تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مجلة معاوية بن أبي سفيان

حديث مالك بن أوس في الفَيء ونزاع العباس وعليّ عند عمر رضي الله عنهم

حديث مالك بن أوس في الفَيء ونزاع العباس وعليّ عند عمر رضي الله عنهم
مجلة معاوية بن أبي سفيان — الموسوعة الحديثية الشاملة

حديث مالك بن أوس في الفَيء
ونزاع العباس وعليّ عند عمر رضي الله عنهم

«لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ»
المتون الكاملةالأسانيد والطرقالإحصائيات خريطة الإسنادالمدارس الحديثيةالجرح والتعديلأحكام الأئمة

هذا حديثٌ متّفقٌ عليه، أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك بن أوس بن الحَدَثان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن أموال الفَيء (بني النضير وفَدَك وخيبر)، وفيه احتكامُ العباس وعليٍّ رضي الله عنهما إلى عمر في وِلاية هذه الصدقة وتدبيرها. ومدارُه على الإمام الزُّهْري، وهو من أصحّ الأسانيد. وقد أُثيرت حوله شبهةٌ من لفظةٍ وردت في طريق مسلم: «اقضِ بيني وبين هذا الكاذبِ الآثمِ الغادرِ الخائن»؛ فهذه الدراسة تسوق المتون كاملةً وأسانيدها، ثم تبيّن كلام الحُفّاظ في تلك اللفظة، والفرق بين لفظ الصحيحين فيها.

أولًا: المتون كاملة بنصوصها الأصلية

1. لفظ صحيح مسلم (١٧٥٧ج) — القصة بطولها

عن مالك بن أوس أنه قال: أرسل إليَّ عمرُ بن الخطاب فجئتُه حين تعالى النهار، فوجدتُه في بيته جالسًا على سريرٍ مُفضِيًا إلى رِماله مُتّكئًا على وسادةٍ من أدَم، فقال لي: يا مالُ، إنه قد دَفَّ أهلُ أبياتٍ من قومك وقد أمرتُ فيهم برَضْخٍ فخُذه فاقسِمه بينهم. قلتُ: لو أمرتَ بهذا غيري. قال: خُذه يا مالُ. فجاء يَرْفا فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمانَ وعبد الرحمن بن عوفٍ والزبيرِ وسعدٍ؟ فقال عمر: نعم. فأذِن لهم فدخلوا، ثم جاء فقال: هل لك في عباسٍ وعليٍّ؟ قال: نعم. فأذِن لهما، فقال عباسٌ: يا أمير المؤمنين اقضِ بيني وبين هذا الكاذبِ الآثمِ الغادرِ الخائن. فقال القومُ: أجَلْ يا أمير المؤمنين فاقضِ بينهم وأرِحْهم. فقال مالك بن أوس: يُخَيَّل إليَّ أنهم قد كانوا قدّموهم لذلك. فقال عمر: اتّئِدا، أنشُدُكم بالله الذي بإذنه تقوم السماءُ والأرض، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نُورَثُ ما تركنا صدقةٌ»؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على العباس وعليٍّ فقال: أنشُدُكما بالله الذي بإذنه تقوم السماءُ والأرض، أتعلمان أن رسول الله ﷺ قال: «لا نُورَثُ ما تركناه صدقةٌ»؟ قالا: نعم. فقال عمر: إن الله جلّ وعزّ كان خصّ رسولَه ﷺ بخاصّةٍ لم يُخصِّص بها أحدًا غيره، قال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾ ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا. قال: فقسَم رسولُ الله ﷺ بينكم أموالَ بني النضير، فوالله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقيَ هذا المالُ، فكان رسول الله ﷺ يأخذ منه نفقةَ سنةٍ ثم يجعل ما بقي أُسوةَ المال. ثم قال: أنشُدُكم بالله الذي بإذنه تقوم السماءُ والأرض، أتعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم نَشَد عباسًا وعليًّا بمثل ما نَشَد به القومَ: أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم. قال: فلما تُوفّي رسولُ الله ﷺ قال أبو بكرٍ: أنا وليُّ رسول الله ﷺ، فجئتُما تطلبُ ميراثَك من ابن أخيك ويطلبُ هذا ميراثَ امرأته من أبيها، فقال أبو بكرٍ: قال رسول الله ﷺ: «ما نُورَثُ ما تركنا صدقةٌ». فرأيتُماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، واللهُ يعلمُ إنه لَصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحق. ثم تُوفّي أبو بكرٍ وأنا وليُّ رسول الله ﷺ ووليُّ أبي بكرٍ، فرأيتُماني كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، واللهُ يعلمُ إني لَصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحق. فوَلِيتُها، ثم جئتَني أنت وهذا وأنتما جميعٌ وأمرُكما واحد، فقلتُما: ادفَعْها إلينا، فقلتُ: إن شئتم دفعتُها إليكما على أنّ عليكما عهدَ الله أن تعمَلا فيها بالذي كان يعمل رسول الله ﷺ، فأخذتُماها بذلك. قال: أكذلك؟ قالا: نعم. قال: ثم جئتُماني لأقضيَ بينكما، ولا واللهِ لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعةُ، فإن عجزتُما عنها فرُدّاها إليَّ.
المصدر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء (١٧٥٧ج). صحيح متّفق عليه. وفيه أنّ عمر أطلق وصف «كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا» على نظرتهما إلى أبي بكر ثم إليه هو، ثم عقّبه بـ«والله يعلم إنه لصادقٌ بارٌّ راشد» — فهو أسلوبٌ عن نظرة المتخاصِم إلى صاحب الأمر، لا تقريرٌ لصفةٍ في أحد.

