الله سيسألني… بيان موقف لا يقبل المواربة

حين يُطلب منّا الصمت باسم «عدم كسب الذنوب»، يُراد لنا في الحقيقة أن نُسلِّم مفاتيح الوعي، وأن نُسوّي بين الشهادة على الحق والاعتداء على الأشخاص. هذا خلطٌ متعمَّد. الله لا يُحاسبني على مصائر الرجال، بل يُحاسبني على موقفي من الحق والعدل، وعلى التثبّت من تاريخ أمّتي، وعلى نصرة المظلوم، وعلى رفض تحريف الدين بالتقديس السياسي.

أولًا: الله سيسألني عن العدل قبل الأسماء

سيسألني عن بيعة الرضوان التي رضي الله فيها عن المؤمنين، وعن خليفةٍ قُتل غدرًا ثم عُطِّل القصاص باسم الفتنة. كيف بدأت القصة بادّعاء «المساءلة»، ثم انقلبت تحريضًا، ثم حصارًا، ثم انتهاك حرمة بيت، ثم قتلًا؟

القصاص حكمٌ إلهي لا يُؤجَّل بالسياسة ولا يُعطَّل بالعاطفة. ومن عطّله، أو سوّغه، أو حماه بالسيف، تحمّل وزره؛ أيًّا كان اسمه أو رايته.

ثانيًا: الله سيسألني عن شكر الفضل وأهله

قال النبي ﷺ: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله». وشكر الفضل دين، وكتمانُه جحود.

في حق يزيد: بين النص والهوى

موقف أهل السنة من يزيد ثلاثة أقوال: ذمّ، وإمساك، وتحسين وترضٍّ. ولا نجزم إلا بالقول الحسن؛ لأن النص لا يُدان بالظن.

أليس النبي ﷺ قد بشّر: «أولُ جيشٍ يغزو القسطنطينية مغفورٌ له»؟ والغزو كان في زمن يزيد.

ثم تناقض الخصوم أظهر من الشمس: يبكون كل عاشوراء، ثم يجعلون الخروج تشريعًا سياسيًا، مع أن الخروج – إن صح – فحكمه عند أهل السنة حكم الخوارج لا العصمة. يطعنون في قاتل الحسين وهو تابعي، ثم يسكتون عن قتل صحابيين: طلحة والزبير، ويهوّنون من قتل خليفةٍ راشد: عثمان. أيُّ ميزانٍ هذا؟

بعد يزيد… كيف أتجاوز فضل معاوية؟

كيف يُطلب مني الصمت عن رجلٍ طالب بدم عثمان طلبَ حقٍّ لا ثأر، ورفع راية القصاص حين تخلّى عنها المتخاذلون؟ وكيف يُتجاهل أنه وحّد المسلمين عام الجماعة، فأطفأ نار الاقتتال وجمع الكلمة؟

ثم كيف لا يُذكر فضل فتح الشام المباركة، أرض الرباط والفتح، وكيف يُمحى من الذاكرة أن اسمه مُدوَّن في الصحيفة العمرية ضمن اتفاق تسليم القدس، حيث فُتحت المدينة بالعهد والعدل لا بالخراب؟ من ينكر هذا لا يناقش التاريخ؛ بل يمحوه.

ثالثًا: الله سيسألني عن الاعتبار لا التبرير

القرآن ثلثه قصصٌ للعبرة. وقصة عثمان عبرة صارخة: بدأت بادّعاء «النصيحة»، ثم تحوّلت تحريضًا، ثم حصارًا، ثم جريمة. العبرة ليست في البكاء على الأطلال، بل في منع تكرار المسار: لا حصار باسم الإصلاح، ولا تعطيل للقصاص باسم السياسة، ولا تقديس للعنف إذا كان الفاعل «من جماعتنا».

رابعًا: الله سيسألني عن أمّي قبل أصنام السياسة

قال الله تعالى: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم». فالغيرة على أم المؤمنين واجبٌ ديني. من طعن فيها، أو زوّر التاريخ لاتهامها، فقد اعتدى على نصٍّ قرآنيٍّ قطعي. السكوت هنا خيانة للنص لا ورع.

