والذهبي: «وضعه محمد بن الوليد»؛ ومتنه بلفظه مروي عن كعب الأحبار (الفتن ١١٠٥)
عمار وابن عباس«يا عباس، إن الله فتح هذا الأمر بي وسيختمه بغلام من ولدك… وهو الذي يصلي بعيسى»تاريخ بغداد؛ العلل المتناهية ١٤٣٧، ١٤٣٨: أحمد بن الحجاج بن الصلت عن سعيد بن سليمان الواسطي؛ ونوح بن سعيد عن عبد الصمد بن علي الهاشمياتهم الذهبي أحمد بن الحجاج به؛ ونوح مجهول، وعبد الصمد «ما هو بحجة»، والذهبي: «خبر كذب في ذكر المهدي»؛ والمتنان متشابهان «ولا شك أن أحد الرواة سرقها من الآخر»
ابن عباس«منا السفاح والمنصور والمهدي»دلائل النبوة ٦/٥١٧؛ تاريخ بغداد؛ العلل المتناهية ٤٦٩–٤٧٠: أبو عوانة عن الأعمش عن الضحاك عن ابن عباسالضحاك لم يلق ابن عباس؛ وأبو قلابة الرقاشي كثير الخطأ؛ ابن الجوزي: «لا يصح»؛ ابن القيم: «كل حديث في مدح المنصور والسفاح والرشيد فهو كذب»
حذيفة«المهدي رجل من ولدي، وجهه كالكوكب الدري، اللون لون عربي والجسم جسم إسرائيلي… يملك عشرين سنة»الأباطيل للجورقاني ٢٩٧؛ الفردوس ٦٦٦٧: محمد بن إبراهيم الصوري عن رواد بن الجراح عن الثوريباطل (الجورقاني، ابن الجوزي، الذهبي، الألباني)؛ الصوري غالٍ في التشيع لم يسمع من رواد
أنس«نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة: أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي»ابن ماجه ٤٠٨٧: سعد بن عبد الحميد عن علي (عبد الله) بن زياد اليمامي عن عكرمة بن عمارمنكر؛ عبد الله بن زياد «منكر الحديث ليس بشيء» (البخاري)؛ ابن كثير: «رجل مجهول وهذا حديث منكر»
ابن الحارث بن جزء«يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي سلطانه»ابن ماجه ٤٠٨٨؛ البزار ٣٧٨٤: ابن لهيعة عن أبي زرعة عمرو بن جابر الحضرميساقط؛ عمرو بن جابر «كان يكذب» (أحمد)، «هالك» (الذهبي)، «كان يقول: علي في السحاب»؛ شعيب: «إسناده ضعيف جدًا»
قرة بن إياس«لتملأن الأرض جورًا وظلمًا فإذا ملئت… بعث الله رجلًا مني اسمه اسمي… فيلبث فيكم سبعة أو ثمانية فإن كثر فتسعة»بغية الباحث ٧٨٨؛ البزار ٣٣٢٠؛ الأوسط ٨٣٢٥: داود بن المحبر عن أبيه عن جدهداود متروك «يضع» (الدارقطني)؛ البزار والعقيلي: الأشبه أنه عن أبي سعيد؛ سلوك جادة
ابن عمر«سيخرج من صلب هذا (العباس) حي يملأ الأرض جورًا… ومن صلب هذا (علي) حي يملأ الأرض عدلًا… فعليكم بالفتى التميمي… صاحب راية المهدي»الأوسط ٤١٣٠: كثير بن جعفر عن ابن لهيعة عن عبيد الله عن نافعكثير بن جعفر «لا يُعرف من هو» (الألباني)، ابن لهيعة ضعيف مدلس مفرط في التشيع
ابن عمرو«يخرج المهدي من قرية باليمن يقال لها كرعة، وعلى رأسه عمامة فيها منادٍ»مسند الشاميين ٩٣٧؛ ابن المقرئ ٩٠: عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياشموضوع، آفته عبد الوهاب بن الضحاك: كذبه أبو حاتم، «متروك» (النسائي)
علي الهلالي«ووصيي خير الأوصياء… يا فاطمة والذي بعثني بالحق إن منهما مهدي هذه الأمة»الطبراني الكبير ٢٦٧٥: الهيثم بن حبيب عن ابن عيينةموضوع؛ الذهبي: «تفرد الهيثم عن ابن عيينة بخبر كذب وهو آفته»؛ ولفظ «خير الأوصياء» بصمة رافضية
أبو أمامة«…من إمام الناس يومئذ؟ قال: من ولد أربعين سنة كأن وجهه كوكب دري… كأنه من رجال بني إسرائيل، يملك عشرين سنة»الطبراني الكبير ٧٤٩٥: عنبسة بن أبي صغيرة عن الأوزاعيابن كثير: «اتهم بهذين الحديثين عنبسة، فإنه مجهول الصفة والعين، نكرة لا يعرف»
عبد الرحمن بن عوف، عوف بن مالك، الصدفي، أبو أيوب، طلحة، عائشة«ليبعثن الله من عترتي رجلًا أفرق الثنايا»؛ «حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له المهدي»؛ «ثم يخرج رجل من أهل بيتي… ثم يؤمَّر القحطاني»؛ «ومنا المهدي»؛ «ينادي منادٍ من السماء: إن أميركم فلان»؛ «هو رجل من عترتي يقاتل على سنتي»أبو نعيم (طالوت بن عباد)؛ الكبير ٩١ (عبد الحميد بن إبراهيم)؛ الكبير ٩٣٧ (حسين بن علي الكندي)؛ الصغير ٩٤ (قيس بن الربيع، عباية، حسين الأشقر)؛ الأوسط ٤٦٦٦ (المثنى بن الصباح)؛ الفتن ١٠٩٢ (الوليد عن شيخ)ضعيفان (ابن القيم)؛ «جماعة لم أعرفهم» (الهيثمي)؛ موضوع (الألباني)؛ موضوع (عباية «غالٍ ملحد»)؛ المثنى متروك واضطرب فيه ابن عياش (علل الدارقطني)؛ مبهم عن الزهري
الحصيلة العددية: سبع عشرة رواية مشهورة درسها الشمالي «لم يصح منها شيء، بمعنى لم تبلغ واحدة منها درجة القبول، لوجود جرح ظاهر أو خفي أو كلاهما» (ص٢٨٧)، ونحو تسعين متنًا مرفوعًا عن أربعة وعشرين صحابيًا جمعها الصارم «فلم أجد فيها شيئًا يثبت على الإطلاق، لا مرفوعة ولا موقوفة ولا حتى معلقة» (ص٦). والكثرة كثرةُ ألفاظٍ لا كثرةُ مخارج: ثمانية عشر لفظًا عند الطبراني لحديث ابن مسعود كلها من مدار واحد هو عاصم عن زر؛ وعشر طرق عن أبي سعيد كلها من مدار أبي الصديق عن مجهول.

ثالثًا: خريطة المدارات والمدارس

خريطة مدارات أحاديث المهدي الخمسة المشهورة
خريطة المدارات الخمسة: ابن مسعود (عاصم)، علي (ياسين / فطر)، أم سلمة (زياد بن بيان / مبهم قتادة)، أبو سعيد (أبو الصديق / أبو نضرة)، ثوبان (أبو قلابة). لا طريق واحدة تخلو من حلقة حمراء.
المدرسةالطرقما تحمله
الكوفة (الغالبة)عاصم ← زر ← ابن مسعود؛ يزيد بن أبي زياد ← إبراهيم ← علقمة؛ حنان بن سدير ← عمرو بن قيس ← الحكم؛ ياسين العجلي ← إبراهيم بن محمد ← ابن الحنفية ← علي؛ فطر ← القاسم ← أبو الطفيل ← علي؛ عمار الدهني ← أبو الطفيل؛ عطية العوفي ← أبو سعيد؛ الأعمش ← الضحاك ← ابن عباس؛ الأجلح ← عمار الدهني ← سالم بن أبي الجعد ← ابن عمرو«يواطئ اسمه اسمي»، «الرايات السود»، «يصلحه الله في ليلة»، «من أهل بيتي»، «السفاح والمنصور والمهدي»، «أهل الكوفة أسعد الناس بالمهدي». كل الرواة المتفردين شيعة أو كوفيون: عاصم، يزيد، حنان، ياسين، فطر، سالم بن أبي حفصة، عطية، الأجلح، عمار الدهني، أبو هارون العبدي، قيس بن الربيع، يزيد بن أبي زياد
البصرةأبو الصديق الناجي ← (مجهول) ← أبو سعيد، وعنه زيد العمي ومطر والعلاء بن بشير وعوف؛ عمران القطان ← قتادة ← أبو نضرة؛ قتادة ← أبو الخليل ← مبهم ← أم سلمة؛ داود بن المحبر ← معاوية بن قرة«أجلى الجبهة أقنى الأنف»، «يحثي المال»، «سبع أو ثمان أو تسع»، «الخسف بالبيداء وبيعة الركن والمقام». مداراتها مجاهيل (الحسن بن يزيد، صاحب أبي الخليل) ومدلسون (قتادة) وضعفاء
الجزيرة وحرّانأبو المليح الرقي ← زياد بن بيان ← علي بن نفيل ← سعيد بن المسيب ← أم سلمة«من ولد فاطمة» — وهو المحفوظ من قول سعيد بن المسيب، والرفع وهمٌ من زياد
الشام واليمن ومصرخالد الحذاء ← أبو قلابة ← (أبو أسماء) ← ثوبان (عبر عبد الرزاق الصنعاني)؛ رشدين وابن لهيعة ← أبو قبيل ← أبو رومان ← علي؛ ابن لهيعة ← عمرو بن جابر؛ إسماعيل بن عياش ← صفوان؛ الوليد بن مسلم وأبو يوسف المقدسي ← كعب؛ نعيم بن حماد ← الجميع«خليفة الله المهدي»، «السفياني»، «الرايات السود من خراسان»، «كرعة اليمن»، «يستخرج التوراة من أنطاكية». مصدرها الأعظم كتاب الفتن لنعيم بن حماد (٣٣ من ٣٩ أثرًا موقوفًا ومقطوعًا)
الحجاز — المدينة ومكةلا مدار حجازيًا مستقلًا. عمرو بن دينار ← أبو معبد ← ابن عباس (موقوف صحيح، لا ذكر فيه للمهدي)؛ الزهري ← عروة ← عائشة (عن «شيخ» مبهم عند نعيم)الغياب الحجازي لافت: مالكٌ في الموطأ، والزهري في أحاديثه الصحيحة، ونافع، وأصحاب سعيد بن المسيب الثقات لا يروون في المهدي شيئًا مرفوعًا