2. لفظ صحيح البخاري (٤٠٣٣-٤٠٣٤) — كتاب المغازي، باب حديث بني النضير

عن مالك بن أوس بن الحَدَثان النَّصْري: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعاه إذ جاءه حاجبُه يَرْفا فقال: هل لك في عثمانَ وعبد الرحمن والزبيرِ وسعدٍ يستأذنون؟ فقال: نعم، فأدخِلْهم. فلبِث قليلًا ثم جاء فقال: هل لك في عباسٍ وعليٍّ يستأذنان؟ قال: نعم. فلما دخلا قال عباسٌ: يا أمير المؤمنين اقضِ بيني وبين هذا. وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله ﷺ من بني النضير، فاستبَّ عليٌّ وعباسٌ. فقال الرهطُ: يا أمير المؤمنين اقضِ بينهما وأرِحْ أحدَهما من الآخر. فقال عمر: اتّئِدوا، أنشُدُكم بالله الذي بإذنه تقوم السماءُ والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «لا نُورَثُ، ما تركنا صدقةٌ» يريد بذلك نفسَه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل عمرُ على عباسٍ وعليٍّ فقال: أنشُدُكما بالله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: نعم. قال: فإني أُحدِّثكم عن هذا الأمر: إن الله سبحانه كان خصّ رسولَه ﷺ في هذا الفيء بشيءٍ لم يُعطِه أحدًا غيره، فقال جلّ ذكرُه: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتُم عليه من خيلٍ ولا ركابٍ﴾ إلى قوله ﴿قدير﴾، فكانت هذه خالصةً لرسول الله ﷺ، ثم واللهِ ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم، لقد أعطاكموها وقسَمها فيكم حتى بقي هذا المالُ منها، فكان رسول الله ﷺ يُنفِق على أهله نفقةَ سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مَجعلَ مالِ الله، فعمِل ذلك رسول الله ﷺ حياتَه. ثم تُوفّي النبيُّ ﷺ فقال أبو بكرٍ: فأنا وليُّ رسول الله ﷺ، فقبضه أبو بكرٍ فعمِل فيه بما عمِل به رسول الله ﷺ وأنتم حينئذٍ. فأقبل على عليٍّ وعباسٍ وقال: تذكُران أنّ أبا بكرٍ عمِل فيه كما تقولان، واللهُ يعلمُ إنه فيه لَصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحق. ثم توفّى اللهُ أبا بكرٍ فقلتُ: أنا وليُّ رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ، فقبضتُه سنتين من إمارتي أعمَلُ فيه بما عمِل رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ، واللهُ يعلمُ أني فيه صادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحق. ثم جئتُماني كِلاكما وكلمتُكما واحدةٌ وأمرُكما جميعٌ… فقلتُ لكما: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نُورَثُ، ما تركنا صدقةٌ». فلما بدا لي أن أدفعَه إليكما قلتُ: إن شئتما دفعتُه إليكما على أنّ عليكما عهدَ الله وميثاقَه لتعمَلانِ فيه بما عمِل فيه رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ وما عملتُ فيه مذ وَلِيتُ، وإلا فلا تُكلِّماني، فقلتُما: ادفَعْه إلينا بذلك، فدفعتُه إليكما. أفتلتمِسان مني قضاءً غير ذلك؟ فواللهِ الذي بإذنه تقوم السماءُ والأرض لا أقضي فيه بقضاءٍ غير ذلك حتى تقوم الساعةُ، فإن عجزتُما عنه فادفَعا إليَّ فأنا أكفيكُماه. قال: فحدَّثتُ هذا الحديثَ عروةَ بن الزبير فقال: صدَق مالك بن أوس، أنا سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها زوجَ النبيِّ ﷺ تقول: أرسل أزواجُ النبيِّ ﷺ عثمانَ إلى أبي بكرٍ يسألنه ثُمُنَهنّ مما أفاء الله على رسوله ﷺ، فكنتُ أنا أرُدُّهنّ، فقلتُ لهنّ: ألا تتقين الله؟ ألم تعلمن أن النبيَّ ﷺ كان يقول: «لا نُورَثُ ما تركنا صدقةٌ» يريد بذلك نفسَه، إنما يأكل آلُ محمدٍ ﷺ في هذا المال؟ فانتهى أزواجُ النبيِّ ﷺ إلى ما أخبرتهنّ. قال: فكانت هذه الصدقةُ بيد عليٍّ، منعها عليٌّ عباسًا فغلبه عليها، ثم كانت بيد حسن بن عليٍّ، ثم بيد حسين بن عليٍّ، ثم بيد علي بن حسين وحسن بن حسن — كلاهما كانا يتداولانها — ثم بيد زيد بن حسن، وهي صدقةُ رسول الله ﷺ حقًّا.
المصدر: صحيح البخاري، المغازي، باب حديث بني النضير (٤٠٣٣-٤٠٣٤). لاحظ: لفظ البخاري هنا «فاستبَّ عليٌّ وعباسٌ»، و«اقضِ بيني وبين هذا» — بدون لفظة «الكاذب الآثم الغادر الخائن» من فم العباس؛ فهي زيادةُ لفظٍ في طريق مسلم.

3. لفظ صحيح مسلم (١٧٥٧أ) — مختصرًا (أصلُ حكم الفيء)

عن عمر رضي الله عنه قال: كانت أموالُ بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يُوجِف عليه المسلمون بخيلٍ ولا رِكابٍ، فكانت للنبيّ ﷺ خاصّةً، فكان يُنفِق على أهله نفقةَ سنةٍ، وما بقيَ يجعله في الكُراع والسلاح عُدّةً في سبيل الله.
المصدر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء (١٧٥٧أ). هذا أصلُ الحكم الذي دار حوله النزاع في التدبير.

ثانيًا: المصادر التي أخرجت الحديث (جدول التخريج)

المصدرالموضع/الرقمالطريق (من المصنّف إلى الصحابي)
صحيح البخاريالمغازي — باب حديث بني النضير (٤٠٣٣-٤٠٣٤)أبو اليمان ← شعيب ← الزهري ← مالك بن أوس ← عمر
صحيح مسلمالجهاد والسير — حكم الفيء (١٧٥٧ج)عبد الله بن أسماء الضُّبَعي ← جُوَيرية ← مالك بن أنس ← الزهري ← مالك بن أوس ← عمر
صحيح مسلمالجهاد والسير — حكم الفيء (١٧٥٧أ)قتيبة ومحمد بن عبّاد وابن أبي شيبة وإسحاق ← سفيان بن عيينة ← عمرو بن دينار ← الزهري ← مالك بن أوس ← عمر
وأخرجه البخاري أيضًا في مواضعَ أخرى من صحيحه (فرض الخمس، النفقات، الفرائض، الاعتصام) بألفاظٍ متقاربة، ومدارُ الجميع على الزهري عن مالك بن أوس عن عمر.

