كل متنٍ بسندهمعارضة الأصحّ٦٣ نصًّا بأسانيدهاالإحصائياتخريطة الإسنادالمدارس الحديثيةالجرح والتعديلأحكام الأئمة
هذا الحديث من أشدِّ أحاديث الصفات إثارةً للجدل بين أهل السنة والجهمية والمعتزلة والرافضة، وقد تُنُوزِع فيه تنازعًا شديدًا: فصحّحه الإمام أحمد وأبو زرعة الرازي والطبراني وأبو يعلى ابن الفراء وابن تيمية، وأنكره الذهبي وابن الجوزي والسبكي والسيوطي والشوكاني والألباني. ومدار طريقه الأول كلِّه على حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ ومدار طريقه الثاني على مروان بن عثمان، عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أُبَيِّ بن كعب.
منهج هذه النسخة: سِيقَ في القسم الأول كلُّ متنٍ مقرونًا بإسناده الكامل من المصنِّف إلى الصحابي، بصيغ التحمُّل الأصلية (حدثنا/أخبرنا/أنبأنا/عن)، بلا اختصارٍ ولا حذفٍ بعلامة «…». وعدد ما جُمِع: ٦٣ نصًّا بأسانيدها — ٣٧ لطريق ابن عباس، و١٥ لطريق أم الطفيل، و١١ للشواهد والموقوفات والموضوعات وأصل القصة — مرتَّبةً على مدارها. وجميعها منقولةٌ من نصوص المصادر المطبوعة مباشرةً، ولم يُصطنَع فيها إسنادٌ ولا لفظٌ من الذاكرة.
تمهيد: تحرير موضع النزاع — ثلاث رتبٍ لا تختلط
أكثرُ الغلط في هذا الباب — من المُثبِتين والنافين جميعًا — نشأ من الخلط بين ثلاث رتبٍ متباينةٍ ثبوتًا ودلالة. وتحريرُها أولُ خطوةٍ في الدراسة:
الرتبة الأولى — الثابت في الصحيح: رؤية الفؤاد. ما أخرجه مسلم (١٧٦) عن ابن عباس في قوله تعالى {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}، قال: «رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ». ويقابله ما أخرجه مسلم أيضًا من طريق قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ»، وفي رواية: «رَأَيْتُ نُورًا». وليس في هذه الرتبة وصفٌ حسِّيٌّ البتة.
الرتبة الثانية — المحفوظ المناميّ: حديث اختصام الملأ الأعلى. «أَتَانِي رَبِّي اللَّيْلَةَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ… فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟»، رواه اثنا عشر صحابيًّا فأكثر (معاذ بن جبل، ابن عباس، عبد الرحمن بن عائش، ثوبان، جابر بن سمرة، أبو هريرة، أنس، أبو عبيدة…)، وصححه البخاري والترمذي (٣٢٣٣، ٣٢٣٥) من حديث معاذ. وفيه التصريح بالنوم، وليس فيه «شابٌّ» ولا «أمرد» ولا «جعدٌ» ولا «نعلانِ من ذهب».
الرتبة الثالثة — الزيادات الوصفية. وهي محلُّ هذه الدراسة: «شابٌّ أمرد»، «جعدٌ قطط»، «له وفرة»، «حُلَّةٌ حمراء/خضراء»، «تاجٌ يلمع منه البصر»، «رَوضةٌ خضراء»، «سِترٌ من لؤلؤ»، «نعلانِ من ذهب»، «فراشٌ من ذهب». وهذه الرتبةُ وحدها هي مورد النزاع؛ وما دام النزاع فيها فلا يصحُّ الاحتجاجُ لها بتصحيح ما في الرتبتين قبلها، ولا الطعنُ بها في الرتبتين قبلها.
ولهذا التحرير أثرٌ عملي: فمن قال «صحَّحه أحمد وأبو زرعة والطبراني» فهو صادقٌ في الجملة، لكنَّ تصحيحهم يتوجَّه إلى أصل الحديث ومداره — لا إلى كلِّ لفظةٍ وصفيةٍ زِيدت فيه؛ بدليل أنَّ الإمام أحمد نفسه هو الذي قال في هذا الإسناد بعينه: «يُضْطَرَبُ فِي إِسْنَادِهِ… وَأَصْلُ الْحَدِيثِ وَاحِدٌ، وَقَدِ اضْطَرَبُوا فِيهِ»، وهو الذي استنكر حديث أم الطفيل، وهو الذي فسَّر الرؤية بالمنام كما نقل عنه ابن تيمية.
أولًا: كل متنٍ بسنده — النصوص كاملة غير مختصرة
القسم الأول (أ): طريق ابن عباس — رواية الأسود بن عامر «شاذان» عن حماد
قرينةٌ حاسمة: قولُه «ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا» ثابتٌ في هذه الرواية وفي المختارة (٢٥٨) — وهو نصٌّ صريحٌ على أنَّ ما رواه حمادٌ مختصَرٌ من قصةٍ أطول، لا حديثٌ مستقل. وعليه بنى ابن كثيرٌ والألبانيُّ حكمهما.
موضع الشاهد: الإسناد واحدٌ في [٦] و[٧] — والمتن يزيد في الثاني «شابًّا أمرد جعدًا قططًا في حلة خضراء» ويخلو منه في الأول. وهذا نموذجٌ مبكرٌ للاضطراب في نقل الزيادة الوصفية.
هذا هو اللفظ المتداوَل على الألسنة، وقد ساقه ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (٧/٢٩٠) وقال: «وَرَوَاهُ الْقَطِيعِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي…».
[١٤] طبقات الحنابلة ٢/٥٩ — قراءةُ المرُّوذيِّ على الإمام أحمد
تعارضٌ في اللون: «حُلَّةٌ حَمْرَاءُ» هنا وفي [٨] و[٢٠]، مقابل «حُلَّةٌ خَضْرَاءُ» في [٧] و[١١] و[١٢] و[١٥] و[١٧]، مقابل «ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ» في [٢٢]، مقابل «رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ» في [١٣] — والطريق واحد. وهذا من أظهر قرائن نكارة الزيادة.
اضطرابٌ في اسم الراوي: «عبد الصمد بن كيسان» عند أحمد وابن أبي عاصم والدارقطني، و«عبد الله بن كيسان» هنا عند اللالكائي، و«عبد الصمد بن حسّان» عند ابن أبي داود كما نقله ابن عدي — وهو رجلٌ لم يرو عنه غير عفّان، قال الحسيني: «غَيْرُ مَعْرُوفٍ».
[٢٤] شرح أصول الاعتقاد (٨٩٩) — شهادة حماد على نفسه
ومثله في رؤية الله للدارقطني (٢٦٥) بلفظ: «قَالَ عَفَّانُ: سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قَتَادَةَ، وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ غَيْرِي وَغَيْرُ قَتَادَةَ وَرَجُلٌ آخَرُ». وهو نصٌّ في أنَّ حمادًا انفرد بسماعه عن قتادة في مجلسٍ لم يحضره غيرُه — وهي قرينةُ تفرُّدٍ لا قرينةُ تقوية.
وذكر ابن المحبِّ (٢٦١٩) أنَّ لفظ عبد الصمد بن كيسان في رواية أبي بكر الإسماعيلي عن الزَّعْفَراني عنه: «رَأَيْتُ رَبِّي فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ خَضْرَاءُ».
