تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مجلة معاوية بن أبي سفيان

03 من الجمل إلى صفّين — كيف انقسمت الأمة؟

من الجمل إلى صفّين — كيف انقسمت الأمة؟

الحلقة الثالثة من سلسلة «محكمة الفرضيّات التاريخية»


مقدمة: حين يبدأ الجيش بالحديث بدل أن تتكلم الشورى

بعد سقوط العدالة في مقتل عثمان، دخلت الأمة مرحلة جديدة لا يحكمها النص ولا الإجماع، بل يحكمها عامل واحد:

القوة العسكرية.

وحين يتقدم السيف ويتراجع العقل، تسقط الدولة وتولد الفتنة.

كانت الجمل الشرارة… وكانت صفّين الانفجار.

١ — الجمل: المعركة التي لم يكن يجب أن تقع

لم تكن الجمل حربًا ضد علي، ولا تمردًا على الشرعية، ولا طمعًا في السلطة. كانت احتجاجًا سياسيًا على تعطيل القصاص في مقتل عثمان.

طلحة والزبير وعائشة طلبوا شيئًا واحدًا:

القبض على قتلة عثمان ومحاكمتهم.

لو حدث هذا لما قامت حرب، ولا سال دم.

لكن علي — كما سبق في الحلقة السابقة — كان محاصرًا بالقتلة داخل جيشه، وعاجزًا عن تنفيذ القصاص.

هنا انفجر الاحتقان السياسي… ثم جرى تضخيم الرواية لاحقًا من قبل الكوفة لصناعة أسطورة «المعركة ضد علي».

٢ — كسر ميزان القوة: دخول الكوفة إلى المشهد

الكوفة كانت أخطر مدينة في تاريخ الإسلام: قتلت عثمان، خذلت عليًا، خانت الحسن، قتلت الحسين، وصنعت روايات التشيّع.

ومع ذلك، أصبحت الكوفة هي المصدر الأساسي لروايات الجمل وصفّين!

وهذا وحده دليل على حجم التزوير.

الرواية التي ورثها الناس اليوم حول الجمل… هي رواية كتبتها الكوفة، وليست رواية التاريخ.

٣ — صفّين: لحظة انشقاق الشرعية

كانت صفّين صراعًا بين:

  • علي: شرعية الشورى
  • معاوية: شرعية المطالبة بدم عثمان
  • القتلة: شرعية الفوضى

لم يرفض معاوية خلافة علي، بل رفض أن تُدفَن جريمة عثمان بلا قصاص.

قال كلمته الشهيرة:

«سلّم إلينا قتلة عثمان نبايع لك.»

وهذا مطلب شرعي لا يمكن إنكاره.

لكن علي لم يستطع تنفيذه… لأن جيشه ضم القتلة أنفسهم.

هنا انقسمت الأمة رسميًا.

٤ — رفع المصاحف: سقوط العقل الجماعي

رفع المصاحف لم يكن حركة دينية، بل مناورة سياسية ذكية لكسر جيش علي.

والأخطر أنها كشفت:

  • ضعف انضباط جيش علي
  • قوة معاوية في القيادة
  • هشاشة الكوفة

الكوفيون أجبروا عليًا على:

  • رفض الحرب
  • قبول التحكيم
  • تعيين أبي موسى الأشعري

ثم خرجوا عليه واتهموه بالكفر!

وهكذا ظهر الخوارج من رحم الكوفة.

٥ — التحكيم: الفخُّ الذي وقع فيه الجميع

التحكيم لم يكن حلًا… بل كان فخًا سياسيًا وعسكريًا.

فقد أدى إلى:

  • إسقاط علي نظريًا
  • تثبيت معاوية عمليًا
  • بقاء القتلة بلا عقاب

وهذا التناقض هو الذي فجّر الفتنة لاحقًا.

٦ — النهروان: اللحظة التي انشق فيها الجسد السياسي

الخوارج كانوا نتيجة طبيعية لفوضى الكوفة، لا لسياسة علي.

كانوا يعبدون الشعارات، ويكرهون السياسة، ويرون العالم أبيض أو أسود.

فخرجوا على علي… ثم قتلوا المسلمين… ثم قتلوه هو نفسه.

وهكذا انتهت الخلافة الراشدة على يد من زعموا الدفاع عن الدين.

٧ — خلاصة الأزمة: العدالة هي التي غابت

الانقسام لم يكن بسبب:

  • أفضلية علي
  • أو دهاء معاوية
  • أو خطأ طلحة والزبير

بل بسبب سقوط:

  • القصاص
  • الانضباط
  • الشورى
  • هيبة الدولة

وحين تغيب العدالة… تولد كل الفتن.

خاتمة

الجمل وصفّين ليستا مجرد معارك، بل هما الجرح الذي انقسمت عنده الأمة، والذي يجب أن يُفهم بعمق حتى يبدأ الإصلاح الحقيقي.

من هنا بدأ التاريخ… ومن هنا يجب أن يبدأ الإصلاح.

الحلقة القادمة: كيف صنعت الكوفة روايات الفضائل؟ — مولد الأسطورة العلوية