تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مجلة معاوية بن أبي سفيان

دمُ الخليفة والسلطةُ المُلوَّثة في حُكمِ من حاصرَ وقتلَ وآوى القتلةَ وعطَّلَ القضاءَ ومكَّنَ للفِتنة

دمُ الخليفة والسلطةُ المُلوَّثة في حُكمِ من حاصرَ وقتلَ وآوى القتلةَ وعطَّلَ القضاءَ ومكَّنَ للفِتنة
قتل الغِيلة والقَسامة — دراسة فقهية مقارنة موسّعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

قتل الغِيلة والقَسامة

دراسة فقهية مقارنة موسّعة في صيانة الدماء: حكم القتل غدرًا، وحكم من وُجد قتيلًا ولا يُعرف قاتله — مع أقوال المذاهب الأربعة وأدلتها ومناقشتها، وثمرات الخلاف، والتطبيقات القضائية المعاصرة، وخلاصات الدراسات الجامعية المحكّمة

مقدمة البحث

ليس أخطر على الأمة من قاتلٍ يطعن ثم يختبئ، إلا الذي يطعن ثم يلبس ثوبَ الوصيّ، والذي يحاصر ثم يدّعي أنه جاء يطفئ الفتنة، والذي يُعطّل القضاء ثم يتظاهر بأنه حارسُ العدالة. فالجريمة في ميزان الشرع ليست ضربةَ سيفٍ فقط، بل قد تكون حصارًا يُفضي إلى القتل، وتحريضًا يفتح الباب للسفك، وتواطؤًا يحمي الجناة، وتمكينًا يُعقّد القصاص، ثم ولايةً تُمنح للقتلة بدل أن تُنتزع منهم. وهنا يبدأ السؤال الذي يهرب منه المموّهون، لأن جوابه ينسف البناء كله: ما حكم من آوى الجناة، وأولى القتلة، وعطّل سلطان القصاص، ومكّن للعصابة أن تتحول من متهمٍ إلى شريكٍ في الحكم، ومن يدٍ ملطخةٍ بالدم إلى قوةٍ ضاغطةٍ تملي الواقع على الأمة؟

إن الفقه الإسلامي لم يُبنَ لحماية المجرم الذكي، ولا لفتح مخارج سياسية لمن يختبئ خلف الضباب. بل جاء ليحرس الدماء من جهتين: من جهة الغادر الذي يقتل خفيةً حيث لا يُمكن الاحتراز، ومن جهة القاتل الذي يذيب نفسه في الفوضى حتى تضيع المسؤولية بين الرؤوس. ولذلك شددت الشريعة في قتل الغيلة، وابتكرت باب القَسامة، وقررت أن الدم لا يُطلّ في الإسلام؛ لأن الأمة التي تتسامح مع القتل المموّه، أو مع الحصار المؤدي إلى القتل، أو مع حماية القتلة تحت عنوان «الاجتهاد» و«تأجيل الحسم»، أمةٌ تشرّع لانهيارها بيدها.

وهنا لا يعود البحث في «من باشر الضربة الأخيرة» وحدها، بل فيمن مهّد لها، وغطّى عليها، ومنع إقامة الحق بعدها. فكم من جريمةٍ لم ينجح فيها السيف وحده، بل نجحت بالحاضنة، وبالسكوت، وبالتبرير، وبقلب موازين السلطة حتى صار وليّ الدم أضعف من القاتل، وصار أهل السابقة والهيبة والشرعية محاصرين، بينما أهل الفوضى والسلاح هم أصحاب الكلمة النافذة. وهذه الصورة ليست تفصيلًا هامشيًا في باب الدماء، بل هي عينُ المسألة: لأن من مكّن للقتلة فقد شاركهم في الأثر، ومن عطل القضاء بعد ظهور موجب القصاص فقد نازع الشرع سلطانه، ومن قدّم العصبية السياسية على دم الخليفة المظلوم فقد أسقط هيبة الدولة وفتح باب الاغتيال على الأمة كلها.

من هنا تأتي قيمة هذا البحث: لا بوصفه تمرينًا فقهيًا باردًا، بل بوصفه محكمةً للمفاهيم التي طالما استُعملت لتبييض الجريمة. سنسأل بوضوح لا يعرف المجاملة: ماذا تقول الشريعة في القتل غيلةً؟ ماذا تقول في الدم الذي يُراد له أن يضيع بين التواطؤ والإنكار؟ ماذا تقول فيمن يلتف حول القتلة، ويؤخّر القصاص، ويستقوي بهم، ثم يطلب من الناس بعد ذلك أن يسلّموا له الراية وكأن شيئًا لم يكن؟ هل هذا موضعُ إمامةٍ أم موضعُ إدانة؟ وهل يُعقل أن يكون من أولى الجناة، وعطل القضاء، ومكّن للفئة الخارجة، أهلًا لقيادة الأمة، أم أن هذا الوصف نفسه قرينةُ سقوطٍ سياسي وأخلاقي وشرعي؟