القسم الأول (ج): رواية إبراهيم بن أبي سُوَيْد الذارع عن حماد
علّتان: (١) الضحّاك بن مزاحم لم يلقَ ابن عباس، فروايته عنه منقطعة؛ وقد نبّه محقق «نقض الدارمي» أنه لم يجد في تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب أنَّ حجّاج بن محمد روى عن الضحّاك. (٢) ابن جريج مدلِّس وقد قال: «قَالَ الضَّحَّاكُ» ولم يصرِّح بالسماع. (٣) والمتن مصادمٌ لِمَا صحّ عن ابن عباس نفسه في صحيح مسلم (١٧٦): «رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ» — فقولُه «بعينيه» قلبٌ للفظ الصحيح.
[٥٤] شاهد عائشة رضي الله عنها — اللآلئ المصنوعة ١/٣٠
باطلٌ من وجهين: (١) صفوان بن سُلَيم (ت ١٣٢) لم يُدرك عائشة (ت ٥٨)، فالإسناد منقطع، مع عنعنة ابن جريج. (٢) وهو مصادمٌ لمذهب عائشة نفسِها الثابت في الصحيحين: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ» — نقله الدارمي في «نقض الإمام عثمان بن سعيد على المريسي» محتجًّا به. فنسبةُ هذا المتن إليها قلبٌ لمذهبها.
[٥٥] شاهد معاذ بن عفراء — السنة للطبراني (صفات رب العالمين ٢٦٠٨)
قال محقق «صفات رب العالمين»: «الرِّوَايَةُ مِنَ السُّنَّةِ لِلطَّبَرَانِيِّ كَمَا فِي الْمَجْمَعِ الْمُؤَسَّسِ (رَقْم ٦٠)، وَلَمْ أَجِدْهَا فِي كُتُبِ الطَّبَرَانِيِّ الْأُخْرَى». وموضع الفائدة: أنَّ عكرمة — وهو مدار الطريق الأول كلِّه — يُصرِّح هنا بأنَّ الرؤية بالفؤاد، وهو موافقٌ لما صحَّ عنه عن ابن عباس في مسلم.
[٥٦] شاهد أنس — الأفراد للدارقطني (العلل المتناهية ١٩)
[٥٧] الموقوف على ابن عباس — إبطال التأويلات (١٥١) وصفات رب العالمين (٢٦١١)
السند: «وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟» — وذكره أبو بكر بن أبي داود في كتاب السنة بإسناده عن عكرمة.
علّته: إبراهيم بن الحكم بن أبان، قال ابن حجر: «ضَعِيفٌ، وَصَلَ مَرَاسِيلَ». وأخرجه الحاكم ٢/٣١٦ والبيهقي (٩٣٣) وأعلّه بإبراهيم بن الحكم، والطبراني في الكبير (١١٦١٨). ورواه ابن خزيمة في التوحيد ١/٤٨١ من طريق يزيد بن أبي حكيم العَدَني عن الحكم بن أبان — وَلَمْ يَذْكُرْ «عَلَى قَدَمَيْهِ خُضْرَةٌ وَسِتْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ». ورواه النسائي في الكبرى (١١٥٣٧) وابن أبي حاتم (٧٧٣٨). فالزيادة الوصفية ساقطةٌ من رواية الثقة، ثابتةٌ في رواية الضعيف — وهذا هو معنى النكارة بعينه.
قال الألباني: «إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ»، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص١٣٠. فتأمَّل: الثابت عن ابن عباس بإسنادٍ صحيح هو الإثبات المجمَل بلا وصف؛ وكلُّ وصفٍ زِيدَ عليه فإنما جاء من طريقٍ ضعيف.
[٥٩] موقوفٌ صحيح آخر — السنة لابن أبي عاصم (٤٣٦)، ورؤية الله للدارقطني (٢٦٢، ٢٦٣، ٢٦٨)
قال الألباني: «إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ أَيْضًا، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ». وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١/٤٧٩) من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، وعبد الله بن أحمد في السنة (٥٧٩، ١٠٤٣)، وابن أبي عاصم (٤٤٢)، والنسائي في الكبرى (١١٥٣٩) — وهذا الطريق (قتادة عن عكرمة) صحيحٌ ثابتٌ موقوفًا بلا وصف.
قال ابن الجوزي: «قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ» (العلل المتناهية ١٤). وله طريق معاذ بن جبل الذي صحّحه البخاري والترمذي (٣٢٣٣، ٣٢٣٥)، وطريق عبد الرحمن بن عائش عند الترمذي (٣٢٣٢) وقال: «حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ»، وشاهد جابر بن سمرة عند ابن أبي عاصم (٤٦٥) بسندٍ حسن. وقال البيهقي: «وَأَحْسَنُ طَرِيقٍ فِيهِ رِوَايَةُ جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ رِوَايَةُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ». وقد جمع طرقه عن اثني عشر صحابيًّا الحافظُ ابن رجب في «اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى».
ثانيًا: جدول التخريج الشامل
المصدر
الموضع/الرقم
الطريق
مسند أحمد
١/٢٨٥ و ١/٢٩٠ (٢٥٨٠، ٢٦٣٤ ط الرسالة)، و١/٣٦٨ (الأصل)
أحمد ← الأسود بن عامر / عفان ← عبد الصمد بن كيسان ← حماد ← قتادة ← عكرمة ← ابن عباس
الترجيح: قال الدارقطني: «كُلُّ أَسَانِيدِهِ مُضْطَرِبَةٌ لَيْسَ فِيهَا صَحِيحٌ… وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ اللَّجْلَاجِ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ عَنْ مُعَاذٍ». وقال البيهقي: «قَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضِعَافٌ»، ثم استدرك: «وَأَحْسَنُ طَرِيقٍ فِيهِ رِوَايَةُ جَهْضَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ رِوَايَةُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ» — ورواية جَهْضَم هي التي صحّحها البخاري والترمذي من حديث معاذ بن جبل. فالمحفوظ إذًا هو حديثُ المنام، والزياداتُ الوصفية طارئةٌ عليه.
٢) العلل السبع المجتمعة على الزيادة الوصفية
العلة الأولى — عنعنة قتادة وهو مدلِّس: قتادة بن دعامة «ثقةٌ ثبتٌ يُدلِّس» (التقريب)، وهو من المرتبة الثالثة في المدلِّسين. ولم يُصرِّح بالسماع من عكرمة في أيِّ طريقٍ من طرق هذا الحديث الخمسة والعشرين المتقدِّمة، بل عنعن فيها جميعًا. وأبوابُ الاعتقاد لا تُبنى على عنعنة مدلِّس. قال الألباني: «وَلَعَلَّ الْعِلَّةَ تَكْمُنُ فِي عَنْعَنَةِ قَتَادَةَ». وإخراجُ أحمدَ كتابَه بسماع قتادة من عكرمة في ستة أحاديث يُثبت أصلَ اللقاء، ولا يُعيِّن أنَّ هذا منها.