رابعًا: نقد الطرح بميزان الإسناد — حيث يسكت الثقات ويتكلم الضعفاء

١. موقف البخاري ومسلم ومالك: إعراضٌ له دلالته

لم يخرج الشيخان شيئًا من أحاديث المهدي، ولم يبوّبا له، ولم يعلّق البخاري له حديثًا واحدًا، مع أن البخاري إذا لم يصح عنده حديث على شرطه في بابٍ من الأبواب علّقه أو ساق تحت الترجمة آية أو أثرًا. وقد أخرجا ما صح عندهما من أشراط الساعة الكبرى: الدجال، ونزول المسيح، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، والصغرى: الفتن والهرج والجهل والزنا، «فلم يكن للمهدي في كل ذلك نصيب» (الشمالي ص٦). وقاعدة ابن عبد البر: «لم يخرج البخاري ولا مسلم منها حديثًا واحدًا، وحسبك بذلك ضعفًا لها» (التمهيد ١٠/٢٧٨)، ونقل ابن حجر عنه: «أن البخاري ومسلمًا إذا اجتمعا على ترك إخراج أصل من الأصول فإنه لا يكون له طريق صحيحة وإن وجدت فهي معلولة» (النكت ١/٣١٩). وقال الحاكم: «فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم، لزم صاحب الحديث التنقير عن علته». ولو كان حديث المهدي حديثًا أو حديثين لقيل: فاتهما؛ لكنه «كثير الطرق وادُّعي فيه التواتر وهو من الأهمية بمكان»، فإعراضهما «لا يمكن أن يكون اختصارًا، لأن الاختصار في أحاديث الباب الواحد لا في حذف باب بأكمله». بل إن البخاري أعلّ بعض هذه المرويات في تاريخه الكبير: طريق أبي الصديق بالواسطة المجهولة، وطريق ياسين بقوله «في إسناده نظر»، وطريق زياد بن بيان بمثله.

٢. النقاد المتقدمون: ثلاثة أئمة يجعلون «أصح ما في الباب» موقوفًا لا مهدي فيه

وكيع بن الجراح (موسوعة أقوال أحمد ٩/٣١٢): «لم أسمع في المهدي بحديث أصح من حديث حدثناه الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد قال: سمعت عليًا يقول: ينقص الإسلام حتى لا يقول أحد: الله الله، وقال: إني لأعرف اسم أميرهم ومناخ ركابهم».
عبد الرحمن بن مهدي وأحمد (الخلال، المنتخب من العلل ٢٠٥): «قال لي أحمد بن حنبل: سألت عبد الرحمن بن مهدي: أي حديث أصح في المهدي؟ قال: أصح شيء فيه عندي: حديث أبي معبد عن ابن عباس». وهو: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد أنه سمع ابن عباس يقول: «إني لأرجو أن لا تذهب الأيام والليالي حتى يبعث الله منا أهل البيت غلامًا لم يلبس الفتن ولم تلبسه الفتن، كما فتح الله بنا هذا الأمر فأرجو أن يختمه بنا». قال أبو معبد: قلت لابن عباس: عجزت عنها شيوخكم ويرجوها شبابكم؟ قال: «إن الله يفعل ما يشاء».
أحمد (الخلال ٢٠٠): «كتب إليّ يحيى… أن أكتب إليه بما صح عندي من الملاحم، فكتبت إليه: ما صح عندي منها شيء». وفي حديث الرايات: «ليس بشيء». وفي حديث ابن مسعود في المهدي: «ليس بشيء».

فأصح ما في الباب عند وكيع أثرٌ موقوف على علي فيه الأعمش مدلس ولا ذكر فيه للمهدي، وعند ابن مهدي وأحمد أثرٌ موقوف على ابن عباس هو «رجاء وأمنية» أن يخرج مصلح من آل البيت ولا ذكر فيه للمهدي، وقد حمله البيهقي وابن كثير على مُلك بني العباس. «فإذا كان أصح شيء في المهدي عند كبار النقاد حديثًا موقوفًا… ليس فيه ذكر للمهدي، ولا يُستبعد أن ابن عباس قد أخذه عن كعب، فهذا يعني نكارة ووهن الروايات المرفوعة» (الشمالي ص٢٠٢). وأما «التصحيح» فاقتصر على الترمذي وابن حبان والحاكم، وثلاثتهم موصوفون بالتساهل، والحاكم صحح على شرط الشيخين إسنادًا فيه من ليس من رجالهما (أبو أسماء الرحبي)، وصحح سندًا فيه إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر «المجمع على ضعفه».

٣. الشيوع لا يعني الصحة: قاعدة النقاد في الحديث المشتهى

«الروايات المنكرة متنًا تروج ويتناقلها المتروكون والمدلسون وأصحاب الأهواء»؛ «المرويات التي يشتهيها الناس مثل حديث المهدي يكثر تناقل الضعفاء لها وسرقة طرقها وتدليسها» (الشمالي ص٢١، ص١٢٥). وشواهد ذلك في هذا الباب: سند «مركب لا وجود له في الواقع» (سليمان بن عبيد عند الحاكم)؛ وحديثٌ سُرق من عمار لابن عباس أو العكس؛ وحديثٌ نُقل فيه المهدي مكان عيسى: «يخرج المهدي حكمًا عدلًا، يكسر الصليب ويقتل الخنزير» (البعث والنشور ١٢٢)؛ وحديث «فيقول أميرهم المهدي» أُدرجت فيه الكلمة على صحيفة وهب؛ وحديث جابر الصحيح في «خليفة يحثي المال» جُيّر للمهدي مع أن أبا نضرة وأبا العلاء لما سُئلا: «أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ قالا: لا» — ولم يقولا: هو المهدي (مسلم ٢٩١٣).

خامسًا: تضارب المتون — «لا تشبه كلام النبوة»

قاعدة أبي حاتم الرازي كما نقلها ابنه: «يُقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلامًا يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويُعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته» (الجرح والتعديل، المقدمة). وقاعدة الشافعي في الرسالة: «أن يحدّث المحدّث ما لا يجوز أن يكون مثله». وقاعدة المعلمي: «إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة». ومتون المهدي إذا جُمعت كشفت عن تدافعٍ لا يجتمع في خبرٍ واحدٍ صادر عن مشكاة النبوة:

