كيف صاغت الكوفة صورة معاوية؟ — من واليٍ عادل إلى شيطان أسطوري
الحلقة السابعة من سلسلة «محكمة الفرضيّات التاريخية»
مقدمة: حين تُهزَم مدينة سياسياً، تنتقم رواياتياً
بعد صفّين، سقطت الكوفة سياسيًا أمام معاوية. لكنها لم تستطع تحمّل هذه الهزيمة؛ فبدأت تبحث عن وسيلة للانتقام.
ولأنها عجزت عن الانتصار في الواقع، فقد انتصرت في الرواية.
ومن هنا بدأت عملية تشويه معاوية: أكبر هندسة دعاية سياسية في التاريخ الإسلامي.
١ — لماذا كان يجب تشويه معاوية؟
ثلاثة أسباب رئيسية دفعت الكوفة لصناعة صورة سلبية له:
أولاً: الهزيمة النفسية للكوفة
فشل سياسي، عسكري، اجتماعي… احتاجوا لعدو يعلّقون عليه كل أخطائهم.
ثانيًا: نجاح الدولة الأموية
معاوية نجح في ما فشل فيه الجميع: إنهاء الفتنة وإعادة الاستقرار.
ثالثًا: حاجة الشيعة الأوائل لأسطورة
كي يرفعوا عليًا أسطوريًا، احتاجوا لخصم أسطوري مقابل.
٢ — الهندسة الكوفية لصناعة «الشيطان السياسي»
كما صنعت الكوفة لعلي صورة فوق بشرية، صنعت لمعاوية صورة سوداء تمامًا.
والسبب بسيط:
رفع علي = إسقاط معاوية.
وأخطر ما في الأمر أن هذه الصورة انتقلت إلى كتب التاريخ وليس لها أصل من الواقع.
الواقع يقول:
- كان كاتبًا للوحي
- كان واليًا عادلًا على الشام ٢٠ عامًا
- لم يعرف عنه اضطراب ولا فوضى
- كان حليمًا، رزينًا، سياسيًا بارعًا
- نجح في إنهاء الفتنة الكبرى
٣ — استراتيجية التشويه: تخفيض معاوية لرفع علي
بدأت عملية التشويه بخمس تقنيات:
- نزع شرعية خلافته رغم إجماع الصحابة على بيعته.
- اختلاق روايات الحقد التي لا أصل لها.
- شيطنة الشام بوصفها “أهل دنيا” بلا دليل.
- تأليه الخلاف السياسي واعتباره جريمة دينية.
- إنتاج فضائل مضادة ترفع عليًا بإسقاط خصومه.
هذه التقنيات ليست دينًا… بل دعاية.
٤ — العباسيون: من تشويه سياسي إلى تشويه مؤسسي
الدولة العباسية تبنّت الخطاب الكوفي ضد الأمويين، فأطلقت موجة تشويه هائلة:
- قصاصون
- وعّاظ
- رواة سرديات
- كتّاب تاريخ
ولأول مرة أصبحت «كراهية الأمويين» جزءًا من التديّن المزيّف.
٥ — الصفويون: تحويل معاوية إلى رمز طقوسي للكراهية
الصفويون رفعوا التشويه إلى مستوى جديد:
- معاوية = عدو أهل البيت الأزلي
- لعن معاوية = هوية طائفية
- تشويه عمره ١٤٠٠ سنة
وهكذا ظهر «معاوية الأسطوري» الذي لا علاقة له بمعاوية الحقيقي.
٦ — من هو معاوية الحقيقي؟ (الصورة التي حاولوا إخفاءها)
المصادر المبكرة والمتنوعة تصفه بأنه:
- سياسي بارع
- حليم رزين
- والي ناجح
- قائد دولة منضبطة
- لم يُعرف عنه سفك الدماء بلا سبب
- أدار أخطر مرحلة في الأمة بحكمة
- أوقف الفتن وحافظ على وحدة المسلمين
لم يكن معاوية عدوًا لعلي… بل كان منافسًا سياسيًا بظروف معقدة.
٧ — لماذا يكره الدجالون معاوية؟
لأن معاوية يمثل:
- الدولة
- العقل السياسي
- الانضباط
- إفشال مشاريع الفوضى
- إغلاق بوابة التشيع الكوفي المبكر
لذلك:
- الخوارج كرهوه
- الشيعة كرهوه
- العباسيون كرهوه
- الصفويون كرهوه
كل تيار يعيش على الفوضى… لا يمكنه إلا أن يكره معاوية.
٨ — معاوية بين الأسطورة والتاريخ
الرجل الحقيقي:
- قائد دولة
- محافظ على وحدة الأمة
- أنهى الفتنة
- أدخل الاستقرار
أما الرجل الأسطوري الذي تروجه الكوفة والصفوية:
- عدو الدين
- شيطان سياسي
- قاتل الفضائل
وكل ذلك لا أصل له.
خاتمة
لم يكن تشويه معاوية مجرد إساءة لرجل؛ بل كان تشويهًا للتاريخ الإسلامي كله.
ولا يمكن للأمة أن تنهض وهي أسيرة روايات كتبها المهزومون والطائفيون.
معاوية كان رجل دولة… والكوفة كانت مصنع الأساطير.
الحلقة القادمة: الدولة الأموية — كيف بُنيت أول دولة مستقرة بعد الفتنة؟