العلة الثانية — التفرُّد وقادحُ مخالفة أصحاب قتادة الأثبات: لازمَ قتادةَ أساطينُ الحفظ من أهل البصرة: شعبة بن الحجاج، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، وهمّام بن يحيى، وأبو عوانة — ولم يروِ عنه هذا المتنَ الوصفيَّ واحدٌ منهم، وانفرد به حماد بن سلمة وحده. بل الثابتُ عن قتادة من الوجه الصحيح إنما هو الموقوف بلا وصف: «الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ وَالْكَلَامُ لِمُوسَى وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ» من رواية معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن عكرمة (التوحيد لابن خزيمة ١/٤٧٩، وابن أبي عاصم ٤٤٢، والنسائي ١١٥٣٩). فالمحفوظ عن قتادة موقوفٌ مجمَل، والمنكرُ مرفوعٌ موصوف.
العلة الثالثة — رواية حماد عن غير ثابت بعد تغيُّر حفظه: حماد «ثقةٌ عابدٌ أثبتُ الناس في ثابت، وتغيَّر حفظه بأخرة» (التقريب)، ولذلك لم يحتجَّ به مسلمٌ في الأصول إلا في روايته عن ثابت خاصةً، وتحايده البخاري. وهذا الحديث من روايته عن قتادة — أي من القسم الذي فيه الكلام. قال محقق «صفات رب العالمين»: «وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْلُولٌ بِرِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ غَيْرِ ثَابِتٍ».
«سِتْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ» ← تفرَّد به النضر بن سلمة «شاذان» المروزي: قال أبو حاتم: «كَانَ يَفْتَعِلُ الْحَدِيثَ»، وقال الدارقطني: «مَتْرُوكٌ»، وقال العقيلي: «كَذَّابٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ»، وقال ابن حبان: «يَسْرِقُ الْحَدِيثَ، لَا يَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ إِلَّا لِلِاعْتِبَارِ» (الضعفاء والمتروكون لابن الجوزي ٣٥٢٤).
«تَاجٌ يَلْمَعُ مِنْهُ الْبَصَرُ» ← مدارُه على محمد بن الوليد مولى بني هاشم عن شاذان، وفوقه عمر بن مدرك القاضي — وهما ممن لا يُحتمل تفرُّدهم بمثل هذا.
«عَلَيْهِ خَضْرَاوَانِ» ← تفرَّد به يعلى بن عبّاد الكلابي، ضعّفه الدارقطني وغيره.
«حُلَّةٌ حَمْرَاءُ» ← من طريق عبد الصمد بن كيسان «غَيْرُ مَعْرُوفٍ» (الحسيني)، ومن طريق الحسن بن ناضح الخلال.
وفي المقابل: أوثقُ الأسانيد وأشهرُها — رواية أحمد بن حنبل عن الأسود بن عامر — ليس فيها إلا «رَأَيْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ» مجرَّدةً.
العلة الخامسة — الاضطراب في المتن نفسه: على الطريق الواحد يختلف اللونُ والمحلُّ والهيئة اختلافًا لا يُجمَع: «حُلَّةٌ خَضْرَاءُ» / «حُلَّةٌ حَمْرَاءُ» / «ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ» / «رَوْضَةٌ خَضْرَاءُ» / «خَضْرَاوَانِ»؛ و«أَمْرَدُ» / «لَهُ وَفْرَةٌ» (والوفرةُ شَعرُ الرأس، والمُرْدُ خلوُّ الوجه من الشعر — فجُمِعا)؛ و«فِي صُورَةِ شَابٍّ» / «فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ». بل نقل الخطيبُ اللفظَ عن شيخه بـ«حَمْرَاءَ» ونقله السيوطي بالإسناد نفسه بـ«خَضْرَاءَ». وهذا هو الاضطرابُ المُسقِط.
العلة السادسة — علةُ الإدراج والاختصار: ثبت في رواية ابن أبي عاصم (٤٤٠) والمختارة (٢٥٨) قولُ الراوي عقب المتن: «ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا»، وفي الشريعة للآجري: «وَذَكَرَ كَلَامًا»، وفي الكامل لابن عدي: «وَسَاقَ الْحَدِيثَ» — فالمتنُ مبتورٌ من سياقٍ أطول هو حديث الرؤيا المنامية. قال ابن كثير: «إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ»، وقال الألباني: «حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ». فمن وصل الأوصافَ بالمختصر فقد ركَّب متنًا على متن.
العلة السابعة — معارضةُ ما هو أصحُّ منه: وسيأتي تفصيلها في القسم التاسع.
٣) حكاية «دسِّ ابن أبي العوجاء في كتب حماد» — تحقيقُ سندها
تُتداوَل هذه الحكاية كثيرًا في تعليل الحديث، وهي — على شهرتها — ساقطة الإسناد، ولا يجوز الاعتماد عليها في إعلاله. نصُّها عند ابن عدي والبيهقي (٩٤٠): «حَدَّثَنَا ابْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثَّلْجِيُّ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: كَانَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ لَا يُعْرَفُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ حَتَّى خَرَجَ خَرْجَةً إِلَى عَبَّادَانَ، فَجَاءَ وَهُوَ يَرْوِيهَا، فَلَا أَحْسِبُ إِلَّا شَيْطَانًا خَرَجَ إِلَيْهِ فِي الْبَحْرِ فَأَلْقَاهَا إِلَيْهِ… وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ كَانَ رَبِيبَهُ فَكَانَ يَدُسُّ فِي كُتُبِهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ».
وردَّها ناقلوها أنفسُهم: قال ابن عدي عقبها مباشرةً: «وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الثَّلْجِيِّ كَذَّابٌ، وَكَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَيَدُسُّهُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِأَحَادِيثَ كُفْرِيَّاتٍ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ تَدْسِيسِهِ». وقال الذهبي في الميزان: «قُلْتُ: ابْنُ الثَّلْجِيِّ لَيْسَ بِمُصَدَّقٍ عَلَى حَمَّادٍ وَأَمْثَالِهِ، وَقَدِ اتُّهِمَ». وقال المعلمي في التنكيل ردًّا على الكوثري: «لِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ مَعْرُوفَةٌ فِي بَعْضِهَا مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا رُؤْيَا مَنَامٍ، وَفِي بَعْضِهَا مَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ انْدَفَعَ الِاسْتِنْكَارُ».
وخلاصةُ التحقيق: الحديثُ يُعَلُّ بالعلل السبع المتقدِّمة — لا بحكايةِ الدسِّ التي رواها كذّاب. وإعلالُ حديثٍ منكرٍ بحكايةٍ موضوعة خطأٌ منهجيٌّ يجب التنبُّه له.