ثالثًا: الأسانيد كاملة غير مختصرة

الطريق الأول — طريق البخاري (شعيب عن الزهري)

قال البخاري: حَدَّثَنَا أبو اليمان [الحكم بن نافع]، أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ [بن أبي حمزة]، عَنِ الزُّهْري قال: أَخْبَرَني مالكُ بن أوس بن الحَدَثان النَّصْري، أنّ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه دعاه… (وسِيقَ المتنُ بتمامه في القسم أولًا).
إسنادٌ شاميٌّ في أعلى الصحة؛ شعيب من أثبت الناس في الزهري، وأبو اليمان ثقةٌ ثبت. وليس فيه لفظة «الكاذب الآثم…» بل «فاستبَّ عليٌّ وعباس».

الطريق الثاني — طريق مسلم بطولها (مالك بن أنس عن الزهري)

قال مسلم: وحَدَّثَني عبدُ الله بن محمد بن أسماءَ الضُّبَعي، حَدَّثَنَا جُوَيريةُ [بن أسماء]، عَنْ مالكٍ [بن أنس]، عَنِ الزُّهْري، أنّ مالكَ بن أوسٍ حدّثه قال: أرسل إليَّ عمرُ بن الخطاب… (وسِيقَ المتنُ بتمامه في القسم أولًا، وفيه لفظة «اقضِ بيني وبين هذا الكاذبِ الآثمِ الغادرِ الخائن»).
إسنادٌ بصريٌّ صحيح؛ رجاله ثقات. وبه جاءت اللفظةُ المشكِلة.

الطريق الثالث — طريق مسلم مختصرًا (ابن عيينة عن عمرو عن الزهري)

قال مسلم: حَدَّثَنَا قتيبةُ بن سعيدٍ ومحمدُ بن عبّادٍ وأبو بكر بن أبي شيبة وإسحاقُ بن إبراهيم — واللفظُ لابن أبي شيبة — قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخرون: حَدَّثَنَا سفيانُ [بن عيينة]، عَنْ عمروٍ [بن دينار]، عَنِ الزُّهْري، عَنْ مالك بن أوسٍ، عَنْ عمرَ قال: كانت أموالُ بني النضير…
فيه نزول: عمرو بن دينار بين ابن عيينة والزهري (روايةُ قرينٍ عن قرين)؛ وكلُّهم ثقات.
تحرير الاختلاف (لفظيٌّ لا إسناديّ): الأسانيدُ كلُّها محفوظةٌ صحيحةٌ، والاختلافُ في المتن لا في الإسناد: انفرد طريقُ مسلم بلفظة «الكاذب الآثم الغادر الخائن» من كلام العباس، بينما البخاري: «فاستبَّ عليٌّ وعباس». قال المازِري والعينيُّ: بعضُ العلماء يرى أنّ هذه اللفظة من أوهام بعض الرواة، وقد أزالها بعضُهم من كتابه تورّعًا؛ وأنّ عمرَ لصلابته في الدين ما كان ليسكت عنها لو أُريد ظاهرُها. وقال ابنُ حجرٍ: إن حُفِظت فأجودُ ما تُحمل عليه أنّ العباس قالها إدلالًا على عليٍّ معاملةَ الوالد لولده، وأنّ الأوصاف تلزمه «لو فعله عن عمدٍ» وهو لا يراه كذلك؛ وسكوتُ الصحابة قرينةٌ على أنهم فهموا أنه لم يُرِد ظاهرَها.