المسألةالرواية الأولىالرواية المعارضةمصدرهما
نسبه«من ولد فاطمة»؛ «من صلب الحسن»«من ولد العباس عمي»؛ «سيختمه بغلام من ولدك يا عباس»؛ «من ولد ابني هذا وضرب بيده على الحسين»؛ «رجل من أمتي يقول بسنتي» (بلا نسب)أبو داود ٤٢٨٤، ٤٢٩٠ / الأفراد ٢٦، العلل ١٤٣٧، عقد الدرر، الأوسط ١٠٧٥
اسمه واسم أبيه«يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي» (محمد بن عبد الله)الاثنا عشرية: محمد بن الحسن العسكري؛ «يكنى أبا عبد الله»؛ في نصف ألفاظ عاصم لا ذكر لاسم الأب أصلًاأبو داود ٤٢٨٢ / الطبراني ١٠٢١٣–١٠٢٢٩
مدة ملكه«يملك سبع سنين»«خمسًا أو سبعًا أو تسعًا — زيد الشاك»؛ «سبع أو ثمان أو تسع»؛ «أربع عشرة سنة» (الزهري)؛ «عشرين سنة» (حذيفة، أبو أمامة)؛ «تسعة عشر»؛ «أربعين سنة»أبو داود ٤٢٨٥ / الترمذي ٢٢٣٢، الفتن ١١٣٢، الأباطيل ٢٩٧
مكان خروجه«يخرج رجل من أهل المدينة هاربًا إلى مكة فيبايع بين الركن والمقام»«الرايات السود من خراسان فأتوها»؛ «تُنصب بإيلياء»؛ «من قرية باليمن يقال لها كرعة»؛ «مهاجره بيت المقدس»؛ «أهل الكوفة أسعد الناس به»أبو داود ٤٢٨٦ / أحمد ٢٢٣٨٧، ٨٧٧٥، مسند الشاميين ٩٣٧، الفتن ١٠٧٣
زمانه«ينزل عيسى فيصلي خلف المهدي» (في زمن الدجال)«يخرج في آخر الزمان إذا قال الرجل الله الله قُتل»؛ «لا يخرج حتى تطلع مع الشمس آية» (بعد انقطاع التوبة!)؛ والدجال وعيسى لا ذكر معهما للمهدي في كل أحاديث الصحيحين على كثرتهاالأربعون ٣٩ / الحاكم ٨٦٥٩، جامع معمر ٢٠٧٧٥
صفته«يصلحه الله في ليلة» (مخلّص مفاجئ)«خليفة يحثي المال» (خليفة يخلف من قبله)؛ «فتى لم تلبسه الفتن» (مجدد)؛ «لا يوقظ نائمًا ولا يهريق دمًا»ابن ماجه ٤٠٨٥ / مسلم ٢٩١٣، الخلال ٢٠٥، الفتن ١٠٤٠
هويته الجسدية«أجلى الجبهة أقنى الأنف»«الجسم جسم إسرائيلي»؛ «كأنه من رجال بني إسرائيل»؛ «يعمل بأعمال بني إسرائيل»أبو داود ٤٢٨٥ / الفردوس ٦٦٦٧، الكبير ٧٤٩٥، الداني ٥٨٨

١. «خليفة الله»: لفظٌ لا أصل له في نصوص الشريعة. قال الماوردي: «قيل لأبي بكر: يا خليفة الله، فقال: لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله وأنا راضٍ بذلك. وقال بعض السلف: إنما يُستخلف من يغيب أو يموت، والله تعالى لا يغيب ولا يموت» (النكت والعيون ٤/٤٧٧). وقال ابن تيمية: «الخليفة إنما يكون عند عدم المستخلف بموت أو غيبة… وكل هذه المعاني منتفية في حق الله تعالى… فمن جعل له خليفة فهو مشرك به» (مجموع الفتاوى ١/٤٧). وقال ابن القيم: «ومما يُكره أن يقول للسلطان خليفة الله أو نائب الله في أرضه» (زاد المعاد ٢/٨٢٤). وقد جعله البزار سبب اختياره الرواية: «وهذا اللفظ لا نعلمه إلا في هذا الحديث» — وهو عين النكارة.

٢. «الرايات السود» و«الكنز» و«ثلاثة كلهم ابن خليفة»: ربطُ الحق بلون رايةٍ «لا يشبه نصوص الشريعة التي تربط الحق باتباع الدليل، فكل أحد يستطيع أن يجهز رايات سودًا وينطلق بها من جهة المشرق ويدعي أن فيها المهدي» (الشمالي ص٦٨) — كما فعل العباسيون، وكما فعل جهيمان سنة ١٤٠٠هـ حين رأى في صاحبه محمد بن عبد الله القحطاني «أجلى الجبهة أقنى الأنف» فبايعه بين الركن والمقام واستُحل الحرم. «ثم كيف يجتمع ثلاثة من أبناء الخلفاء في عصر واحد يقتتلون على الكنز؟!» (ص٧٥). وقد قال أبو أسامة — وهو كوفي من أعرف الناس بمذهب النخعي وعلقمة — في هذا الحديث: «أهذا مذهب إبراهيم! أهذا مذهب علقمة! أهذا مذهب عبد الله؟!» — يعني أن دعوة الناس للحبو على الثلج خلف رايات تخرج على السلطان تخالف مذهب السلف في منع الخروج.

٣. «يصلحه الله في ليلة» مقابل «لم تلبسه الفتن»: الأصل فيمن يبعثه الله للتجديد أن يكون معروف الصلاح والسيرة ليكون قدوة، ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾؛ «فكيف يكون إنسان يعيش في ضلال وفجور ثم ينصلح فجأة ليكون مخلّصًا؟» (ص٦٩). وأثر ابن عباس الصحيح — أصح ما في الباب — يصف المأمول بأنه «لم يلبس الفتن ولم تلبسه الفتن»، وهو وصفٌ يناسب كل مجدد في الطائفة المنصورة، ويعارض «يصلحه الله في ليلة». وهذا مما استدل به الشمالي على أن ابن مهدي وأحمد لم يكونا يريان في الباب حديثًا مرفوعًا صحيحًا: «فكيف يفوت هذا التواتر على إمامين جهبذين، لأنه لو كان متواترًا لما سأل أحمد عنه ولما أجاب ابن مهدي بما أجاب» (ص٧٦).

٤. المخلّص في سبع سنين: «فالرسول لم يستطع أن يملأ الأرض عدلًا رغم أنه بقي ثلاثًا وعشرين سنة، فكيف بشخص بسبع سنوات فقط يقوم بعمل عجز عنه النبي عليه الصلاة والسلام؟!» (الصارم ص٥). وهو المعنى الذي صرح به رشيد رضا: «وقد كانت الحرب بين خاتم النبيين والمشركين سجالًا… فهل يكون المهدي أهدى منه أعمالًا وأحسن حالًا ومآلًا؟ كلا». «فهذا علي بن أبي طالب الخليفة الراشد الرابع وهو أفضل من المهدي كان في عنتٍ من الناس حتى نال الشهادة على أيدي الخوارج، فلم يتمكن من نشر العدل والأمن في بلاد العراق فضلًا عن غيرها» (الشمالي ص٨٥).

٥. زمن عيسى ليس زمن المهدي: الثابت في مسلم من حديث النواس بن سمعان أن عيسى ينزل «عند المنارة البيضاء شرقي دمشق» والدجال يعيث في الأرض «أربعين يومًا يوم كسنة»، فيقتله بباب لدّ، ثم يخرج يأجوج ومأجوج؛ وفي حديث عبد الله بن عمرو: «فيبعث الله عيسى… فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة» (مسلم ٧٥٦٨). فزمن نزول عيسى زمنُ الدجال والفتنة، لا زمن «أرض مُلئت عدلًا سبع سنين». وأحاديث نزوله في الصحيحين: «حكمًا مقسطًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال» (البخاري ٢٤٧٦، ٣٤٤٨؛ مسلم ٤٠٨) تجعله هو المصلح لا المأموم. «ثم إن جميع أحاديث نزول عيسى الصحيحة ليس فيها ذكر للمهدي، مع أنه من الأهمية بمكان أن يُذكر معه كما ذُكر الدجال» (ص٩١). وقد تنبه ابن كثير فقال: «وأظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى ابن مريم» (البداية ١٩/٥٥)، وهو ما يهدم لفظ «فيقول أميرهم المهدي». وأما كون عيسى يصلي خلف المهدي فهو بعينه عقيدة الإمامية: «ويصلي خلف المهدي» (بحار الأنوار ٩/١٩٥)، و«المسيح جندي من جنوده يأتمر بأمره» (ص٨٦–٨٧). وقد فطن ابن حبان لذلك فترجم: «ذكر البيان بأن إمام هذه الأمة عند نزول عيسى يكون منهم» ولم يقل: المهدي. وحديث «لا خير في العيش بعده» (أحمد ١١٣٢٦) يفيد أن المهدي آخر الزمان لا عيسى بعده؛ وحديث «المهدي في وسطها» (أبو نعيم ٤٠، وسنده يمر بأبي جعفر المنصور عن جده!) يجعله في منتصف الأمة — «ومن يتدبر باقي نصوص مرويات المهدي يدرك هذا التناقض» (ص٧٥).