التواريخ والتراجم (تاريخ بغداد، طبقات الحنابلة، الثقات، التاريخ الكبير، السير)
٥
٦
المعاجم (المعجم الكبير ٢٥/١٤٣)
١
٣
الصحيحان
٠
٠
خامسًا: خريطة الأسانيد
الخريطة الأولى: طريق ابن عباس ومدارُه على حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة، وتفرُّعُه على ستةٍ من أصحاب حماد، ثم انتشارُه في المصادرالخريطة الثانية: طريق أم الطفيل المصري (يمينًا) والشواهد الأخرى عن ابن عباس وعائشة ومعاذ بن عفراء وأنس (يسارًا)
سادسًا: خريطة انتشار الحديث في المدارس الحديثية
مدرسة المدينة
عكرمة مولى ابن عباس ← ابن عباس — مدار الطريق الأول كلِّه
مروان بن عثمان بن أبي سعيد المعلَّى الأنصاري ← عمارة بن عامر بن حزم الأنصاري ← أم الطفيل — قال أبو زرعة الدمشقي: «كُلُّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ… لَهُمْ أَنْسَابٌ قَوِيَّةٌ بِالْمَدِينَةِ»
سُلَيم بن زياد ← عكرمة ← ابنُ معاذ بن عفراء ← معاذ بن عفراء (خرج من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم)
صفوان بن سُلَيم المدني ← عائشة (مرسل منقطع)
مدرسة البصرة
حماد بن سلمة ← قتادة بن دعامة السدوسي ← عكرمة — المدار البصري
عفّان بن مسلم البصري ← عبد الصمد بن كيسان ← حماد بن سلمة
إبراهيم بن أبي سويد الذارع البصري ← حماد بن سلمة
الحسن بن يحيى بن كثير العنبري ← أبيه ← حماد بن سلمة
فهد بن عوف أبو ربيعة البصري ← حماد بن سلمة ← ثابت البناني ← أنس
معاذ بن هشام ← أبيه ← قتادة ← عكرمة ← ابن عباس (الموقوف المحفوظ)
مدرسة بغداد
الأسود بن عامر «شاذان» (شاميُّ الأصل نزيل بغداد) ← حماد بن سلمة
أحمد بن حنبل ← الأسود بن عامر / عفّان ← حماد — ثم ابنُه عبد الله والخلال والقطيعي والدارقطني والخطيب
حجّاج بن الشاعر وعثمان بن أبي شيبة والفضل بن سهل الأعرج ومحمد بن رِزْق الله ← شاذان
يعلى بن عبّاد بن يعلى الكلابي البغدادي ← حماد بن سلمة
حجّاج بن محمد الأعور (نزيل بغداد) ← ابن جريج ← الضحّاك ← ابن عباس
مدرسة مصر
عبد الله بن وهب ← عمرو بن الحارث ← سعيد بن أبي هلال ← مروان بن عثمان ← عمارة بن عامر ← أم الطفيل
أحمد بن صالح، وأحمد بن عيسى المصري، وابن أخي وهب، ويحيى بن بُكَير، ويحيى بن سليمان الجعفي، وبحر بن نصر الخولاني، وأصبغ بن الفرج، وحرملة بن يحيى ← ابن وهب
مدرسة مكة
ابن جُرَيج المكي ← الضحّاك بن مزاحم؛ وعنه أيضًا ← صفوان بن سليم ← عائشة
مدرسة خراسان
نعيم بن حماد المروزي (نزيل مصر) ← ابن وهب ← … ← أم الطفيل
محمد بن رافع النيسابوري، ومحمد بن منصور الطوسي، وأحمد بن محمد المروزي، وهارون بن سعيد الأيلي ← الأسود / ابن وهب
مدرسة الشام
أبو زرعة الدمشقي ← أحمد بن صالح ← ابن وهب — وهو الذي قوّى رجال حديث أم الطفيل
الوليد بن مسلم ← عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ← خالد بن اللجلاج ← عبد الرحمن بن عائش (في أصل حديث الرؤيا)
مدرسة اليمن
موسى بن عبد العزيز أبو شعيب القِنْباري العدني ← الحكم بن أبان ← عكرمة ← ابن عباس (الموقوف)
إبراهيم بن الحكم بن أبان ← أبيه الحكم بن أبان ← عكرمة (وهو ضعيف يصل المراسيل)
سابعًا: الرواة جرحًا وتعديلًا
الراوي
المصر والوفاة
ترجمته وأقوال النقاد
خلاصة الحكم
عبد الله بن عباس
المدينة/الطائف — ٦٨هـ
حَبر الأمة وترجمان القرآن، ابن عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم. والثابت عنه في مسلم (١٧٦): «رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ».
صحابي جليل
أم الطفيل امرأة أُبَيِّ بن كعب
المدينة
قال السخاوي في التحفة اللطيفة (٥٤٦٩): «صَحَابِيَّةٌ، ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ فِي الْمَدَنِيَّاتِ، أَخْرَجَ لَهَا أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ». فالعلةُ ليست فيها، بل فيمن دونها.
صحابية
عكرمة مولى ابن عباس
المدينة — ١٠٧هـ
التقريب: «ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَالِمٌ بِالتَّفْسِيرِ، وَلَمْ يَثْبُتْ تَكْذِيبُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ بِدْعَةٌ»، أخرج له الجماعة. وقال ابن معين: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ فِي حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعِكْرِمَةَ… فَاتَّهِمْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ». وما نُقل عن سعيد بن المسيب (الأسماء والصفات ٩٤١) ردَّه أبو يعلى: «هَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ عِكْرِمَةَ ثِقَةٌ ثِقَةٌ». وهو نفسُه فسَّر الرؤية بأنها «بِفُؤَادِهِ» في حديث معاذ بن عفراء.
ثقة ثبت
قتادة بن دعامة السدوسي
البصرة — ١١٧هـ
التقريب: «ثِقَةٌ ثَبْتٌ يُدَلِّسُ»، رأس الطبقة الرابعة، من المرتبة الثالثة في المدلِّسين، ورُمي بالقدر. وعنعن في جميع طرق هذا الحديث بلا استثناء. والعجيب أنه هو راوي حديث أبي ذر في مسلم: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» — عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر.
ثقة ثبت مدلِّس (عنعن)
حماد بن سلمة بن دينار
البصرة — ١٦٧هـ
التقريب: «ثِقَةٌ عَابِدٌ، أَثْبَتُ النَّاسِ فِي ثَابِتٍ، وَتَغَيَّرَ حِفْظُهُ بِأَخَرَةٍ». مفتي أهل البصرة. احتج به مسلم في الأصول في روايته عن ثابت خاصةً، وتحايده البخاري. قال الذهبي: «حَمَّادٌ إِمَامٌ جَلِيلٌ». وهذا الحديث من روايته عن قتادة — لا عن ثابت.
ثقة، وحديثه عن غير ثابت فيه شيء
الأسود بن عامر «شاذان»
شامي نزيل بغداد — ٢٠٨هـ
ثقة من رجال الجماعة، وثّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم. أشهرُ رواة الحديث عن حماد، روى عنه ثنتا عشرة نفسًا فأكثر. ولفظُه الذي رواه عنه أحمدُ بن حنبل مجرَّدٌ من كل وصف.
ثقة
عفّان بن مسلم الصفّار
البصرة — ٢٢٠هـ
ثقة ثبت من رجال الجماعة. وهو ناقلُ شهادة حماد: «سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قَتَادَةَ وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ رَجُلٌ غَيْرِي وَغَيْرَهُ».
ثقة ثبت
عبد الصمد بن كيسان
البصرة
لم يرو عنه غير عفّان، ولم يُعرف إلا بهذا الحديث. قال الحسيني في «الإكمال» (٥٤١): «غَيْرُ مَعْرُوفٍ». واضطُرِب في اسمه: «عبد الله بن كيسان» عند اللالكائي (٨٩٨)، و«عبد الصمد بن حسّان» عند ابن أبي داود.
