لماذا ثارت الشام؟

ملف الدم والشرعية

من «فتوى الغموض» إلى «اعترافات الأشتر»

بقلم: هيئة تحرير مجلة معاوية

لم تكن ثورةُ أهلِ الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان نزاعًا سياسيًا على كراسي الحكم كما روّجت السردية العباسية لاحقًا، بل كانت – في جوهرها – ثورةَ عقيدةٍ وقانون ضد منهجٍ رأت فيه استحلالًا لدم خليفةٍ راشد، ثم توفيرَ غطاءٍ شرعيٍّ وسياسيٍّ لقتلته. إن إعادة قراءة الوثائق التاريخية بسندٍ معتبر تكشف مشهدًا مختلفًا عمّا استقرّ في الأذهان؛ مشهدًا يُدين المعسكر الآخر لا بالعجز عن القصاص فحسب، بل بالتواطؤ الرمزي ثم التنفيذ العملي.


أولًا: «الله قتله وأنا معه» – الفتوى التي أشعلت الحرب

في وثيقةٍ مفصليةٍ من صحيح ابن حبان، يظهر أبو مسلم الخولاني – سيدُ قرّاء الشام – ممثّلًا للضمير الديني للأمة، لا لتيارٍ سياسي. واجه علي بن أبي طالب بالسؤال الحاسم: من قتل عثمان؟

لم يأتِ الجواب ببراءةٍ قاطعة، بل بعبارةٍ حمّالة أوجه: «الله قتله وأنا معه».

في فقه القرّاء وأعرافهم، فُهِمت العبارة على أنها إقرارٌ بأن القتل قَدَرٌ مُبرَّر، نُفِّذ بأيدٍ بشرية، بما يُسقط العصمة عن الدم، ويُسقط معها وجوب القصاص. عند هذا التأويل قال معاوية كلمته الفاصلة: إذن نطلب دمه ممّن قتله؛ لأن الامتناع عن تسليم القتلة – بعد هذا الجواب – شراكةٌ في الدم.


ثانيًا: جنازة الغريب في «حُشّ كوكب»

تعمّقت قناعة الشام بمشهدٍ صادمٍ آخر: جنازة الخليفة المظلوم.

يروي الإمام مالك عن جده أن عثمان بن عفان دُفن ليلًا في حُشّ كوكب، وصلى عليه جبير بن مطعم مع قلةٍ من الصحابة. السؤال الذي دوّى في الشام: أين كان الخليفة الجديد؟

لم يُصلِّ، ولم يُشيّع، وترك الجثمان يُوارى تحت جنح الظلام. قرأ الشارع الشامي هذا الغياب رسالةً سياسيةً واضحة: السلطة في المدينة لا ترى عثمان شهيدًا، بل دمًا هدرًا.


ثالثًا: انتزاع الشرعية قبل القتل – إمامة «الفتنة» ومفارقة العطش واللحم

الأخطر أن انتزاع الشرعية بدأ وعثمان حيّ:

صلاة بلا إذن: تقدّم عليّ للصلاة بالناس في العيد وعثمان محاصر، بلا تفويض. ولما بلغ ذلك عثمان قال كلمته: «إمام فتنة».

مفارقة العطش واللحم: يوم الأضحى، عثمان يناشد الناس شربة ماء ويُمنع عنه الزاد، وفي الوقت نفسه يخطب عليّ في الناس بأحكام توزيع لحوم الأضاحي. خليفة يموت عطشًا، وبديل يتحدّث في ترف الفقه؛ فكيف لا يقرأ الشاميون المشهد بوصفه إحلالًا وتبديلًا؟


رابعًا: من الرمز إلى الفعل – ملف مالك الأشتر «كبير الجناة» في ثوب الوالي

إذا كان ما سبق تواطؤًا رمزيًا، فإن التنفيذ العملي يتجسّد في مالك الأشتر.

1) الاعتراف سيد الأدلة: «ذنب أعظم من العجل»

لم يحتج معاوية لشهود؛ الأشتر أدان نفسه. ينقل مسروق بن الأجدع اعترافه الصريح:

«ما رأيتُ ذنبًا أفظع وأسوأ مما فعلناه بعثمان… وإنه لذنب أعظم من ذنب بني إسرائيل يوم عبدوا العجل».
اعترافٌ يهدم دعوى «الاجتهاد»، ويضع الجريمة في مصافّ الشرك.

2) الدافع الحقيقي: الكرسي لا الدين

حين ولّى عليّ ابنَ عمّه ابنَ عباس على البصرة، صرخ الأشتر:

«علامَ قتلنا الشيخ بالمدينة؟»
اعترافٌ فاضح: الدماء سُفكت للمناصب.

3) الاعتداء على بيت النبوّة

لم يسلم حتى آلُ بيت النبي ﷺ. خرجت صفية بنت حيي لتردّ عن عثمان، فضرب الأشتر وجه بغلتها حتى مالت، وكادت تسقط. فأي «توبة» هذه؟ وأي «ثورةٍ صالحة» تضرب دابة أمّ المؤمنين؟


خامسًا: «قتل الغِيلة» – حدٌّ لا يسقط بتوبة ولا سياسة

فقهيًا، جريمة عثمان قتلُ غِيلة: خديعةٌ ومؤامرة. وقاعدة عمر بن الخطاب قاطعة:

«لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم».
الغِيلة حدٌّ من حدود الله، لا يُسقطه كثرةُ الجناة ولا ادّعاءُ التوبة. هذا هو جوهر مطالبة معاوية: تطبيق الحد الذي عطّله الفريق الآخر.

سادسًا: شهادة الانسحاب إلى الحق – أبو أمامة الباهلي

لم يكن معاوية وحده. الصحابي أبو أمامة الباهلي شهد صفّين مع علي أولًا، ثم لما رأى حقيقة المعسكر الذي يقوده أمثال الأشتر، اعتزل إلى الشام، ومات بحمص. كانت هجرته استفتاءً صامتًا: اختار الأمن وحقن الدماء، وترك معسكر الغوغاء.


الخاتمة الجامعة: لماذا ثارت الشام؟

بين فتوى الغموض، وجنازة الإهمال، وانتزاع الشرعية قبل القتل، واعترافات الأشتر، وحكم الغِيلة، وشهادة الصحابة—تتضح الصورة بلا رتوش:

لم تكن مطالبة معاوية بالقصاص ذريعةً سياسية، بل تمسّكًا بالشرعية والقانون في وجه منهجٍ قدّم السياسة على الدم الحرام، وآوى القتلة، ثم طلب من الأمة البيعة على أنقاض العدالة.

هذا هو ملف الدم كما هو، بلا تلطيف، وبلا أسطرة.

صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان : Yedali : Free Download, Borrow, and Streaming : Internet Archive
صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان الإمام الحافظ محمد بن حبان التميمي البستي…

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.