إن هذا البحث يضع النصوص في مواجهة التمويه، والفقه في مواجهة الدعاية، والمقاصد في مواجهة الحيلة. لأنه حين تُذبح العدالة باسم السياسة، ويُحمى القاتل باسم المصلحة، وتُؤجَّل الحقوق حتى يموت الحق نفسه، لا يكون الخلل في حادثةٍ عابرة، بل في قلب الميزان كله. ولذلك فإن باب الغيلة والقَسامة ليس بابًا فقهيًا معزولًا، بل هو مفتاح لفهم سؤالٍ أكبر وأخطر: كيف يتعامل الشرع مع الدم حين يتحول القتل من جريمة فردية إلى مشروع فوضى، وحين يصبح تمكين القتلة هو الجسر الذي يُراد العبور به إلى الشرعية؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن يُفتح من غير خوف، وأن يُطارد إلى آخره من غير مجاملة: ليس فقط من قتل؟ بل من حاصر؟ ومن حرّض؟ ومن آوى؟ ومن عطّل؟ ومن مَكَّن؟ ومن جعل يدَ الجريمة أعلى من يد القضاء؟ هناك تبدأ المحاسبة الحقيقية، وهناك يسقط القناع عن كل خطابٍ رخْوٍ يريد أن يجعل من تمكين القتلة «اجتهادًا»، ومن تعطيل القصاص «حكمة»، ومن ابتلاع دم الخليفة المظلوم «سياسةً شرعية». كلا. تلك ليست سياسة؛ تلك هندسةُ انهيار، وتلك ليست شبهةً تُدرأ، بل جنايةٌ تتسع حتى تبتلع الدولة نفسها.

تمهيد: عصمة الدماء في الشريعة الإسلامية

اتفقت كلمة الشرائع السماوية على أن حفظ النفس من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بصيانتها (الدين، النفس، العقل، النسل، المال)، وجعل الإسلامُ الدمَ المعصوم أعظمَ حرمةً بعد الشرك بالله. قال تعالى:

﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]
«لَزَوالُ الدنيا أهونُ على الله من قتل رجلٍ مسلم»رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني
«أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء»متفق عليه

ومن هذا الأصل الكلي تفرّعت أحكام الجنايات كلها، وتفرّع البابان موضوعُ هذه الدراسة: فباب الغيلة علاجٌ لأخطر صور الاعتداء على النفس (القتل غدرًا حيث لا احتراز)، وباب القسامة علاجٌ لأعسر صور الإثبات (القتل الخفي حيث لا بينة). وكلاهما يشهد لقاعدة جامعة قررها الفقهاء: «الدماء لا تُطَلّ في الإسلام» أي لا تذهب هدرًا.

الباب الأول: قتل الغِيلة — دراسة تأصيلية مقارنة

الفصل الأول: التعريف

أ. في اللغة

الغِيلة — بكسر الغين — من الاغتيال. قال ابن منظور في لسان العرب (مادة: غيل): «قتله غِيلةً، أي في اغتيال وخفية. وقيل: هو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله». وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: «الغِيلة بالكسر: هي القتل خُفية». وفي القاموس المحيط: «الغِيلة بالكسر: الاغتيال». أما بفتح الغين (الغَيلة) فمعنى آخر يتعلق بإرضاع الحامل، ولا صلة له بهذا الباب.

ب. في الاصطلاح

قال ابن عبد البر المالكي: «الغيلة أن يُخدع الرجل أو الصبي فيُدخل بيتًا أو موضعًا فيُقتل فيه، أو يُقتل بموضعٍ لا يراه فيه أحد»الكافي في فقه أهل المدينة
وقال الحطّاب: «قتل الغيلة: أن يقتله لأجل ماله على وجهٍ لا يمكنه معه الاحتراز، كالخديعة»مواهب الجليل لشرح مختصر خليل
وقال ابن فرحون: «القتل على وجه الغيلة لا عفو فيه لأحد، وهو حقٌّ لله تعالى، ومعناه: أن يغتال الرجلَ فيخدعه حتى يصير به إلى موضعٍ يستخفي فيه، فإذا صار إليه قتله وأخذ ماله»تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

فتحصّل من مجموع التعاريف أن أركان الغيلة ثلاثة: الخديعة وإظهار الأمان حتى يطمئن المقتول، والخفية بأن يكون القتل في موضع لا ناصر فيه ولا مستغاث، والباعث الخسيس غالبًا: مال أو عِرض أو نحوهما. وألحق المتأخرون بذلك القتلَ بالسم لأنه لا يمكن الاحتراز منه، نصّ عليه المالكية وذكره ابن تيمية.