مجهول
إبراهيم بن أبي سُوَيد الذارع
البصرة — ٢٢٤هـ
هو إبراهيم بن الفضل بن أبي سويد. وصفه الدارقطني في «الرؤية» بـ«الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ»، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر في التقريب: «مَقْبُولٌ».
مقبول (يُعتبر به)
النضر بن سلمة «شاذان» المروزي
مرو/مكة
راوي لفظ «سِتْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ» وحده. قال أبو حاتم الرازي: «كَانَ يَفْتَعِلُ الْحَدِيثَ»، وقال الدارقطني: «مَتْرُوكٌ»، وقال العقيلي: «كَذَّابٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ»، وقال ابن حبان: «يَسْرِقُ الْحَدِيثَ، لَا يَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ إِلَّا لِلِاعْتِبَارِ»، وقال ابن عبد الكريم: «عَرَفْنَا كَذِبَهُ وَأَنَّهُ يَضَعُ الْحَدِيثَ»؛ ونقل ابن عدي عن عبدان عن ابن خراش أنَّ أحاديث غلام خليل «سَرَقَهَا مِنَ النَّضْرِ بْنِ سَلَمَةَ شَاذَانَ وَوَضَعَهَا شَاذَانُ» (الضعفاء والمتروكون لابن الجوزي ٣٥٢٤). قال ابن الجوزي: «وَجُمْلَةُ مَنْ يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ اسْمُهُ النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ خَمْسَةٌ، لَمْ يُطْعَنْ إِلَّا فِي هَذَا».
كذّاب وضّاع
يعلى بن عبّاد بن يعلى الكلابي
بغداد
راوي لفظ «عَلَيْهِ خَضْرَاوَانِ». ضعّفه الدارقطني وغيره (ميزان الاعتدال ٤/٤٥٧)، وذكره ابن حبان في الثقات ٩/٢٩١.
ضعيف
محمد بن الوليد مولى بني هاشم
بغداد
راوي لفظ «تَاجٌ يَلْمَعُ مِنْهُ الْبَصَرُ» عن شاذان، وفوقه عمر بن مُدرِك أبو حفص القاضي. ولا يُحتمل تفرُّد مثله بمثل هذه الزيادة في باب الصفات.
لا يُحتمل تفرُّده
فهد بن عوف أبو ربيعة
البصرة
راوي شاهد أنس. قال علي بن المديني: «هُوَ كَذَّابٌ»، وقال الدارقطني: «تَفَرَّدَ بِهِ فَهْدٌ».
متروك كذّاب
الضحّاك بن مزاحم الهلالي
خراسان — ١٠٥هـ
صدوق كثير الإرسال، ولم يلقَ ابن عباس، فروايته عنه منقطعة. ونبّه محقق «نقض الدارمي» أنه لم يجد في تهذيب الكمال والتهذيب أنَّ حجّاج بن محمد روى عن الضحّاك.
منقطع
ابن جُرَيج (عبد الملك بن عبد العزيز)
مكة — ١٥٠هـ
التقريب: «ثِقَةٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ، وَكَانَ يُدَلِّسُ». وقد قال في طريق الضحّاك: «قَالَ الضَّحَّاكُ» بلا سماع، وفي طريق عائشة: «عَنْ صَفْوَانَ» بلا سماع.
ثقة مدلِّس (عنعن)
صفوان بن سُلَيم
المدينة — ١٣٢هـ
ثقة مفتٍ عابد، لكنه لم يُدرك عائشة (ت ٥٨هـ)، فروايته عنها منقطعةٌ قطعًا.
منقطع
إبراهيم بن الحكم بن أبان
عدن — بعد ١٨٠هـ
راوي الموقوف بزيادة «سِتْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ». قال ابن حجر: «ضَعِيفٌ، وَصَلَ مَرَاسِيلَ»، وأعلَّ به البيهقيُّ الروايةَ. ورواية الثقة (يزيد بن أبي حكيم) عن الحكم بن أبان خاليةٌ من هذه الزيادة (التوحيد لابن خزيمة ١/٤٨١).
ضعيف
موسى بن عبد العزيز أبو شعيب القِنْباري
عدن
الراوي عن الحكم بن أبان في الطريق الآخر للموقوف (رؤية الله للدارقطني ٢٧٠، عن عبد الرحمن بن بشر عنه). وقد أخرج له البخاريُّ في «التاريخ الكبير» وابن خزيمة والبيهقي في الشعب. تنبيه: هو «موسى بن عبد العزيز» لا «موسى بن عبد الرحمن»؛ ومن سمّاه الثاني فقد خلطه بموسى بن عبد الرحمن الصنعاني الكذّاب — وهما رجلان.
يُعتبر به
مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلَّى الأنصاري
المدينة
التقريب: «ضَعِيفٌ» من السادسة (بخ س)، وقال في الإصابة ٤/٤٧٠: «مَرْوَانُ مَتْرُوكٌ»، وقال الذهبي في الكاشف: «مُخْتَلَفٌ فِي تَوْثِيقِهِ»، وضعّفه أبو حاتم. وقال النسائي: «وَمَنْ مَرْوَانُ بْنُ عُثْمَانَ حَتَّى يُصَدَّقَ عَلَى اللَّهِ؟»، وقال أحمد: «هَذَا رَجُلٌ مَجْهُولٌ». ودافع عنه المعلمي: «هَذَا لَا يُعْطِي أَنَّهُ كَذَّابٌ… يَحْتَمِلُ التَّوَقُّفَ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلَهُ عَلَى أَنَّهُ أَخْطَأَ».
ضعيف
عُمارة بن عامر بن عمرو بن حزم الأنصاري
المدينة
البخاري في التاريخ الكبير ٦/٥٠٠: «لَا يُعْرَفُ سَمَاعُ عُمَارَةَ مِنْ أُمِّ الطُّفَيْلِ»، وفي الأوسط ١/٤٣٥: «وَلَا يُعْرَفُ عُمَارَةُ وَلَا سَمَاعُهُ»، وذكره في الضعفاء. وابن حبان في الثقات ٥/٢٤٥: «حَدِيثًا مُنْكَرًا، لَمْ يَسْمَعْ عُمَارَةُ مِنْ أُمِّ الطُّفَيْلِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ لِكَيْ لَا يَغْتَرَّ النَّاظِرُ فِيهِ فَيَحْتَجَّ بِهِ». وأبو حاتم في الجرح ٦/٣٦٧ لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
ثقة فقيه حافظ من رجال الجماعة. قال أبو زرعة الدمشقي: «فَلَا يُشَكُّ فِيهِ».
ثقة فقيه
عبد الله بن وهب المصري
مصر — ١٩٧هـ
ثقة حافظ عابد من رجال الجماعة. قال أبو زرعة الدمشقي: «وَحَسْبُكَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ مُحَدِّثًا فِي دِينِهِ وَفَضْلِهِ». وعنه انتشر حديث أم الطفيل كلُّه — رواه عنه ثمانيةٌ فأكثر.