٦. الإدراج المكشوف: في ابن ماجه (٤٠٧٧) من حديث أبي أمامة في الدجال: «وجُلّهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح»؛ فجاءت الرواية عند أبي نعيم (الأربعون ١٤) بنفس الإسناد: «وإمامهم المهدي رجل صالح» — «أصل الرواية: وإمامهم رجل صالح، وأدرج أحد الرواة كلمة المهدي» (ص٩٢). وهو عين ما وقع في حديث جابر «فيقول أميرهم المهدي». ثم كيف «يملأ الأرض عدلًا» وهو «مع فئة قليلة ببيت المقدس»؟

٧. معارضة الأصول الثابتة: فكرة الانتظار تعارض «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» (متواتر في الصحيحين)، و«لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية»، و«الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، وحديث التجديد «على رأس كل مائة سنة» الذي قال فيه أحمد: «فكان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى». «فتجديد الدين أمر دائم مستمر، بينما أحاديث المهدي توحي بخلو الزمان من قائم بالتجديد حتى مجيء المهدي» (ص٧٨). فالشرع «أراد لشخصية المسلم أن تنتقل من الانتظار إلى العمل… ونقل الاهتمام من المهدي المنتظر إلى المجدد المنتظر» (الصعيدي). وقد أسند الخلال في السنة (٣/١٩٦) عن الشعبي: «محنة الرافضة محنة اليهود: قالت اليهود: لا تصلح الإمامة إلا لرجل من آل داود، وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا لرجل من ولد علي. وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل سبب من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينادي منادٍ من السماء».

٨. الغياب عن كتب الاعتقاد: ليس في القرآن ذكرٌ للمهدي، ولا في السيرة، ولا في السنة لأحمد، ولا السنة لابن أبي عاصم، ولا التوحيد لابن خزيمة، ولا شرح أصول الاعتقاد للالكائي، ولا الإبانة لابن بطة، ولا الإيمان لابن منده، ولا الطحاوية ولا الواسطية ولا عقيدة ابن قدامة ولا الإبانة للأشعري. «فلم نر أحدًا قال به من العلماء المحققين» (ابن بدران، العقود الياقوتية ص٦٣–٧٧). والاستثناء الوحيد البربهاري (ت٣٢٩) في شرح السنة: «ويصلي خلف القائم من آل محمد» — و«القائم من آل محمد» لقبٌ اثنا عشري بعينه (بحار الأنوار ٥١/٧٢)، ولم يتابعه عليه تلميذه ابن بطة (ص٨٨–٨٩).

٩. الطابع الكوفي: «أحاديث المهدي عامتها كوفية عراقية، ويغلب على أسانيدها وجود راوٍ اتُّهم بالرفض أو التشيع… والتي في أسانيدها رواة متهمون بالتشيع تجدها منكرة ركيكة يظهر عليها الصنعة» (ص٩٣). وقاعدة النقاد التي نصّ عليها الجوزجاني وابن حجر: «الأكثر على قبول غير الداعية إلا أن يروي ما يقوي بدعته فيُرد على المذهب المختار» (نزهة النظر ١٠٤)، وابن قتيبة: «إنما مُنع من قبول قول الصادق فيما وافق نحلته وشاكل هواه، لأن نفسه تريه أن الحق فيما اعتقده». وقال مالك: «وكيف بالعراق دار الضرب، يُضرب بالليل ويُنفق بالنهار؟» (السير ١٥/١١٤)، ويزيد بن هارون: «قدمت الكوفة فما رأيت بها أحدًا إلا وهو يدلس إلا مسعرًا وشريكًا»، وأحمد لما سئل عن حديث لعطية العوفي عن أبي سعيد: «أحاديث الكوفيين هذه مناكير» (المنتخب من العلل ١١٧).

١٠. آية الاختلاف: ختم الصارم بقوله: «إن الحاذق إذا تأمل ألفاظها سيجد بأنها متدافعة ومتعارضة، وهذا خير دليل على أنها ليست من عند الله، لأن الله تعالى قال: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾» (ص٩٢). وقد جمع الشمالي من هذا خمسة عشر اعتراضًا على المحتوى (ص٦٥–١٠٦)، خلاصتها: «فساد في المعنى وتناقضات، وتعارض مع مقاصد الشريعة، ومع السنة الثابتة، ومع مرويات نزول عيسى وخروج الدجال».

سادسًا: الروافد الثلاثة — من أين دخلت الفكرة؟

خريطة الروافد الثلاثة لمرويات المهدي
ثلاثة روافد يلتقي عندها كل ما رُوي في المهدي: الرافد العباسي، والرافد العلوي الكوفي، والرافد الإسرائيلي عبر كعب الأحبار. وفي كل رافد حلقةٌ حمراء بين الجهة المستفيدة والمصدر الذي حفظ النص.

١. الرافد العلوي والكوفي: الفكرة وُلدت بعد مقتل علي

أول من لُقّب بالمهدي في الإسلام محمد بن الحنفية (ت٨٠هـ) على يد المختار الثقفي: «ادعى أن محمد بن الحنفية هو المهدي الذي سيخرج في آخر الزمان وأنه أمره أن يدعو الناس إلى بيعته وزوّر على لسانه كتابًا» (ابن حجر، الإصابة ٦/٣٥١)، «وكانت شيعة ابن الحنفية يزعمون أنه لم يمت» (الذهبي، السير ٧/١١٩). وكانوا يقولون له: «سلام عليك يا مهدي، فقال: أجل، أنا مهدي أهدي إلى الرشد والخير، اسمي اسم نبي» (السير ٧/١٣٢). وقال ابنه أبو جعفر الباقر: «يقولون إني أنا المهدي، والله لو أن الناس أطبقوا بأن الفرج يجيئهم من باب لخالفهم القدر حتى يجيئهم من باب آخر» (الإبانة ١٨٢٣). فلاحظ: أول مهديٍّ في الإسلام ليس من ولد فاطمة، واسمه محمد بن علي لا محمد بن عبد الله. ثم كان محمد بن عبد الله بن الحسن «النفس الزكية» (ق١٤٥هـ): «لما ولد… كانوا يروون عن النبي ﷺ أن اسم المهدي محمد بن عبد الله فأملوه ورجوه… وتباشرت به الشيعة» (مقاتل الطالبيين)، وخرج معه ابن أبي ذئب «وظنه المهدي ثم ندم»، وابن عجلان «وإنما غُرّ وأخطأ في الرواية ظن أنه المهدي». وهنا يظهر سر لفظة «واسم أبيه اسم أبي» ولفظة «النفس الزكية» في أثر مجاهد «عن رجل من الصحابة»: فالأثر يربط خروج المهدي بمقتل النفس الزكية، ولقب النفس الزكية لا يُعرف قبل محمد بن عبد الله بن الحسن، ونظيره حرفًا في بحار الأنوار (٥٢/٢٠٣) عن الصادق: «خمس قبل قيام القائم: اليماني والسفياني والمنادي ينادي من السماء وخسف بالبيداء وقتل النفس الزكية» (الشمالي ص٢١٧–٢٢٠). ونظير «أهل الكوفة أسعد الناس بالمهدي» في بحار الأنوار (٥٢/٣٩٠) عن الباقر: «أول ما يبدأ القائم بأنطاكية فيستخرج منها التوراة… وأسعد الناس به أهل الكوفة». وقد قال سفيان الثوري وهو كوفي لحفص بن غياث لما قال له: «إن الناس قد أكثروا في المهدي»: «إن مر على بابك فلا تكن منه في شيء حتى يجتمع الناس عليه» (المعرفة والتاريخ ١/٧٢٦؛ الحلية ٧/٣١).

٢. الرافد العباسي: الرايات السود والسفاح والمهدي

حين قامت الدولة العباسية سنة ١٣٢هـ برايات سود خرجت من خراسان بقيادة أبي مسلم، ولُقّب الخليفة الأول بالسفاح والثالث بالمهدي، ظهرت في المرويات دفعةٌ واحدة: «إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فأتوها»، «يخرج رجل يقال له السفاح يكون عطاؤه حثيًا» (زيادةٌ في رواية عطية العوفي ليست في سائر الطرق)، «منا السفاح والمنصور والمهدي» على لسان ابن عباس جدّ الأسرة الحاكمة، و«المهدي من ولد العباس عمي» على لسان عثمان. ثم لما مات المهدي العباسي (١٦٩هـ) ولم يملأ الأرض عدلًا، رُويت الأخبار المضادة: «يملك بنو العباس… ثم يزول ملكهم ويقوم المهدي» (الفتن ٥٩٩). وقد أقر ابن كثير بأن «هذه الأخبار في خروج الرايات السود من خراسان وفي ولاية السفاح» تنطبق على السفاح العباسي، ثم قال: «هذا كله تفريع على صحة هذه الأحاديث، وإلا فلا يخلو سند منها عن كلام» (البداية ٦/٢٤٨). وتعقبه الشمالي: «الأصل أن يُستدل بعكس ذلك، بمعنى أن هذه الأحاديث مفتعلة لدوافع سياسية نصرة لمن تسمى بهذه الأسماء» (ص٢٦٤). وابن القيم: «كل حديث في مدح المنصور والسفاح والرشيد فهو كذب» (المنار المنيف).

