تحقيق المجلة: حين اهتزّت الأرض فسقط العرش
“زلزلة 749م”.. الفاعل الحقيقي الذي غيّر مجرى التاريخ
إعادة تركيب السقوط الأموي: من الجغرافيا إلى الدعاية، ومن طبقات الدمار إلى صناعة “القدر السياسي”.
تمهيد: لماذا هذا الملف الآن؟
سقوط الدولة الأموية يُقدَّم عادةً بوصفه حكايةً سياسية صِرفة: ثورةٌ منظمة، جيشٌ منتصر، خليفةٌ منهزم. هذا تبسيطٌ مخلّ، لأن القرن الثامن لم يكن يُدار فقط بالسيف، بل بالموارد وبالجغرافيا وبالزمن، ثم بالوعي الذي تُهندسه الدعاية.
الانقلاب لا يحتاج دائماً “تفوقاً عسكرياً”؛ قد يكفي أن تُشلّ قاعدة الدولة الخلفية، وأن تُضرب منظومة التمويل والرواتب، وأن يُصاب المجتمع بحالة “ذهول كوني” — ثم تأتي الدعاية لتُحوّل الكارثة إلى “حكمٍ أخلاقي” ضد الخصم، و“تصديقٍ غيبي” للمتمرد.
سنشتغل في هذا الملف على طبقات ثلاث: (1) الحدث الزلزالي كحقيقة مادية، (2) أثره البنيوي على الدولة الأموية، (3) توظيفه داخل مناخ الملاحم والانتظارات المهدوية لصناعة شرعية انقلاب.
أولاً: تعريف الحدث — "زلزلة السنة السبتية" والضربة الجيوفيزيائية
في الأدبيات الأكاديمية يُعرف زلزال 18 يناير/كانون الثاني 749م باسم Earthquake of the Sabbatical Year [1]. الأهم هنا ليس الاسم، بل “التوقيع” المادي: دمار واسع عبر مواقع متفرقة من جنوب الشام إلى شماله، وارتباط الدمار بطبقات أثرية محددة في مدن ومحطات رئيسية من منظومة الحكم الأموي.
وما يجعل التأريخ الدقيق بوابةٌ للتلاعب هو أن تحريك التاريخ سنةً أو سنتين يسمح للسرديات السياسية أن تنسب الدمار إلى “حرب” أو “انتقام”، بدل قراءته بوصفه حدثاً طبيعياً سابقاً على الحسم العسكري. وهنا يبرز عمل "تسافرير" الذي يعرض قرائن متعددة تُرجّح وقوع الكارثة في عام 749م، مما يضعها في قلب العاصفة السياسية [2].
من خبرٍ إلى بنية: ماذا دمّرت الزلزلة عملياً؟
الخطأ الشائع هو تصور الزلزال “أحجاراً سقطت ثم انتهى”. الزلزال هنا ضرب بنية الدولة في مقتل: مدن الأجناد، والعصب اللوجستي (مخازن، قنوات، طرق، أسوار)، والكتلة السكانية المنتجة. الدراسات تشير إلى أن الزلزال كان حدثاً فاصلاً (Watershed Event) في تاريخ الاستيطان بالشام [3]. حين تُصَاب هذه العناصر، لا يعود سقوط الدولة سؤال “معركة واحدة”، بل سؤال “قابلية بقاء”.
الأركيولوجيا: طبقة الدمار لا تعترف بالدعاية
أدلة الحفريات في مواقع محورية (جرش، فحل/بيلا، بيت شان، وغيرها) تُظهر نمطاً متكرراً من الدمار المرتبط بزلزال ذي قوة هائلة، تُقدر في بعض التقارير بأكثر من 7 درجات [4]. وتكشف الأبحاث الجيولوجية الحديثة عن صدوع سطحية (Surface Faulting) في طبريا تعود لمنتصف القرن الثامن، ما يؤكد عنف الحدث [5]. هذا النمط من الأضرار الموثق في جامعة تل أبيب يثبت أن الانهيار كان مفاجئاً وكلياً بفعل الطبيعة [6].
“النقطة الحرجة”: الضربة ليست في الحجر… بل في الشبكات
بينما كان مروان بن محمد يحاول تجميع شتات الدولة ومواجهة الفتن، لم يكن يعلم أن الأرض نفسها ستنقلب ضده. حين تتضرر القنوات والمنشآت العامة والأسواق، يتضرر الاستقرار المدني بشكل كارثي [9]. هذا الضرر المادي يمتد فوراً ليضرب شبكات التمويل والرواتب؛ فالدولة التي تفقد انتظامها المالي (الخراج) في زمن حربٍ متعددة الجبهات تتحول من “نظام” إلى “جسدٍ ينزف” عاجز عن دفع مستحقات جنده [10].
إن تدمير قنوات الري في الغور، وانهيار أسوار مدن مثل طبريا وبيسان ودمشق، لم يعطل الحياة اليومية فحسب، بل ضرب "منظومة الخراج" و"رواتب الجند". الدولة التي لا تستطيع إطعام جندها في الشام، لا تستطيع منع جيوش خراسان من دخول العراق.