ثقة حافظ
نُعَيم بن حمّاد الخُزاعي المروزي
مرو ثم مصر — ٢٢٨هـ
التقريب: «صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا»، أحد أئمة السنة وأول من جمع المسند، أخرج له البخاري مقرونًا. أنكر عليه ابنُ معين التحديثَ بهذا الحديث: «مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ» (تاريخ بغداد ١٣/٣١١). قال السيوطي: «وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا عَابَ عَلَيْهِ تَحْدِيثَهُ بِهِ بَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ… لَا أَنَّهُ اتَّهَمَهُ بِوَضْعِهِ»، وقد تابعه عن ابن وهب سبعةٌ فأكثر. وأعلَّ الألبانيُّ ثبوتَ إنكار ابن معين بضعف بكر بن سهل وجهالة عبد الخالق بن منصور.
صدوق كثير الخطأ (متابَعٌ هنا)
القاسم بن إبراهيم المَلَطي
راوي حديث «تَاجًا مُخَوَّصًا مِنْ لُؤْلُؤٍ» عن لُوَين عن سويد بن عبد العزيز عن حميد عن أنس. قال الذهبي: «وَهُوَ كَذَّابٌ».
كذّاب
أبو علي الأهوازي (الحسن بن علي)
الأهواز/دمشق — ٤٤٦هـ
راوي حديث «جَمَلٍ أَحْمَرَ» عن أسماء. قال الذهبي: «أَمَا اسْتَحْيَا الْأَهْوَازِيُّ مِنَ اللَّهِ فِي رِوَايَتِهِ هَذَيْنِ وَأَمْثَالِهِمَا؟»، وقال ابن عساكر في «تبيين كذب المفتري»: «لَا يَسْتَبْعِدَنَّ جَاهِلٌ كَذِبَ الْأَهْوَازِيِّ… فَقَدْ كَانَ مِنْ أَكْذَبِ النَّاسِ».
متَّهم
محمد بن شجاع بن الثلجي
بغداد — ٢٦٦هـ
راوي حكاية «دسِّ ابن أبي العوجاء في كتب حماد». قال ابن عدي: «كَذَّابٌ، وَكَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَيَدُسُّهُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِأَحَادِيثَ كُفْرِيَّاتٍ»، وقال الذهبي: «لَيْسَ بِمُصَدَّقٍ عَلَى حَمَّادٍ وَأَمْثَالِهِ، وَقَدِ اتُّهِمَ».
كذّاب — وحكايتُه ساقطة
أسباط بن نصر
الكوفة
راوي الموقوف (٤٣٤). قال ابن حجر: «صَدُوقٌ كَثِيرُ الْخَطَأِ»، وقال الألباني: «رِجَالُهُ ثِقَاتٌ غَيْرَ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ فَإِنَّهُ كَثِيرُ الْخَطَأِ».
كثير الخطأ
ثامنًا: معارضةُ ما هو أصحُّ — العلة السابعة مفصَّلةً
ليست نكارةُ الزيادة الوصفية نكارةَ إسنادٍ فحسب، بل هي نكارةُ متنٍ أيضًا؛ لأنها تُعارِض ما هو أثبتُ منها إسنادًا، من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: معارضةُ رواية ابن عباس نفسِه في صحيح مسلم
فالثابتُ عن ابن عباس في أصحِّ كتابٍ بعد كتاب الله هو رؤيةُ الفؤاد؛ والرواية المنكرة تنقل عنه «رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ بِعَيْنَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ» — بإسنادٍ منقطعٍ (الضحّاك لم يلقَه) وبعنعنة ابن جريج. فهي مخالفةٌ صريحةٌ للمحفوظ عن الصحابي نفسه، بل قلبٌ للفظه: «بفؤاده» ← «بعينيه».
وموضعُ اللطيفة: أنَّ راوي هذا الحديث في مسلم هو قتادة نفسُه — مدارُ الزيادة الوصفية! فكيف يروي قتادةُ عن النبي صلى الله عليه وسلم نفيَ الرؤية البصرية بقوله «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» في الصحيح، ثم يُروى عنه بالعنعنة إثباتُ صورةِ شابٍّ أمرد؟ هذا تناقضٌ يُرجَّح فيه ما في الصحيح على ما في غيره قطعًا.
الوجه الثالث: معارضةُ مذهب عائشة رضي الله عنها
احتجَّ الدارمي في «نقض الإمام عثمان بن سعيد على المريسي» بقول عائشة رضي الله عنها: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ}».
فنسبةُ متنِ «رَأَى النَّبِيُّ رَبَّهُ عَلَى صُورَةِ شَابٍّ جَالِسٍ عَلَى كُرْسِيٍّ» إليها هي — بإسنادٍ منقطعٍ عند اللآلئ — قلبٌ لمذهبها الثابت في الصحيحين إلى ضدِّه. وهذه أمارةُ بطلانٍ في المتن قبل الإسناد.
وهذا هو المعنى الذي أراده ابن عباس نفسُه حين أجاب السائلَ عن الآية بقوله: «ذَاكَ نُورُهُ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ لَا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ». وهو الذي حمل شيخَ الإسلام ابن تيمية على أن يقول في «منهاج السنة» ٢/٣١٣ ردًّا على المجسِّمة: «أَدْخَلُوا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ مَا نَفَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، حَتَّى قَالُوا: إِنَّهُ يُرَى فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ».
تاسعًا: أقوال الأئمة في الحكم على الحديث
الإمام
حكمه
أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ)
في حديث ابن عباس: قال لشاذان: «حَدِّثْ بِهِ فَقَدْ حَدَّثَ بِهِ الْعُلَمَاءُ» (إبطال التأويلات ١٣٥)، وقال للأثرم: «هَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ الْكِبَرُ عَنِ الْكِبَرِ عَنِ الصَّحَابَةِ… فَمَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَهُوَ جَهْمِيٌّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ» (١٤٨)، وقال ابنه عبد الله: «رَأَيْتُ أَبِي يُصَحِّحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَيَذْهَبُ إِلَيْهَا وَجَمَعَهَا وَحَدَّثَنَاهَا» (١٤٩). وفي إسناده: «يُضْطَرَبُ فِي إِسْنَادِهِ… وَأَصْلُ الْحَدِيثِ وَاحِدٌ وَقَدِ اضْطَرَبُوا فِيهِ» (١٣٦). وفي حديث أم الطفيل: «فَحَوَّلَ وَجْهَهُ عَنِّي وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ… رَجُلٌ مَجْهُولٌ» (١٣٧).
«وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي الرُّؤْيَةِ قَدْ رَوَاهَا غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَلَيْسَ حَمَّادٌ بِمَخْصُوصٍ بِهِ فَيُنْكَرَ عَلَيْهِ»، وكذّب ابنَ الثلجي راويَ حكاية الدسّ. لكنه أورد الحديث في ترجمة حماد من «الكامل» — أي في سياق ما أُنكِر عليه.
أخرجه في «رؤية الله» محتجًّا به، وقال في أصل حديث الرؤيا: «كُلُّ أَسَانِيدِهِ مُضْطَرِبَةٌ لَيْسَ فِيهَا صَحِيحٌ»، وقال في شاهد أنس: «تَفَرَّدَ بِهِ فَهْدٌ… وَهُوَ كَذَّابٌ»، وقال في النضر بن سلمة: «مَتْرُوكٌ».