ج. صور الغيلة المعاصرة

ذكرت الدراسات الجامعية المعاصرة — ومنها دراسة الدكتور إسماعيل شندي (جامعة القدس المفتوحة، ٢٠١١م) — أن قتل الغيلة يقابله في القانون الجنائي الوضعي «القتل مع سبق الإصرار والترصد»، وأن من صوره المعاصرة: الاستدراج عبر وسائل التواصل أو إعلانات العمل الوهمية، والاغتيال المأجور، والقتل بالسم في الطعام والشراب، وخطف الأطفال وقتلهم للفدية أو لأعضائهم، وقتل سائقي المركبات لسلب مركباتهم. وكل ذلك تتحقق فيه علة الغيلة: تعذّر الاحتراز.

الفصل الثاني: تحرير محل النزاع والفروق

موضع الاتفاق: اتفق الفقهاء على أن قتل الغيلة من أغلظ أنواع القتل العمد العدوان، وأن فاعله مستحق للقتل إذا طلبه الأولياء وتوفرت الشروط. وموضع النزاع: هل يُقتل قصاصًا فيجري فيه العفو والصلح كسائر العمد، أم يُقتل حدًّا فلا يسقط بعفو ولا صلح؟

وجه المقارنةالقتل العمد المجردقتل الغيلةالحرابة
طريقة الفعلقد يقع علانية، عن ثأر أو غضبخديعة واستدراج وخفيةمجاهرة بالسلاح ومكابرة
إمكان الاحترازممكن غالبًا (دفع، استغاثة)متعذر — الضحية آمنة مطمئنةمتعذر — قوة وقهر
الباعث الغالبعداوة سابقةمال أو عرضمال (قطع الطريق)
الحق الغالبحق الآدمي (قصاص)محل الخلافحق الله (حد)

الفصل الثالث: أقوال الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها

القول الأول: يُقتل حدًّا لا قصاصًا، ولا عفو فيه — مذهب المالكية

وهو مذهب مالك وأصحابه، وقول الليث بن سعد، ورواية عند الحنابلة اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وبه صدر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية بالإجماع (ما عدا الشيخ صالح بن غصون رحمه الله).

قال مالك: «الأمر عندنا في الذي يقتل غيلةً: أنه يُقتل به، وليس لولاة المقتول أن يعفوا عنه، لأنه بمنزلة المحارب»الموطأ، كتاب العقول
وقال ابن تيمية: «قتل الغيلة كقتل المحاربة، يتحتم فيه القتل، ولا يجوز العفو عنه؛ لأن المقتول غيلةً لا يمكنه الاحتراز، فصار قتله كقتل المحارب سواء»مجموع الفتاوى، ونحوه في السياسة الشرعية
وقال ابن القيم: «إذا كان القتل غيلةً... تعيّن قتله حدًّا، ولم يدخل في القصاص الذي يجوز فيه العفو؛ إذ لو دخله العفو لَتُوصِّل به إلى قتل النفوس»انظر: زاد المعاد والطرق الحكمية

أدلتهم:

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا...﴾ [المائدة: ٣٣]
  1. وجه الاستدلال بالآية: أن الغادر ساعٍ في الأرض بالفساد، بل هو أدخل في معنى المحاربة من المجاهر؛ لأن المجاهر يمكن الاحتراز منه بالفرار أو الاستنصار، والغادر لا سبيل إلى الاحتراز منه، فكان أولى بالتغليظ. قال ابن العربي المالكي في أحكام القرآن: «المحارب مَن حمل السلاح وأخاف السبيل، وسواء أكان في مِصرٍ أم في فلاة... والغِيلة أشد».
  2. قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: روى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أن امرأةً من صنعاء غاب عنها زوجها وترك في حجرها ابنًا له من غيرها، فاتخذت بعده خليلًا، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى، فامتنعت منه حتى أجاب، فاجتمع على قتل الغلام هو ورجلٌ آخر والمرأة وخادمها، فقتلوه وقطّعوه وطرحوه في بئر... فكتب عمر إلى عامله: «اقتلهم بها جميعًا، فوالله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتُهم به جميعًا». قالوا: فقتلهم عمر ولم يعرض الأمر على الأولياء، ولم يجعل لهم عفوًا، وكان ذلك بمحضر الصحابة فلم يُنكَر.
  3. حديث الجارية: ما رواه أنس رضي الله عنه أن يهوديًّا رضّ رأس جاريةٍ بين حجرين ليأخذ أوضاحًا (حُليًّا) عليها، فأمر النبي ﷺ أن يُرَضّ رأسه بين حجرين (متفق عليه). قالوا: هذا قتل غيلة لأجل المال، وقد قتله النبي ﷺ حتمًا من غير تخيير للأولياء ولا سؤال عن عفوهم، وقتله بمثل ما قتل.
  4. المعقول من وجهين: الأول: أن علة تحتم القتل في الحرابة هي تعذر الاحتراز، وهي في الغيلة أظهر، فيُلحق بها قياسًا أولويًّا. الثاني — وهو مقصد التشريع —: أن باب العفو لو فُتح في الغيلة لاتخذه أهل الغدر سُلَّمًا: يقتل خفيةً ثم يفتدي نفسه بالمال من الأولياء، فيصير القتلُ تجارةً ويختل الأمن العام؛ فكان الحق فيه للمجتمع كله ممثَّلًا في الإمام، لا للأولياء وحدهم.