٣. الرافد الإسرائيلي: كعب الأحبار وأسفار التوراة

ثمانية آثار عن كعب في المهدي، جُلّها في الفتن لنعيم بن حماد، تكشف الجذر المسيحاني اليهودي للفكرة بلا مواربة: «إني لأجد المهدي مكتوبًا في أسفار الأنبياء» (الفتن ١٠٣٤)، «إنما سمي المهدي لأنه يهدي إلى أسفار من أسفار التوراة يستخرجها من جبال الشام، يدعو إليها اليهود فيسلم على تلك الكتب جماعة كثيرة» (الفتن ١٠٣٥)، «يستخرج تابوت السكينة من غار بأنطاكية فيه التوراة… يحكم بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم» (الفتن ١٠٢٢)، «المهدي من ولد العباس» (الفتن ١١٠٥)، وعلامة خروجه «أن يجلس ابن آكلة الأكباد على منبر دمشق» (الفتن ١/١٨٩) — وهذه الأخيرة تكشف وجه الفكرة الأموي المضاد. وقد قال البيهقي عن حديث الرايات السود: «ويُروى قريب من هذا اللفظ عن كعب الأحبار ولعله أشبه»، وقال ابن كثير عن «المهدي من بني العباس»: «جاء موقوفًا على ابن عباس وكعب الأحبار ولا يصح». والمصدر الجامع لهذه الآثار نعيم بن حماد (ت٢٢٨هـ): «ليس في الحديث في شيء» (ابن معين)، «عند نعيم نحو عشرين حديثًا عن النبي ﷺ ليس لها أصل» (أبو داود)، «ضعيف… لا يحتج به» (النسائي). وأما كعب نفسه فقال معاوية: «إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب» (البخاري ٧٣٦١)، وقال حذيفة لما بلغه قوله إن السماء تدور على قطب: «كذب كعب» (الإصابة ٣/٣١٦)، وقال له عمر: «لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة» (تاريخ المدينة ٣/٨٠٠). وقد ثبت من ثلاث طرق إحداها صحيحة (إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون، ابن سعد ٣/٣١٦) أن كعبًا قال لعمر قبل طعنه: «اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام… أجد صفتك وحليتك في التوراة»، ثم دخل عليه بعد الطعنة: «ألم أقل لك: لا تموت إلا شهيدًا؟» (البيهقي ٥٣٢١) — «ولا يمكن تفسير هذا إلا أنه عنده خبر عن المؤامرة» (الشمالي ص٢٤٤). وعلى مقربة من هذه الحلقة: أبو الجلد الجوني «صاحب كتب التوراة ونحوها» هو مصدر أثر ابن سيرين في «الرجل يجتمع الناس على خيرهم» (عبد الرزاق ٢٠٧٧١).

٤. الخلاصة السياسية: «اليأس من نجاح الأمة على أيدي خلفاء بني أمية»

قال الطاهر ابن عاشور: «فإذا تأملها الناقد البصير وجد مخيلة التحزب والعصبية واضحة فيها، ووجد معظمها يرمي إلى اليأس من نجاح أمر الأمة على أيدي خلفاء بني أمية وأنها لا نجاح لها إلا بولاة من بني هاشم وأنصارهم، ثم وجد جميعها لا يعدو خدمة ثلاثة أحزاب: فقسم يلمح إلى العلويين وهو معظمها، وقسم يلوح إلى العباسيين، وقسم بقي مطلقًا لبني هاشم، ومن هذا القسم ما يظهر أنه قصد منه الانتصار للزبيرية، والقصد من ذلك الحط من الأمويين» — تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة (الصارم ص٩١)

ويكفي أن نلاحظ: المرويات التي تجعل المهدي خليفةً شرعيًا يخلف من قبله لم تُنسب إلى أموي قط، وأما التي تجعله «يخرج» و«يُبايَع كارهًا» و«تأتيه الرايات من المشرق» و«يقاتل السفياني» فكلها تصب في اتجاه واحد: نزع الشرعية عن الحكم القائم بالشام وتعليقها على مخلّص هاشمي لم يأت. وحتى قصة «السفياني» التي زعم آل محمود أن الأمويين وضعوها ردًّا على المهدي لا تصح: حديث الحاكم (٨٥٨٦) فيه ابن أبي سمينة ليس من رجال مسلم، والوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية (الضعيفة)، وحديثه الآخر (٨٥٣٠) «خبر واهٍ» عند الذهبي وفيه «يقتلون شيعة آل محمد بالكوفة» — فهو من الرافد الكوفي نفسه.

سابعًا: الآثار الصحيحة المعارضة — «المهدي عيسى ابن مريم» و«إن كان مهدي فعمر بن عبد العزيز»

إذا كانت كل المرفوعات معلولة، فما الذي صحّ عن السلف في هذا الباب؟ صحّ ما يهدم الفكرة من أصلها:

أصحاب ابن مسعود: السنن الواردة للداني (٥٩٠): حدثنا عبد الرحمن بن عثمان القشيري، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا أحمد بن زهير، ثنا أبو سلمة، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: «كان أصحاب عبد الله يقولون: المهدي عيسى ابن مريم». — أثر صحيح، وإبراهيم النخعي أعلم الناس بأصحاب عبد الله (علقمة، الأسود، عبيدة، مسروق، أبو ميسرة، الحارث بن قيس).
الحسن البصري: الفتن لنعيم بن حماد (٢٣٠): حدثنا الفضيل بن عياض، عن هشام بن حسان، عن الحسن قال: «المهدي عيسى ابن مريم». — أثر صحيح. وفي الحلية (٥/٢٥٧): ضمرة عن ابن شوذب قال: قال الحسن: «إن كان مهدي فعمر بن عبد العزيز، وإلا فلا مهدي إلا عيسى ابن مريم».
مجاهد: مصنف ابن أبي شيبة (١٩٢): الوليد بن عتبة، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد قال: «المهدي عيسى ابن مريم». وعند المستغفري (١٢٣) عن الحسن بن الحر: «دخلت أنا وعبدة بن أبي لبابة والقاسم بن مخيمرة على مجاهد… فقال له القاسم: ما تقول في المهدي؟ قال: هو عيسى ابن مريم، ولكن قبله أمراء يعدلون». — الطريقان يتقويان.
قتادة: السنن الواردة (٥٨٨): أبو هلال عن قتادة قال: «كان يقال: المهدي ابن أربعين سنة، يعمل بأعمال بني إسرائيل، فإن لم يكن عُمر فلا أدري من هو» — يعني عمر بن عبد العزيز. وطاووس (ابن أبي شيبة ٣٧٦٥٢، بسند حسن): قلت لطاووس: عمر بن عبد العزيز المهدي؟ قال: «قد كان مهديًا وليس به، إن المهدي إذا كان زيد المحسن في إحسانه وتيب عن المسيء من إساءته، وهو يبذل المال ويشتد على العمال ويرحم المساكين». ومحمد بن علي الباقر (السنن الواردة ٥٨٧): «قلت لمحمد بن علي: إن الناس يزعمون أن فيكم مهديًا. قال: إن ذلك ليس لك، ولكنه من بني عبد شمس — كأنه عنى عمر بن عبد العزيز».

فهذه الآثار تُثبت ثلاثة أمور: أن مصطلح «المهدي» في القرن الأول وصفٌ أخلاقي للخليفة العادل لا اسمُ شخصٍ غيبي؛ وأن أول من استحق الوصف عند التابعين خليفة أموي هو عمر بن عبد العزيز (وابن الباقر الهاشمي نفسه يحيل إليه!)؛ وأن أوصاف المهدي المروية «من كونه يخرج وقد ملئت الأرض ظلمًا، وأنه يخرج من خراسان، وأنه يبايع عند الركن والمقام… كل ذلك لم يكن في زمن كبار التابعين مثل قتادة، وأنها أمور قد لُفقت فيما بعد» (الشمالي ص٢٢٦). وأما أثر سعيد بن المسيب «من ولد فاطمة» فليس في مصنف عبد الرزاق ولا في جامع معمر، وإنما رواه أحمد بن شبويه الذي «سمع من عبد الرزاق بعد ما عمي، وكان يُلقن فلقنه» (أحمد)، وقتادة يقول فيه «كان يقال» (ص٢٢٨–٢٣٠). وأما حديث «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» المرفوع (ابن ماجه ٤٠٣٩) فلا نحتج به أيضًا: تفرد به محمد بن خالد الجندي «مجهول» (الحاكم، البيهقي)، «متروك» (ابن عبد البر)، ورجع الحديث إلى «أبان بن أبي عياش وهو متروك عن الحسن مرسلًا»، والذهبي: «خبر منكر»، والنسائي: «منكر»، والصغاني: «موضوع». فالطرفان المرفوعان ساقطان، والصحيح ما وقفه السلف.

ثامنًا: الأطروحة — من «عقيدة متواترة» إلى «ملفٍّ سياسي مركّب»

✦ القراءة التي تحتملها النصوص

١. لا يصح في المهدي حديث واحد. خمسة مدارات مشهورة وسبعة عشر حديثًا، ونحو تسعين متنًا، كلها تمر بحلقة مجروحة: متفرد سيئ الحفظ (عاصم)، أو منكر الحديث (ياسين، زياد بن بيان)، أو مدلس (أبو قلابة، قتادة)، أو مجهول (الحسن بن يزيد، صاحب أبي الخليل، سليمان بن عبيد)، أو شيعي يروي ما يؤيد بدعته (يزيد بن أبي زياد، فطر، حنان، سالم بن أبي حفصة، عطية، أبو هارون)، أو وضّاع (محمد بن الوليد، عبد الوهاب بن الضحاك، الهيثم بن حبيب). ولم يصحح حديثًا في الباب أحدٌ من نقاد الطبقة الأولى، وأصح ما فيه عند ابن مهدي وأحمد ووكيع موقوفٌ لا مهدي فيه.