يحيى بن معين (ت ٢٣٣هـ)
هجَّن نعيم بن حماد على التحديث بحديث أم الطفيل: «مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ» (تاريخ بغداد ١٣/٣١١).
ضعّف مروان بن عثمان، وقال في النضر بن سلمة شاذان: «كَانَ يَفْتَعِلُ الْحَدِيثَ».
العُقَيلي (ت ٣٢٢هـ)
في النضر بن سلمة شاذان: «كَذَّابٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ».
البيهقي (ت ٤٥٨هـ)
حمله على المنام، واستدلَّ بحديث أم الطفيل: «وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ حِكَايَةٌ عَنْ رُؤْيَا رَآهَا فِي الْمَنَامِ» (٩٤٢)، وقال: «قَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضِعَافٌ»، وأشار إلى أنَّ ما وُصف من «الرفرف الأخضر وفراش الذهب» إنما هو في رؤية جبريل كما ثبت عن ابن مسعود في تفسير سورة النجم.
القاضي أبو يعلى ابن الفراء (ت ٤٥٨هـ)
صحّحه وأطال في الردِّ على التأويلات، ومع ذلك قال: «وَاعْلَمْ أَنَّهَا رُؤْيَا مَنَامٍ، لِأَنَّ أُمَّ الطُّفَيْلِ قَدْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ فِي خَبَرِهَا» (١٠٢).
ابن عقيل الحنبلي (ت ٥١٣هـ)
في حديث أم الطفيل: «هَذَا حَدِيثٌ مَقْطُوعٌ بِكَذِبِهِ» (نقله ابن جماعة في إيضاح الدليل).
ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ)
«هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ وَطُرُقُهُ كُلُّهَا عَلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ» (العلل المتناهية ١/٢٣)، وأورد حديث أم الطفيل في «الموضوعات» ١/١٢٥.
بدر الدين ابن جماعة (ت ٧٣٣هـ)
في حديث أم الطفيل: «فَهَذَا الْحَدِيثُ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ، قَاتَلَ اللَّهُ وَاضِعَهُ» (إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل).
في اللفظ المختصر: «رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ» (مجمع الزوائد).
ابن حجر (ت ٨٥٢هـ)
ضعّف مروان بن عثمان في التقريب، وقال في الإصابة ٤/٤٧٠: «مَرْوَانُ مَتْرُوكٌ»، ونبَّه على أنَّ عزو قول «ومن مروان حتى يُصدَّق» إلى ابن معين خطأٌ، والصواب أنه للنسائي.
السيوطي (ت ٩١١هـ)
قال في حديث أم الطفيل: «مَوْضُوعٌ» ثم تعقَّب الحكم بتقوية نعيم بن حماد وبيان متابعاته (اللآلئ ١/٢٨–٣١).
ابن عرّاق (ت ٩٦٣هـ)
لخَّص تعقُّب السيوطي وأقرَّه (تنزيه الشريعة ١/١٤٥).
اللفظ المختصر: «حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ» (ظلال الجنة ١/١٨٨). لفظ «جعدًا أمرد»: «خَبَرٌ مُنْكَرٌ — كَمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ — وَلَعَلَّ الْعِلَّةَ تَكْمُنُ فِي عَنْعَنَةِ قَتَادَةَ» (الضعيفة). حديث أم الطفيل: «مَوْضُوعٌ» (الضعيفة ٦٣٧١)، وقال في تخريج السنة (١/٢٠٥): «حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ مُظْلِمٌ».
عاشرًا: الخلاصة
✦ الحكم النهائي
أولًا — اللفظ المختصر ثابت: «رَأَيْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ» بلا زيادةٍ وصفية، أخرجه أحمد في المسند (١/٢٨٥، ٢٩٠) وابنُه عبد الله (١١١٦، ١١١٧، ١١٦٧) وابن أبي عاصم واللالكائي والدارقطني والضياء والآجري — بإسنادٍ قال فيه الهيثمي: «رجاله رجال الصحيح»، وقال ابن كثير: «على شرط الصحيح لكنه مختصر من حديث الرؤية»، ووافقهما الألباني. وقرينةُ الاختصار منصوصةٌ في الرواية نفسها: «ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا».
ثانيًا — الأصل الذي اختُصر منه: حديث رؤيا المنام (اختصام الملأ الأعلى)، المرويُّ عن اثني عشر صحابيًّا فأكثر، وأصحُّ طرقه رواية جَهْضَم بن عبد الله التي صحّحها البخاري والترمذي واختارها البيهقي؛ وفيه التصريح: «أَحْسَبُهُ يَعْنِي فِي النَّوْمِ». وقد جعل الإمامُ أحمدُ أصلَ حديث ابن عباس وأم الطفيل وهذا واحدًا، ونصَّ ابن تيمية وابن القيم على أنَّ القصة كانت بالمدينة لا ليلةَ المعراج بمكة.
ثالثًا — الزيادات الوصفية منكرة، لسبع عللٍ مجتمعة: (١) عنعنة قتادة المدلِّس في كل الطرق؛ (٢) تفرُّد حماد دون أصحاب قتادة الأثبات — شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة ومعمر وهمّام؛ (٣) رواية حماد عن غير ثابت بعد تغيُّره؛ (٤) تفرُّد الضعفاء والمجاهيل بأنكر الألفاظ — و«سِتْرُ اللُّؤْلُؤِ» تفرَّد به النضر بن سلمة شاذان وهو «كذّابٌ يضع الحديث» عند العقيلي «متروك» عند الدارقطني؛ (٥) الاضطراب في المتن («خضراء/حمراء/ثوبان/روضة»، و«أمرد» مع «له وفرة»)؛ (٦) الاختصار من سياقٍ أطول؛ (٧) معارضةُ ما هو أصحُّ منه.
رابعًا — حديث أم الطفيل ضعيف الإسناد: فيه مروان بن عثمان («ضعيف» عند ابن حجر، وقال النسائي: «ومن مروان حتى يُصدَّق على الله؟») وعمارة بن عامر (لم يثبت سماعُه منها باتفاق البخاري وابن حبان). وأمُّ الطفيل صحابيةٌ لا إشكال فيها — ذكرها مسلمٌ في المدنيات — فالعلةُ فيمن دونها. وقد تُوبِع نعيمُ بن حماد بسبعةٍ فأكثر عن ابن وهب، فبرئت عهدتُه ولم ترتفع العلة، لأنها فيمن فوقه. لكنَّ هذا الحديث مصرَّحٌ فيه بالمنام في جميع ألفاظه الثلاثة عشر — وبه فسَّر البيهقيُّ وأبو يعلى وابنُ تيمية حديثَ ابن عباس.
خامسًا — الشواهد لا تنهض، وبعضها موضوع: شاهد الضحّاك منقطع (لم يلقَ ابن عباس) ومصادمٌ لمسلم (١٧٦)؛ وشاهد عائشة منقطعٌ ومصادمٌ لمذهبها الثابت؛ وشاهد أنس فيه فهد بن عوف كذّابٌ عند ابن المديني؛ وحديث «التاج المخوَّص» فيه القاسم بن إبراهيم الملطي كذّاب؛ وحديث «الجمل الأحمر» عن أسماء موضوعٌ باتفاق، وراويه الأهوازي متَّهم. وأمّا شاهد معاذ بن عفراء فقد ختمه عكرمةُ نفسُه بقوله: «رَآهُ بِفُؤَادِهِ» — وهو يُبطل حملَه على رؤية العين.