خامسًا: تفكيك خرافة القرابة الدينية وسيادة الدم

القرآن حسم القاعدة: القرابة لا تنفع مع الكفر، ولا تمنح حصانة أخروية ولا سيادة دينية. قال تعالى في عمّ النبي: «تبت يدا أبي لهب وتب». هذه آية قطعية تُسقط أي ادّعاء بأن القرابة بذاتها قيمة دينية.

وفي السيرة ثبت أن عمَّه الآخر (أبو طالب) مات كافرًا معاندًا، رغم النصرة القبلية ورغم القرب النسبي، وهو جدّ الحسن والحسين. فلو كانت القرابة تُنجي لكان أول المنجَوين، لكن الدين لا يُورَّث.

من هم أهل البيت؟ تصحيح المفهوم

منهج المجلة يرفض التلاعب بالمصطلحات: أهل البيت شرعًا وقرآنًا هم زوجات النبي ﷺ بنصّ سياق آية التطهير الواردة في خطاب أزواجه. إدخال علي أو أولاده أو العباس في مفهوم «أهل البيت» هو توسّع سياسي لاحق لا تأسيس قرآني.

نعم، لهم قرابة، نعم لهم فضل إذا صلح العمل، لكنهم ليسوا أهل بيت تشريعًا، ولا أوصياء على الدين، ولا طبقة كهنوتية.

نقد مقولة «سيدا شباب أهل الجنة»

  • الجنة ليست مجتمعًا هرميًا: لا شيوخ ولا كهول ولا شباب؛ أهل الجنة في سنّ واحد.
  • الأنبياء في الجنة: فامتناع عقلًا وشرعًا أن يُقال بسيادة أحدٍ عليهم.
  • استُعملت الصيغة دعائيًا لتكريس سيادة النسب، ثم سُحبت منها نتائج سياسية وعقدية لم يقل بها الإسلام.

سادسًا: الله سيسألني عن نسبة الوصية إلى الله بلا دليل

من قال إن الحكم بالقرابة أو بالوصية الإلهية للأمة فقد نسب إلى الله ما لم يقل. الدين لم يُفوِّض السياسة لنَسَب، بل أقامها على البيعة، والشورى، والعدل، والقصاص.

سابعًا: الله سيسألني عن وحدة الأمة لا تمزيقها

«واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا». كيف نعتصم ونحن نقسّم الأمة بين إمامةٍ هنا وإمامةٍ هناك، ثم يُطعن في أم المؤمنين، ويُرمى أهل الشام المجاهدون بأنهم الفئة الباغية ظلمًا؟ الفتنة لا تُعالَج بفتنة، ولا يُرمَّم التاريخ بالكذب.

ثامنًا: الله سيسألني عن التثبّت العلمي

أنا مسؤول عن تمحيص الروايات، وفضح التحريف الذي شوّه الصحابة والتابعين والقرون الأولى. ما سُمّوا «أمويين» إلا باتباع الإسلام ونشره. الدولة كانت أداة، والدين هو الأصل.

من نحن؟ ولماذا نتكلم؟

نحن أتباع عثمان بن عفان، أصحاب بيعة الرضوان. الروافض واضحون في معتقدهم: يقولون بتحريف القرآن، ويكفّرون الصحابة، ويطعنون في أمهات المؤمنين.

أما نحن فنقف مع الآية: «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة». مضمون البيعة: القتال حتى الموت إذا قُتل عثمان. وحين قُتل فعليًا هبّ الصحابة لتنفيذ عهدهم، وتزعّم هذا الموقف أم المؤمنين ومعها طلحة والزبير. كل من نهض لتنفيذ البيعة فهو على صواب، ومن فرّط في دم عثمان فقد أخطأ.

ويبقى قومٌ مضطربون يزعمون السنة، يحبّون عائشة قولًا، ويترضّون على من أهانها فعلًا، ويقولون إنها أخطأت بالخروج للمطالبة بدم ابنها عثمان. موقفنا واضح: الأولوية لدم عثمان والقصاص له، والعدل قبل الأشخاص، وشكر الفضل واجب، والتاريخ لا يُقرأ بالهتاف بل بالميزان.

أنا لا أوزّع المصائر ولا أطلب حساب أحد، لكنني أشهد بالعدل، وأشكر الفضل، وأغار على النص، وأرفض القداسة السياسية.

السكوت عن الظلم ذنب، وتزيين الفتنة خيانة، والحق يُعرف بالميزان لا بالأسماء.

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.