٢. دعوى التواتر دعوى بلا أساس. تواترٌ لغوي عند الآبري تحول عند المتأخرين إلى اصطلاحي بالتقليد، وشرطه «تعدد الأوطان وأمن التواطؤ» منتفٍ في رواةٍ أكثرهم كوفيون شيعة، ولا أصل له في الصحيحين، والكثرة كثرة ألفاظ لا مخارج.

٣. المتون متدافعة في النسب والاسم والمدة والمكان والزمان والصفة، ومعارضة لأصول ثابتة: الطائفة المنصورة، والتجديد، والجهاد الماضي، وأن أبا بكر «ليس خليفة الله»، وأن عيسى ينزل «وإمامكم منكم» أي «بكتاب ربكم» كما فسره راوي الحديث.

٤. الفكرة ذات جذر ثلاثي: مسيحاني يهودي دخل عبر كعب الأحبار وقرّاء التوراة («مكتوب في أسفار الأنبياء»، «يستخرج التوراة من أنطاكية»)؛ وعلوي كوفي بدأ بالمختار وابن الحنفية ثم النفس الزكية ونظائره حرفيًا في بحار الأنوار؛ وعباسي خراساني رفعه أصحاب الرايات السود والسفاح والمهدي. والقاسم المشترك بين الروافد الثلاثة كما رآه ابن عاشور: «اليأس من نجاح أمر الأمة على أيدي خلفاء بني أمية».

٥. الصحيح عن السلف يهدم الفكرة: أصحاب ابن مسعود والحسن ومجاهد: «المهدي عيسى ابن مريم»؛ وقتادة والحسن وطاووس والباقر: عمر بن عبد العزيز، «وإلا فلا أدري من هو». فـ«المهدي» في القرن الأول وصفٌ لخليفةٍ عادلٍ تحقق في أموي، لا اسمٌ لمخلّص هاشمي منتظر.

٦. وبهذا يستقيم اسم الملف: «المهدي المنتظر» ليس عقيدةً من عقائد أهل السنة — لم تذكره الطحاوية ولا الواسطية ولا الإبانة — بل سرديةٌ سياسية مركّبة انتقلت إلى مدونات أهل السنة «عن طريق الاحتكاك بالرواة الشيعة أو الرافضة، ومن خلال الثقة بكعب الأحبار» (الشمالي ص٢٢٢)، فحُسّنت بمجموع طرقٍ لا يصح منها شيء، ثم سُمّيت تواترًا. وأثرها التاريخي معروف: من المختار إلى عبيد الله الفاطمي وابن تومرت والمهدي السوداني وجهيمان — «ففي كل عصر يخرج من يدعي أنه المهدي… ويلتف حوله من الهمج السذج والغوغاء» (آل محمود).

تاسعًا: حدود الدليل — ما لا نكتبه

لا نكتب أن نزول عيسى ابن مريم غير ثابت: هو في الصحيحين من طرق متعددة، وهو الذي يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقتل الدجال. وإنما نكتب أن أحاديث نزوله على كثرتها لا تذكر معه مهديًا، وأن الرجل الصالح الذي يصلي عيسى خلفه «إمامكم منكم» لم يُسمَّ في الصحيح باسم ولا نسب.

لا نكتب أن حديث «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» صحيح: هو منكر عند النسائي والذهبي وابن تيمية، وتفرد به مجهول عن متروك مرسلًا. ونكتب أن معناه ثابتٌ موقوفًا على أصحاب ابن مسعود والحسن ومجاهد بأسانيد صحيحة.

لا نكتب أن الأعمش أو هشام بن حسان أو عمرو بن دينار المكي أو يعلى بن عبيد أو وهب بن منبه ضعفاء، كما ذهب إليه «الصارم الأموي» (ص١٩، ٦٧، ٧٧، ٨٠، ٨٣)؛ فهؤلاء ثقات من رجال الشيخين، وكلمة البزار «لين» في عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير البصري لا في المكي، ووصف الأعمش بـ«السبئي» تجاوزٌ لا يعرفه النقاد. ولا نضعّف حديث مسلم (٢٩١٣) «خليفة يحثي المال» بتشيع أبي نضرة؛ وإنما نقول إنه لا ذكر فيه للمهدي وحملُه عليه تجييرٌ لا دليل عليه. فقاعدة «الجرح مقدم على التعديل» لا تعني أن التشيع وحده جرحٌ في الضبط؛ وإنما القاعدة التي سار عليها النقاد: أن المبتدع إذا انفرد بما يقوي بدعته وخالف الثقات استُنكر حديثه — وهذا وحده يكفي في مرويات المهدي.

لا نكتب أن كعب الأحبار شارك في قتل عمر: نكتب أنه أخبر بمقتله قبل وقوعه بأسانيد صحيحة وحسنة، وأن الجزم بمشاركته يحتاج إلى أكثر من قرينة، وأن ما ثبت يكفي لمراجعة توثيقه المطلق في التقريب الذي «لم ينقل الحافظ عن أحد من نقاد الحديث».

لا نكتب أن الأمة لن يكون فيها مصلحٌ أو خليفةٌ عادل: الصحيح يثبت الطائفة المنصورة والتجديد، ويصف الخليفة الذي يحثي المال. وإنما نكتب أن تعيين هذا المصلح باسمٍ ونسبٍ ورايةٍ ومدةٍ ومكانٍ هو الذي لا يصح.

لا نكتب أن الأمويين وضعوا حديث السفياني مقابل المهدي، كما زعم آل محمود: أسانيد السفياني كوفية ومصرية (ابن لهيعة، رشدين، أبو رومان) من الرافد نفسه، ولا يوجد حديثٌ واحد في الباب يُروى من طريق أمويٍّ لتأييد أموي.

