تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مجلة معاوية بن أبي سفيان

سقوط العدالة — من مقتل عثمان إلى ولادة الفتنة

سقوط العدالة — من مقتل عثمان إلى ولادة الفتنة

الحلقة الثانية من سلسلة «محكمة الفرضيّات التاريخية»


مقدمة: يومٌ انهار فيه ميزانُ الأمة

هناك أيام تصنع حضارة، وأيام تُسقط حضارة. ويومُ مقتل عثمان بن عفّان — رضي الله عنه — كان اليوم الذي انكسر فيه ميزان العدالة.

لم يُقتل عثمان فقط… بل قُتلت معه:

  • هيبة الدولة
  • وحدة الأمة
  • مفهوم الشرعية
  • مبدأ القصاص

ومن رماد تلك اللحظة خرجت كل الفتن: الجمل، صفّين، النهروان، كربلاء… وظهر بعدها التشيع، الأسطورة، والانقسام المذهبي.

لقد كان سقوط العدالة هو بداية سقوط الوعي.

١ — عثمان لم يُقتل… بل أُسقِطت الدولة

ما جرى لم يكن «ثورة»، ولا «غضبًا شعبيًا»، ولا «حدثًا عابرًا». بل كان أول انقلاب سياسي في الإسلام.

الثائرون لم يكونوا من الصحابة، ولا من الأنصار، ولا من أهل بدر… بل من:

  • الغوغاء
  • المنافقين
  • أهل الأهواء
  • جماعات التحريض من الكوفة ومصر
  • القتلة المحترفين

حاصروا خليفة المسلمين… منعوه من الماء… ثم قتلوه وهو يقرأ القرآن.

الجريمة لم تكن ضد عثمان فقط… بل ضد الدولة نفسها.

والأخطر من ذلك: أن القتلة لم يُحاسَبوا… بل صاروا قادة الأحداث بعد ذلك.

٢ — لحظة سقوط العدالة: حين لم يُقم الحد

بعد مقتل عثمان، كان الواجب الشرعي واضحًا:

القصاص العاجل من القتلة.

لكن ما حدث هو العكس تمامًا:

  • لم يُقتَل القتلة
  • لم يُعتقلوا
  • لم يُطاردوا

بل:

  • اندمجوا في جيش علي
  • شاركوا في الجمل
  • أفسدوا صفّين
  • أجبروا عليًا على مواقف سياسية لم يخترها

وهنا وقع السقوط الحقيقي: سقوط العدالة.

فعندما لا يُحاسب القاتل، تتوالد الفتن كما تتوالد النار في الهشيم.

٣ — لماذا لم يقم علي بالقصاص؟

هذا السؤال ليس طعنًا… بل حقيقة تاريخية يجب أن تُفهم. الجواب واضح:

علي لم يستطع تنفيذ القصاص… لأن جيشه نفسه كان يحمي القتلة.

وهذا ما اعترف به علي في نهج البلاغة:

«لو أمرتُ بهم لضُربتُ.»

أي: لو حاول محاسبتهم لقُتل هو أيضًا.

إذن:

علي لم يمنع القصاص لأنه موافق… بل لأنه عاجز.

٤ — لماذا خرجت عائشة وطلحة والزبير؟

خرجوا لا طمعًا في السلطة، ولا رغبة في الحرب، بل لأجل:

المطالبة بالقصاص لعثمان.

وهذا ثابت تاريخيًا وعقليًا:

  • لو أقام علي الحد لما خرجوا
  • ولو حاسب القتلة لما حدثت الجمل
  • ولو ضبط الجيش لما وصلت الأمور إلى صفّين

رأوا القتلة داخل جيش علي… ورأوا عجز الدولة عن ردّ الحق… فخرجوا دفاعًا عن العدل، لا بحثًا عن مُلك.

لم يكن الخلاف على الخلافة… بل على العدالة.

٥ — ولادة «الفتنة الكبرى»: حين اختلط الدين بالسياسة

بعد مقتل عثمان:

  • ضعف علي سياسيًا
  • تقوّى معاوية بشرعية الدم
  • ارتفع صوت الكوفة
  • تفككت الدولة

ثم جاءت الرواية الكوفية لتعيد كتابة الأحداث:

  • «علي مظلوم»
  • «الصحابة خذلوه»
  • «عثمان كان فاسدًا»
  • «معاوية طاغية»

لم تكن هذه رواية التاريخ… بل رواية السياسة.

٦ — سقوط العدالة هو ولادة التشيّع

التشيع لم يولد يوم السقيفة، ولا يوم الجمل، بل ولد عندما:

  • سقط القصاص
  • اختلط القتلة بالجيش
  • عجزت الدولة عن فرض القانون
  • احتاجت الكوفة إلى تبرير خيانتها

فصنعت:

  • أسطورة «مظلومية علي»
  • ثم «الوصية»
  • ثم «العصمة»
  • ثم «الرجعة»

كلها وُلدت من لحظة واحدة: سقوط العدالة.

٧ — لماذا نبدأ الإصلاح من هذا الملف؟

لأن مقتل عثمان هو «الانفجار الأول» الذي غيّر مسار الأمة. كل ما حدث بعده — بلا استثناء — هو نتيجة:

  • سقوط العدالة
  • ضياع شرعية الدولة
  • انتقال المبادرة من الصحابة إلى الغوغاء
  • ولادة التشيع والمظلومية

لا يمكن إصلاح وعي الأمة… بدون إصلاح فهمها لأول كارثة سياسية في تاريخها.

خاتمة

سقوط العدالة يوم قُتل عثمان كان سقوطًا للدولة، وللوحدة، وللوعي.

ومن تلك اللحظة خرجت الفتن، والأساطير، والمذاهب، وانقسمت الأمة على نفسها.

ولهذا جاءت محكمة الفرضيّات التاريخية لتعيد فتح الملفات، وتكسر الروايات المزيفة، وتعيد بناء الوعي على ما حدث… لا على ما رُوي.

الحلقة القادمة: من الجمل إلى صفّين — كيف انقسمت الأمة؟