ثانياً: الحرب النفسية والتوظيف الأيديولوجي للكارثة
هنا نكشف "خارج الصندوق" كيف تحولت الكارثة إلى سلاح فتاك. استغل العباسيون "مناخ الملاحم والفتن" السائد آنذاك، مستفيدين من شعار "الرضا من آل محمد" الذي كان قابلاً للتأويل ليجمع كل الساخطين [7]. ففي الوعي الجمعي، كانت الزلازل تُفسّر كعلامات غضب إلهي، مما عزز من تأثير التوقعات المهدوية (Messianic expectations) التي سادت تلك الحقبة [8].
لقد روجت الدعاية العباسية لفكرة "الهدّة بالشام" تزامناً مع رفع "الرايات السود"، مما خلق حالة تعبئة قصوى [11]. صار الجندي الشامي يقاتل وهو يعتقد أن "القدر" ضده، بينما يتقدم الجندي الخراساني وهو مؤمن بأن "الأرض تفتح له الأبواب". العباسيون لم يفتحوا الشام بجيوشهم فقط، بل دخلوها كـ "جامعي أنقاض" بعد أن فعل الزلزال فعله في نفسية المقاتل والمواطن الشامي.
ثالثاً: تزييف الرواية وطمس الحقيقة الأركيولوجية
بعد النصر، كتب المنتصر التاريخ. تعمّد المؤرخون العباسيون تضخيم "بطولاتهم العسكرية" وتقليل شأن الزلزال أو تحويله في رواياتهم إلى "عقوبة لبني أمية". لكن الأرض لا تكذب، وطبقات التربة تحفظ الحقيقة. اللافت أن المصادر التاريخية غير الإسلامية، مثل تاريخ ثيوفانيس (Theophanes)، سجلت بوضوح حجم الكارثة الطبيعية وآثارها المدمرة بمعزل عن السردية الأيديولوجية الداخلية [12].
الاكتشافات الحديثة في طبريا وبيسان أظهرت هياكل عظمية تحت أنقاض زلزالية بملابسهم وعملاتهم الأموية، مما يثبت أن الانهيار كان مفاجئاً وكلياً بفعل الطبيعة، وليس نتيجة حصار عسكري أو تآكل إداري تدريجي.
جدول المقارنة: الحقيقة المادية مقابل السردية المصنوعة
| المجال | الرواية العباسية (المصنوعة) | الحقيقة التاريخية (خارج الصندوق) |
|---|---|---|
| سبب السقوط | وهن بني أمية وعبقرية الثورة المنظمة | شلل تام لمركز الدولة (الشام) بفعل زلزال 749م [9] |
| معركة الزاب | نصر عسكري ساحق بفضل القوة الخارقة | مواجهة مع جيش منكسر الروح، بيوته مهدمة خلفه [10] |
| الشرعية | حق آل البيت والرضا الإلهي | استغلال "الذهول الكوني" لتمرير أجندة الانقلاب [12] |
الهوامش والمراجع العلمية
- تسمية “Sabbatical Year Earthquake” متداولة في الأدبيات الخاصة بزلزال 18 يناير 749م ضمن سياق بلاد الشام وفلسطين التاريخية. ↩
- Y. Tsafrir, “The Dating of the ‘Earthquake of the Sabbatical Year’ of 749 C.E. in Palestine,” Bulletin of the School of Oriental and African Studies (1992). ↩
- Achim Lichtenberger & Rubina Raja (eds.), “The Earthquake of AD 749: A Watershed Event in the Settlement History of the Southern Levant,” Brepols (2025). ↩
- مراجعات وتقارير تقييم الخطر الزلزالي في منطقة طبريا ووادي الأردن تشير إلى حدث 749م كزلزال مدمّر استثنائي. ↩
- Ferrario et al., “Mid-eighth Century CE Surface Faulting and the 749 CE Earthquake in Tiberias,” (AGU / Tectonics, 2020). ↩
- أعمال ومُلخصات أكاديمية مرتبطة بجامعة تل أبيب تشير إلى أنماط أضرار في طبريا تُنسب لزلزال يناير 749م. ↩
- Patricia Crone, “On the Meaning of the Abbasid Call to al-Riḍā and the Origins of the Abbasid Revolution”. ↩
- دراسات حديثة عن أثر الاعتقاد بالمخلّص (Messianic expectations) في تعبئة القرن الثامن وتحويلها لطاقة سياسية. ↩
- Lichtenberger & Raja (2025) يبرز أثر الزلزال على الاستقرار العمراني والشبكات المدنية بما انعكس على قدرة الدولة. ↩
- مناقشة تأثير الزلازل على الشبكات اللوجستية والرواتب في دراسات أركيوسيزمولوجية متعلقة بوادي الأردن. ↩
- Crone (حول “الرضا”) + دراسات الملاحم والرايات السود كأداة تعبئة في القرن الثامن. ↩
- شهادات تاريخية معاصرة (بيزنطية وسريانية مثل Theophanes) تسجل الكارثة الطبيعية وآثارها بمعزل عن الدعاية الداخلية. ↩
ملاحظة تحريرية: هذه النسخة “وثائقية” تركز على التسلسل التحليلي وتأصيل المراجع العلمية الأركيولوجية. نحن في مجلة معاوية بن أبي سفيان نؤمن أن التاريخ يُقرأ في طبقات الأرض كما يُقرأ في بطون الكتب، وأن الحقيقة لا تموت بالتقادم.
اقرأوا خارج الصندوق.. التاريخ لا يكتبه المنتصرون دائماً، الأرض تروي قصتها أيضاً.
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.