عاشرًا: الرواة جرحًا وتعديلًا — الحلقات التي يقف عليها الملف

الراويترجمته وأقوال النقادخلاصة الحكم
عاصم بن بهدلة أبي النجود (ت١٢٧)كوفي، إمام في القراءة. ابن سعد: ثقة إلا أنه كثير الخطأ. أبو حاتم: ليس محله أن يقال هو ثقة ولم يكن بالحافظ. القطان عن ابن علية: كل من اسمه عاصم سيئ الحفظ. الدارقطني: في حفظه شيء. ابن حجر: صدوق له أوهام. لم يخرج له الشيخان إلا مقرونًاتفرده منكر
زر بن حبيش (ت٨٢)كوفي مخضرم ثقة جليل، من رجال الستة، له عشرون تلميذًا من الأعلام لم يرو أحدهم هذا الحديثثقة
يزيد بن أبي زياد (ت١٣٦)كوفي. ابن فضيل: من أئمة الشيعة الكبار. ابن المبارك: ارمِ به. أحمد ووكيع: حديثه في الرايات ليس بشيء. ابن حجر: ضعيف كبر فتغير فصار يتلقن وكان شيعيًاضعيف شيعي يتلقن
حنان بن سديركوفي صيرفي. الدارقطني: من شيوخ الشيعة. الأزدي: ليس بالقوي. اللسان: منكر الحديث. الذهبي في حديثه: موضوعمنكر الحديث
ياسين بن شيبان العجليكوفي مقلّ لا يُعرف له غير هذا الحديث. البخاري: في إسناده نظر. ابن حبان: منكر الحديث يجب التنكب عما انفرد به. العقيلي: لا يتابع. البزار: لينضعيف متفرد
فطر بن خليفة (ت١٥٣)كوفي. أحمد: كان يغلو في التشيع. الجوزجاني: زائغ غير ثقة. الدارقطني: زائغ لا يحتج به. أبو بكر بن عياش: ما تركت الرواية عنه إلا لسوء مذهبه. لم يحتج به البخاريشيعي جلد لا يقبل تفرده في بدعته
سالم بن أبي حفصةكوفي. النسائي: ليس بثقة. ابن عدي: من الغالين في متشيعي أهل الكوفة. حجاج بن المنهال: من رؤوس من ينتقص أبا بكر وعمر. ابن حجر: صدوق إلا أنه شيعي غالٍلا يصلح متابعًا في أثر التشيع
زياد بن بيان الرقيالبخاري: في إسناده نظر. ابن عدي: البخاري إنما أنكر عليه هذا الحديث وهو معروف به. الذهبي: لم يصح حديثه. شك في سماعه من علي بن نفيلضعيف وهم في رفعه
علي بن نفيل الحرانيجد النفيلي. العقيلي: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به. أبو حاتم: لا بأس به (وهي عنده لمن يُكتب حديثه لا يُحتج به)لا يُحتج بتفرده
أبو الصديق الناجي بكر بن عمرو (ت١٠٨)بصري، من رجال الستة، وثقه ابن معين وأبو زرعة. ابن سعد: يتكلمون في أحاديثه ويستنكرونها. أخرج له الشيخان انتقاءً فيما توبع عليه. والبخاري يثبت واسطة مجهولة بينه وبين أبي سعيدحديثه في المهدي منقطع عن مجهول
زيد العمي، مطر الوراق، العلاء بن بشير، أبو هارون العبديصدوق كثير الخطأ (زيد)؛ ضعيف (مطر)؛ مجهول عند ابن المديني وابن حجر (العلاء)؛ متروك متهم بالكذب رافضي (أبو هارون)الرواة عن أبي الصديق كلهم مجروحون
عمران بن داور القطانبصري. ابن معين: ليس بالقوي/ليس بشيء. أبو داود والنسائي: ضعيف. الدارقطني: كثير المخالفة والوهم. ابن حجر: صدوق يهم. تحرير التقريب: ضعيف يعتبر به. أعرض عنه الشيخانضعيف
أبو نضرة المنذر بن مالك (ت١٠٨)بصري ثقة من رجال مسلم. الطبري: من شيعة علي. ابن حبان: فلج بأخرة وكان ممن يخطئ. الذهبي: ثقة يخطئثقة؛ والآفة فيمن دونه
قتادة بن دعامة (ت١١٧)إمام حافظ، مدلس مشهور، عنعن في جميع طرق حديث أم سلمة، واضطرب في شيخه على خمسة ألوان، وأرسلهمدلس عنعن، والسند مضطرب مداره مبهم
أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي (ت١٠٤)بصري ثقة، لكنه مدلس: الذهبي: يدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم وكان له صحف يحدث منها ويدلس. لم يسمع من ثوبان، وله عنه ٢٢ رواية في المسند كلها بواسطةعنعن ولم يسمع
خالد الحذاء (ت١٤١)بصري ثقة، تغير بأخرة، تفرد بحديث الرايات مسندًا عن أبي قلابةتفرد بما لم يروه أصحاب أبي قلابة
عبد الرزاق الصنعاني (ت٢١١)حافظ صاحب المصنف. ابن عدي: نسبوه إلى التشيع وروى أحاديث في الفضائل لا يوافق عليها. أحمد: حدث بعدما عمي بأحاديث ليست في كتبه كان يلقنها. تفرد عن الثوري بحديث ثوبانما تفرد به في التشيع خارج المصنف لا يُعتمد
علي بن زيد بن جدعان (ت١٣١)بصري. ابن القيم: ضعيف وله مناكير تفرد بها فلا يحتج بما يتفرد به. مسلم روى له متابعة فقطضعيف
عطية بن سعد العوفي (ت١١١)كوفي. الثوري وابن معين وأحمد وأبو حاتم والنسائي: ضعيف. البزار: يغلو في التشيع. ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرًا كان شيعيًا مدلسًا. أحمد: أحاديث الكوفيين هذه مناكيرضعيف شيعي مدلس
محمد بن الوليد القرشي مولى بني هاشمابن عدي: يضع الحديث ويصله ويسرق ويقلب الأسانيد والمتون. الحسين بن أبي معشر: كذاب. الذهبي: وضعه محمد بن الوليدوضّاع
عبد الوهاب بن الضحاككذبه أبو حاتم. النسائي: متروك. الدارقطني: منكر الحديث. البخاري: عنده عجائبمتروك متهم
الهيثم بن حبيبالذهبي: تفرد عن ابن عيينة بخبر كذب وهو آفته. أبو حاتم: منكر الحديث وهو المتهم بهذا الحديثمتهم
عمرو بن جابر الحضرمي أبو زرعةمصري. أحمد: بلغني أنه كان يكذب. الذهبي: هالك. ابن لهيعة: كان ضعيف العقل يقول: علي في السحابهالك
عبد الله بن لهيعة (ت١٧٤)قاضي مصر. مسلم: تركه ابن مهدي ويحيى ووكيع. الدارقطني: لا يحتج به. ابن حبان: يدلس عن ضعفاء على ثقات. ابن عدي: مفرط في التشيع. اختلط بعد احتراق كتبهضعيف مدلس مختلط
رشدين بن سعد (ت١٨٨)مصري. النسائي: متروك. أبو حاتم: منكر الحديث فيه غفلة. ابن يونس: أدركته غفلة الصالحين فخلطضعيف مخلط
نعيم بن حماد المروزي (ت٢٢٨)صاحب كتاب الفتن. ابن معين: ليس في الحديث في شيء. أبو داود: عنده نحو عشرين حديثًا ليس لها أصل. النسائي: ضعيف لا يحتج به. عبد الغني بن سعيد: سقط عند كثير من أهل العلمضعيف، ومصدر ٨٥٪ من الموقوفات
محمد بن خالد الجنديشيخ الشافعي. الحاكم والبيهقي: مجهول. الأزدي: منكر الحديث. ابن عبد البر: متروك. تفرد بـ«لا مهدي إلا عيسى» واختُلف عليه فرجع إلى أبان بن أبي عياش المتروكمجهول متفرد
كعب بن ماتع الأحبار (ت٣٢)يهودي أسلم في خلافة عمر، سكن حمص. ابن حجر: ثقة مخضرم (ولم ينقل توثيقه عن أحد من النقاد). معاوية: وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (البخاري ٧٣٦١). حذيفة: كذب كعب. عمر: لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة. ابن كثير: سامحهما الله فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل. لم يحتج به الشيخانلا يُحتج بما ينقله عن التوراة
أبو معبد نافذ مولى ابن عباس (ت١٠٤)مكي ثقة، وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة، من رجال البخاري. رواية عمرو بن دينار عنه عن ابن عباس صحيحة، وهي موقوفة لا ذكر فيها للمهديثقة — وحديثه أصح ما في الباب

حادي عشر: جدول المطابقة بين الكتابين وموقف المجلة

المسألةالشمالي (دراسة نقدية في الأسانيد والمتون)الصارم الأمويالموقف الموحَّد
النتيجة١٧ رواية لم يصح منها شيء؛ لا تصلح للتقوية؛ التواتر بلا أساسنحو ٩٠ متنًا عن ٢٤ صحابيًا و٣٩ أثرًا: «لا يصح منها شيء… لا مرفوعة ولا موقوفة ولا معلقة»متفقان؛ ونعتمد التخريج المسند من الأصول
المنهجعلم العلل، التفرد، الطبقة، نقد المتن، مراعاة بدعة الراوي إذا روى ما يؤيدهاثلاث قواعد: الجرح مقدم ولو مبهمًا؛ توثيق المتأخرين لا يُعوَّل عليه؛ رواية الشيعي فيما ينصر بدعته تُرد ولو كان ثقةنأخذ بمنهج الشمالي؛ والقاعدة الثالثة نضبطها بشرط التفرد والمخالفة، لا الرد المطلق
الثقات الذين ضُعفوايدافع عن ثقات الشيخين (سعيد بن أبي أيوب، الزهري، نافع) ضد غمز عداب الحمشيضعّف الأعمش وهشام بن حسان وعمرو بن دينار ويعلى بن عبيد ووهب بن منبه وحديث مسلم ٢٩١٣يُحذف الفرع كليًا: لا نجرح ثقةً بالتشيع وحده
البعد السياسيالفكرة وُلدت بعد مقتل علي؛ ٨ نماذج لادعاء المهدية؛ الرايات السود والسفاح «مفتعلة لدوافع سياسية»؛ النفس الزكية ونظيرها الشيعينقل ابن عاشور وآل محمود ورشيد رضا؛ الآثار العباسية والعلوية معًا؛ منهج «عثماني أموي» معلننعتمد التوثيق التاريخي عند الشمالي ونصّ ابن عاشور، ونرفض تسمية المنهج بالانحياز
كعب الأحبارفصل كامل: ٨ آثار، خبر مقتل عمر بثلاث طرق، دعوة لمراجعة توثيقه٧ آثار عن كعب من الفتن، والحكم بضعفها فقطنعتمد آثار كعب قرينةً على مصدر الفكرة لا حجةً على ثبوتها
الآثار الصحيحة المعارضةأصحاب ابن مسعود، الحسن، مجاهد، قتادة، طاووس، الباقر (عمر بن عبد العزيز)يضعّف أثر طاووس وأثر ابن سيرين بتشيع الرواةالآثار صحيحة وهي أقوى ما في الملف؛ ولا يضرها كون الراوي متشيعًا إذ يروي ضد هوى الشيعة
«لا مهدي إلا عيسى»لا يثبت سندًا ولا متنًا؛ ومعناه ثابت عن السلف موقوفًايورده في المقابل بلا تحقيقلا نحتج بالمرفوع؛ ونحتج بالموقوف الصحيح