رابعًا: شبكة الأسانيد والإحصائيات

جدول مقارنة ألفاظ الروايات

اللفظالمصدر الأساسيعدد الطرقالدلالة
«اقضِ بيني وبين هذا الكاذبِ الآثمِ الغادرِ الخائن»مسلم ١٧٥٧٢+خطابُ خصومةٍ في التدبير — محلُّ الشبهة
«فاستبَّ عليٌّ وعباس / اقضِ بيني وبين هذا»البخاري ٤٠٣٣١+بلا اللفظة الصريحة
المتن المختصر (أموال بني النضير خاصّةً للنبيّ ﷺ)مسلم ١٧٥٧أ١+أصلُ حكم الفيء

توزيع الروايات حسب فئات المصادر

فئة المصادرعدد المصادرعدد الطرق
الصحيحان (البخاري ومسلم)٢٣+ طرق

خامسًا: خريطة الأسانيد

خريطة أسانيد حديث مالك بن أوس في الفيء
مدارُ الحديث على الزُّهري عن مالك بن أوس عن عمر، ثم يتفرّع إلى البخاري (طريق شعيب) ومسلم (طريقَي مالك وابن عيينة). الحديث متّفقٌ عليه، والاختلافُ في اللفظة لفظيٌّ لا إسناديّ.

سادسًا: خريطة انتشار الحديث في المدارس الحديثية

مدرسة المدينة

الزُّهري (مدنيّ) ← مالك بن أوس بن الحَدَثان (مدنيّ) ← عمر بن الخطاب
مالك بن أنس (إمام دار الهجرة) ← الزُّهري ← مالك بن أوس ← عمر

مدرسة الشام

أبو اليمان الحمصي ← شعيب بن أبي حمزة (حمصيّ) ← الزُّهري ← مالك بن أوس ← عمر

مدرسة مكة

سفيان بن عيينة (مكيّ) ← عمرو بن دينار (مكيّ) ← الزُّهري ← مالك بن أوس ← عمر

مدرسة البصرة

عبد الله بن محمد بن أسماء الضُّبَعي (بصريّ) ← جُوَيرية بن أسماء (بصريّ) ← مالك بن أنس ← الزُّهري ← مالك بن أوس ← عمر

سابعًا: الرواة جرحًا وتعديلًا

الراويترجمته وأقوال النقادخلاصة الحكم
عمر بن الخطاب (ت٢٣هـ)أميرُ المؤمنين، الفاروق، أحدُ العشرة المبشّرين.صحابيّ
مالك بن أوس بن الحَدَثان النَّصْري (ت٩٢هـ)مدنيٌّ، مختلَفٌ في صحبته، والأكثرُ أنه تابعيٌّ كبير؛ وثّقه العجليّ وغيره واحتجّ به الشيخان.ثقة
محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهري (ت١٢٤هـ)مدارُ الحديث؛ إمامُ أهل زمانه في الحفظ والإتقان، حافظٌ متّفقٌ على جلالته.ثقة حافظ إمام
شعيب بن أبي حمزة الأمويّ (ت١٦٢هـ)حمصيّ، من أثبت الناس في الزهري؛ ثقة ثبت.ثقة ثبت
أبو اليمان الحكم بن نافع البَهْراني (ت٢٢٢هـ)حمصيّ، شيخُ البخاري، ثقةٌ ثبت.ثقة ثبت
مالك بن أنس الأصبحي (ت١٧٩هـ)إمامُ دار الهجرة، صاحبُ الموطأ، ثقةٌ ثبت حجّة.إمام ثقة ثبت
جُوَيرية بن أسماء الضُّبَعي (ت١٧٣هـ)بصريّ، ثقةٌ من رجال الشيخين.ثقة
عبد الله بن محمد بن أسماء الضُّبَعيبصريّ، شيخُ الشيخين، ثقة.ثقة
سفيان بن عُيينة الهلاليّ (ت١٩٨هـ)مكيّ، حافظٌ ثقةٌ إمام، من أثبت أصحاب عمرو بن دينار.ثقة حافظ
عمرو بن دينار المكيّ (ت١٢٦هـ)مكيّ، ثقةٌ ثبت من كبار التابعين.ثقة ثبت
عروة بن الزبير (ت٩٤هـ)مدنيّ، أحدُ الفقهاء السبعة (في ذيل رواية البخاري عن عائشة)؛ ثقةٌ إمام.ثقة إمام