سادسًا — الحكم العقدي: لا يجوز بحالٍ أن يُتَّخذ هذا الحديث دليلًا على إثبات صفةٍ لله عز وجل. فالذين صحَّحوه من أئمة السنة — أحمد وأبو زرعة والطبراني وأبو يعلى وابن تيمية — أجمعوا على أنها رؤيا منامٍ لا رؤية عين، ورؤيا المنام تجري مجرى التمثيل المفتقر إلى التأويل ولا تُثبت بها صفة. فمن نسب إلى أهل السنة أنهم يعتقدون أنَّ الله «شابٌّ أمرد» فقد كذب عليهم وافترى؛ والاحتجاجُ بهذه الرواية على التجسيم باطلٌ من ثلاثة أوجه: بطلانِ إسناد الزيادة، وتصريحِ من صحَّحها بأنها منام، ومعارضتِها لمحكم الكتاب ولصحيح مسلم.
الحكم المحرَّر:لفظ «رأيت ربي عز وجل» صحيح الإسناد لكنه مختصرٌ من حديث الرؤيا المنامية؛ وزيادة «في صورة شاب أمرد جعد قطط في روضة خضراء» ومثيلاتُها منكرةٌ لا تثبت، وأنكرُها — زيادةُ «ستر اللؤلؤ» — موضوعةٌ تفرَّد بها كذّاب؛ وحديث أم الطفيل ضعيف الإسناد صريحٌ في المنام؛ ولا يصحُّ في هذا الباب رؤية عينٍ في اليقظة البتة.
حادي عشر: تنبيهاتٌ على أوهامٍ شائعة في تخريج هذا الحديث
١) «أمُّ الطفيل لا تثبت لها صحبة»: غيرُ صحيح. قال السخاوي في «التحفة اللطيفة» (٥٤٦٩): «صَحَابِيَّةٌ، ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ فِي الْمَدَنِيَّاتِ». والعلةُ في مروان وعمارة، لا فيها.
٢) «نُعَيم بن حماد قلَبَ الحديث فجعله عن أبي هريرة بدل أم الطفيل»: لم أقف على ما يُثبته في شيءٍ من المصادر المسندة؛ وأسانيدُ نعيمٍ كلُّها — عند الدارقطني (٢٨٧) وابن الجوزي والآجري وابن أبي عاصم في «السنة» و«الآحاد والمثاني» ومجلس الغازي — عن أم الطفيل لا عن أبي هريرة. ولعلَّ الوهمَ نشأ من أنَّ ابن جماعة في «إيضاح الدليل» أورد بعد حديث أم الطفيل حديثًا آخر مستقلًّا «يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» في العُطاس واليدين — فالتُبس أحدُهما بالآخر.
٣) «موسى بن عبد الرحمن القنباري الكذّاب»: الصواب «موسى بن عبد العزيز أبو شعيب القِنْباري العَدَني» — وهو الراوي عن الحكم بن أبان، أخرج له البخاريُّ في «التاريخ الكبير» وابن خزيمة والبيهقي. أمّا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني فهو كذّابٌ وضع تفسيرًا، ورجلٌ آخر لا مدخل له في هذا الإسناد.
٤) الاعتماد على حكاية «دسِّ ابن أبي العوجاء في كتب حماد»: إسنادُها ساقط — مدارُها على محمد بن شجاع بن الثلجي الذي قال فيه ابن عدي نفسُه: «كَذَّابٌ… فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ تَدْسِيسِهِ»، وقال الذهبي: «لَيْسَ بِمُصَدَّقٍ عَلَى حَمَّادٍ». فإعلالُ حديثٍ منكرٍ بحكايةٍ موضوعة خطأٌ منهجيٌّ يُضعِف الدراسة لا يُقوِّيها.
٥) نسبة قول «ومن مروان حتى يُصدَّق» إلى ابن معين: خطأ؛ نبَّه عليه ابن حجر، والصوابُ أنه قولُ النسائي، رواه الخطيب بإسناده عن أبي عبد الرحمن النسوي.
٦) عزو حديث «الجمل الأحمر» إلى أنس: الصوابُ أنه عن أسماء — من رواية أبي علي الأهوازي وعمرو بن سَلَمون، كما في تلخيص الموضوعات للذهبي.
٧) في الترقيم: رقمُ حديث ابن عباس في «السنة» لابن أبي عاصم هو ٤٣٣ و٤٤٠ (١/١٨٨ و١/١٩١)، لا (١/٣٠٦)؛ والرقم ٤٤٢ هو للأثر الموقوف «الخُلَّة لإبراهيم…». وحديث أم الطفيل عنده برقم ٤٧١ (١/٢٠٥).
ثاني عشر: المصادر والمراجع
صحيح مسلم — كتاب الإيمان، باب معنى قوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}، رقم (١٧٦)، وحديث أبي ذر «نور أنى أراه».
مسند أحمد ١/٢٨٥، ٢٩٠، ٣٦٨ (وهي ٢٥٨٠، ٢٦٣٤ في ترقيم ط الرسالة).
عبد الله بن أحمد، السنة، ٢/٤٨٤ (١١١٦، ١١١٧)، ٢/٥٠٣ (١١٦٧)، و(٥٧٩، ١٠٤٣).
ابن أبي عاصم، السنة ١/١٨٨ (٤٣٣)، ١/١٩١–١٩٢ (٤٤٠)، (٤٣٤–٤٣٦، ٤٤٢، ٤٦٥)، ١/٢٠٥ (٤٧١) — بتخريج الألباني «ظلال الجنة»؛ والآحاد والمثاني ٦/١٥٨ (٣٣٩٥).
الآجري، الشريعة ٣/١٥٤٢ (١٠٣٣)، وص٤٩٦.
اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٥١٢–٥١٣ (٨٩٧–٨٩٩).
الدارقطني، رؤية الله (٢٦٢–٢٧٣، ٢٨٦، ٢٨٧، ٣١٦)، والأفراد، والضعفاء والمتروكون (٥٤٢).
ابن خزيمة، التوحيد ١/٤٧٩، ٤٨١–٤٨٣، وص١٣٠.
ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال ٢/٦٧٧ (ترجمة حماد بن سلمة).
القاضي أبو يعلى ابن الفراء، إبطال التأويلات لأخبار الصفات ١/١٣٣–١٤٥ (١٢٢–١٥٢)، ط إيلاف وط غراس.
الذهبي، سير أعلام النبلاء ١٠/١١٣–١١٤؛ وميزان الاعتدال (تراجم حماد بن سلمة، وابن الثلجي، ويعلى بن عباد)؛ وأحاديث مختارة من موضوعات الجورقاني وابن الجوزي (٧، ١٧).
ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية ٧/١٩٤، ٢٢٥، ٢٢٩، ٢٩٠، ٣٥٦ (ط مجمع الملك فهد)؛ ومنهاج السنة ٢/٣١٣.
ابن القيم، زاد المعاد ٣/٣٧؛ والتبيان في أقسام القرآن ص٢٦٠–٢٦١.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.