ثاني عشر: المصادر والمراجع

  1. سنن أبي داود، كتاب المهدي (٤٢٧٩–٤٢٩٠)؛ جامع الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء في المهدي (٢٢٣٠–٢٢٣٢)؛ سنن ابن ماجه، كتاب الفتن (٤٠٣٩، ٤٠٨٢–٤٠٨٨) — بأرقام طبعات sunnah.com والدرر السنية.
  2. صحيح البخاري (٣٤٤٩، ٣٥١٧، ٧٣٦١)؛ صحيح مسلم (١٥٥، ١٥٦، ٢٩١٣، ١٩٢٠).
  3. مسند أحمد (ط. الرسالة): ٦٤٥، ٧٧٣، ٣٥٧١، ٤٢٧٩، ٨٧٧٥، ١١١٣٠، ١١١٦٣، ١١٢١٢، ١١٣٢٦، ٢٢٣٨٧، ٢٦٦٨٩؛ العلل ومعرفة الرجال (٥٩٨٣–٥٩٨٥، ٤٦٤٤).
  4. المستدرك للحاكم (٨٣٦٣، ٨٤٣٢، ٨٤٣٤، ٨٥٣٠، ٨٥٨٦، ٨٦٥٩، ٨٦٧٠، ٨٦٧٣) مع تلخيص الذهبي؛ صحيح ابن حبان (٦٨٢٤–٦٨٢٦، ٦٧٥٧)؛ مسند البزار (٦٤٤، ٣٣٢٠، ٤١٦٣، ٩٠١٦)؛ المعجم الكبير للطبراني (١٠٢١٣–١٠٢٢٩، ٢٣/٥٦٦، ٢٦٧٥، ٧٤٩٥)، والأوسط (١٢٣٣، ٤١٣٠، ٥٤٠٦، ٥٦٩٩، ٨٣٢٥)، ومسند الشاميين (٩٣٧).
  5. مصنف ابن أبي شيبة (١٩٠–١٩٤، ٣٤٦٣٣، ٣٧٦٣٨–٣٧٦٥٢، ٤٠٤٣٢–٤٠٤٤٧)؛ مصنف عبد الرزاق وجامع معمر (٢٠٧٦٩، ٢٠٧٧١، ٢٠٧٧٢، ٢٠٧٧٥، ٢٠٧٧٦)؛ الفتن لنعيم بن حماد (٢٣٠، ٥٧٥، ٥٩٩، ٩٠٧–٩٨٣، ١٠٢٢–١٠٤١، ١٠٩٢، ١١٠٥، ١١١٧، ١١٣٢).
  6. السنن الواردة في الفتن لأبي عمرو الداني (٤٧٥، ٤٩٤، ٥٠٩، ٥٤٦، ٥٥٨–٥٦٠، ٥٧٢، ٥٨٠، ٥٨٢، ٥٨٧، ٥٨٨، ٥٩٠)؛ البعث والنشور للبيهقي (١١٧–١٣٩، ٢١٧)، ودلائل النبوة (٦/٥١٤–٥١٧)، وبيان خطأ من أخطأ على الشافعي (ص٢٩٦).
  7. المنتخب من العلل للخلال (٢٠٠، ٢٠٥)؛ موسوعة أقوال الإمام أحمد (٩/٣١٢)؛ علل ابن أبي حاتم (٢٦٣٣، ٢٧٣١، ٢٧٨٣)، والمراسيل (١٦٨)؛ علل الدارقطني (٨٠٨، ١٩٥٢)، والأفراد (٢٦)، والمؤتلف (١/١٣٠).
  8. التاريخ الكبير للبخاري (٩٩٤، ٢١٤٠، ٢٥٧٥، ٢/٣٠٨، ٢/٥٢٥)؛ الضعفاء الكبير للعقيلي (١٠٥٣، ١٢٥٧، ١٤٧١، ١٤٩٤، ١٨٦٠، ١٩٩٣، ٢١٠٠، ٢/٧٥)؛ الكامل لابن عدي (٣/١٩٦، ٤/١٩٧، ٤/٣٧٤، ٨/٥٣٧)؛ المجروحين لابن حبان (٢/١٦٩، ٣/١٤٣).
  9. الأباطيل والمناكير للجورقاني (٢٩٧، ٢٩٨)؛ العلل المتناهية لابن الجوزي (٤٦٩–٤٧٠، ١٤٣١–١٤٤٦)، والموضوعات (٢/٣٩)؛ المنار المنيف لابن القيم (ص١٤١–١٤٨، أرقام ٣٢٦–٣٣٩)؛ ميزان الاعتدال (١/١٤٩، ٢/٨٧، ٢/٤٢٦، ٣/٢٥٠، ٣/٥٣٥، ٤/٣٥٩)؛ سير أعلام النبلاء (٤/١٧٠، ٦/٢١٦–٣١٩، ٧/١١٩–١٣٢، ١٠/٦٧، ١٣/١٢٠)؛ تهذيب التهذيب وتقريب التهذيب وتحرير التقريب (٥١٥٤).
  10. مقدمة علوم الحديث لابن الصلاح (٢٦٧)؛ النكت على ابن الصلاح لابن حجر (١/٣١٩)؛ نزهة النظر (ص١٠٤)؛ فتح الباري (٦/٤٩٦، ٦/٥٤٦، ١٣/٢٩٥، ١٣/٣٣٤)؛ الإصابة (٦/٣٥١)؛ التمهيد لابن عبد البر (١٠/٢٧٨)؛ معرفة علوم الحديث للحاكم (ص٦٠)؛ أحوال الرجال للجوزجاني (ص١١)؛ تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة؛ تدريب الراوي (١/٣٨٧).
  11. مجموع الفتاوى لابن تيمية (١/٤٧)؛ زاد المعاد (٢/٨٢٤)؛ النكت والعيون للماوردي (٤/٤٧٧)؛ المحرر الوجيز لابن عطية (٤/٥٧٢)؛ السنة للخلال (٣/١٩٦)؛ شرح السنة للبربهاري (ص٢٧)؛ الأربعون في المهدي لأبي نعيم (تحقيق البيضاوي: ١٤، ٣٩، ٤٠).
  12. البداية والنهاية لابن كثير (٦/٢٤٥–٢٤٨، ١٠/١٥١، ١٣/٢٧٢، ١٩/٥٥–٦٧)؛ منهاج السنة لابن تيمية (٤/٩٨–١٠١، ٨/٢٥٤–٢٥٦، ٨/٥٢٤)؛ تفسير ابن كثير (المائدة ١٢، النور ٥٥)؛ الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/٣١٦، ٣/٣٢٣، ٨/١٣٢)؛ تاريخ المدينة لابن شبة (٣/٣٩١، ٣/٨٠٠)؛ تاريخ الطبري (٤/٢٤٣)؛ المعرفة والتاريخ للفسوي (١/٧٢٦، ٣/١٨٧)؛ حلية الأولياء (٥/٢٥٧، ٧/٣١، ٩/١٦١).
  13. نظم المتناثر للكتاني (ص١٤٤–١٤٦، رقم ٢٨٩)؛ التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر للشوكاني؛ العرف الوردي للسيوطي؛ عقد الدرر للمقدسي السلمي؛ بحار الأنوار للمجلسي (٥٢/٢٠٣، ٥٢/٣٩٠)؛ معجم أحاديث المهدي للكوراني (١/٤٨٠).
  14. مقدمة ابن خلدون (الفصل ٥٢)؛ تفسير المنار لرشيد رضا؛ تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة للطاهر ابن عاشور؛ لا مهدي يُنتظر بعد الرسول خير البشر لعبد الله بن زيد آل محمود؛ العقود الياقوتية لابن بدران (ص٦٣–٨٢)؛ المجددون في الإسلام للصعيدي (ص٥٨٦)؛ الأنوار الكاشفة للمعلمي (ص٨٢، ١٥٣).
  15. سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (٧٧، ٨٥، ١٩٦٥، ٢١٥٥، ٦٦٠١)، والصحيحة (٧١١، ٢٢٣٦، ٢٣٧١)؛ عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي للعباد (ص١٣٤)؛ المهدي المنتظر للبستوي؛ المهدي المنتظر لعداب الحمش (ص٢٨٧–٣٦٩)؛ المهدي المنتظر للغماري.
  16. أ.د. ياسر الشمالي، روايات المهدي: دراسة نقدية في الأسانيد والمتون، دار الفرقان، ١٤٤٥هـ/٢٠٢٤م (٢٩١ص) — الإحالات بالصفحة المطبوعة.
  17. أبو معاوية محمد بن الخضر الحربي، الصارم الأموي لنسف خرافة المهدي، مؤسسة أنصار الصحابة العثمانية، ١٥ صفر ١٤٤٧هـ (٩٦ص).
  18. الدراسة الحديثية المرافقة: «الستة بين الطرح العباسي والقراءة الإسنادية» (مجلة معاوية بن أبي سفيان، ملف الشورى) — لمنهج فصل البنية عن الحبكة.
مجلة معاوية بن أبي سفيان ملف المهدي — الموسوعة الحديثية الشاملة · muawiyah.info

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.