ثامنًا: أقوال الأئمة في الحكم على الحديث ولفظته

الإمامحكمه
البخاري ومسلمأخرجاه في صحيحيهما؛ فهو صحيحٌ متّفقٌ عليه، بلا خلافٍ في ثبوته.
القاضي عياض والمازِرينزّها القائلَ والمقولَ فيه عن ظاهر اللفظة، ورجّحا أنها من وهم بعض الرواة، وأنّ بعضهم أزالها من كتابه تورّعًا.
ابن حجر (فتح الباري ٦/٢٠٧ ونحوه)«إن كانت محفوظةً فأجودُ ما تُحمل عليه أن العباس قالها إدلالًا على عليٍّ… وأن هذه الأوصاف يتّصف بها لو كان يفعله عن عمدٍ… ولا بدّ من هذا التأويل لوقوعه بمحضر الخليفة ومن معه ولم يُنكروه مع تشدُّدهم في إنكار المنكر».
بدر الدين العيني (عمدة القاري)رجّح إزالةَ اللفظة، وقال: عمرُ «لم يكن ممن يسكت عن مثل هذا لصلابته في أمور الدين»، ففهمُهم بقرينة الحال أنه تكلّم بما لا يعتقده.
الشوكاني (نيل الأوطار)النزاعُ كان في ولاية الصدقة وكيفية صرفها لا في أصل الميراث؛ نقلًا عن إسماعيل القاضي وغيره.

تاسعًا: الخلاصة

✦ الحكم النهائي
الحديثُ صحيحٌ متّفقٌ عليه، إسنادُه من أصحّ الأسانيد، ومدارُه الإمامُ الزُّهري عن مالك بن أوس عن عمر رضي الله عنه. وموضوعُه الحقيقيّ: بيانُ أنّ الفيء كان خاصًّا بالنبيّ ﷺ، وأنّ ميراثه صدقةٌ لا يُورَّث، وأنّ نزاعَ العباس وعليٍّ إنما كان في وِلاية هذه الصدقة وتدبيرها — وكلاهما مُقِرٌّ بحديث «لا نُورَث».

وأمّا لفظة «الكاذب الآثم الغادر الخائن» فليست في لفظ البخاري (بل «فاستبَّ عليٌّ وعباس»)، وإنما انفرد بها طريقُ مسلم؛ ولا يصحّ الاستدلال بها على تنقُّص عليٍّ ولا على رميه بالنفاق، لثلاثة وجوهٍ قرّرها الحُفّاظ: (١) أنّ عمرَ نفسَه أطلق الوصفَ عينَه على نظرتهما إلى أبي بكر ثم إليه، فهو أسلوبُ خصومةٍ لا تقريرُ صفةٍ — وإلا لزم مثلُه في أبي بكر وعمر! (٢) أنّ الحُفّاظ حملوها — إن حُفِظت — على الإدلال والعتاب، بقرينة سكوت الصحابة مع تشدُّدهم في إنكار المنكر. (٣) أنّ جماعةً من الأئمة (المازري، العيني) رجّحوا أنها وهمٌ من بعض الرواة يُزال. فالحديثُ حجّةٌ في بابه الفقهيّ (حكم الفيء وميراث النبوّة)، لا في الطعن في أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

عاشرًا: المصادر والمراجع

  1. صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، رقم (٤٠٣٣-٤٠٣٤) — وأطرافه في الخمس والنفقات والفرائض والاعتصام.
  2. صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء، رقم (١٧٥٧) بطرقه (أ، ج).
  3. ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري.
  4. بدر الدين العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري.
  5. النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم.
  6. الشوكاني، نيل الأوطار.
  7. مركز الفتوى بإسلام ويب، فتوى رقم (٢٤٦٦٩٤): توجيه كلام العباس لعليّ.
  8. نصوص الأسانيد والمتون مُقابَلةٌ على sunnah.com (مسلم ١٧٥٧أ/ج، البخاري ٤٠٣٣).
مجلة معاوية بن أبي سفيان الموسوعة الحديثية الشاملة — دراسات في السنة النبوية وعلوم الحديث · muawiyah.info

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.