القول الثاني: قصاصٌ كسائر العمد، ويجري فيه العفو — مذهب الجمهور

وهو مذهب الحنفية والشافعية والمشهور عند الحنابلة، ونصره ابن قدامة والنووي.

أدلتهم:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى... فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]
«مَن قُتل له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إما أن يُفدى، وإما أن يُقاد»متفق عليه
  1. النصوص عامة في كل قتيل عمدًا، جعلت السلطان للولي والخيرة له، ولم تفرّق بين غيلةٍ وغيرها، والتفريق تخصيصٌ للنص بلا مخصِّص.
  2. الحرابة شرطها عندهم المجاهرة والمكابرة وشهر السلاح، والغيلة استخفاءٌ وخديعة، فالقياس عليها قياسٌ مع الفارق، ويبقى الغادر على أصل القصاص.
  3. أجابوا عن حديث الجارية بأن النبي ﷺ إنما قتله قصاصًا بطلب الأولياء (أهل الجارية حاضرون مطالبون)، وقتلُه بمثل ما قَتل دليلُ القصاص لا الحد، إذ الحد لا يُتحرى فيه المماثلة.
  4. وأجابوا عن أثر عمر بأنه في حكم التمالؤ (اشتراك الجماعة في قتل الواحد) لا في تحتم القتل ومنع العفو.

المناقشة والترجيح

أجاب المالكية عن استدلال الجمهور: بأن العمومات مخصوصة بآية الحرابة وعمل أهل المدينة وقضاء عمر بمحضر الصحابة؛ وبأن مناط الحرابة الصحيح هو تعذر الاحتراز وعموم الخطر لا مجرد شهر السلاح، بدليل أن المحارب في المِصر محاربٌ عند المحققين؛ وبأن حمل حديث الجارية على القصاص المحض تردّه قرينةُ أن النبي ﷺ لم يستأمر الأولياء في العفو أصلًا.

ورجّح جمعٌ من المحققين المعاصرين قولَ المالكية، منهم هيئة كبار العلماء بالسعودية في قرارها المشار إليه، وعللت بأن «قتل الغيلة لا يمكن الاحتراز منه غالبًا، فهو كالحرابة في المعنى، والفساد فيه متعدٍّ إلى المجتمع». وإلى هذا انتهت دراسة شندي المحكّمة مرجحةً «أن قتل الغيلة يجري مجرى الحرابة فيُقتل فاعله حدًّا»، وكذا دراسة جامعة إدلب الفقهية.

الفصل الرابع: ثمرات الخلاف (الآثار الفقهية المترتبة)

المسألةعلى قول المالكية (حدّ)على قول الجمهور (قصاص)
عفو أولياء الدملا يُقبل ولا يُلتفت إليهيُقبل ويسقط به القتل
الصلح على الديةلا يصحيصح برضا الطرفين
اشتراط المكافأة (التكافؤ)لا تُشترط؛ يُقتل الحر بالعبد والمسلم بالذمي إذا قتله غيلةً لمالهتُشترط كسائر القصاص
اعتبار الآلةيُقتل ولو قتل بمثقَّل أو سمعلى الخلاف المعروف في الآلة
مَن يستوفي القتلالإمام وجوبًا (حق الله)الولي بإذن الإمام
إرث دية أو صلحلا دية أصلًا إن قُتل حدًّاتثبت الدية عند العفو عليها

مسألة: هل تنفع الغادرَ توبتُه؟

على قول المالكية ومن وافقهم: من تاب من المحاربين قبل القدرة عليه سقط عنه حق الله لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، لكن حرّر ابن تيمية وابن القيم أن التوبة إنما تُسقط حقَّ الله، أما حق الآدمي (النفس والمال) فلا يسقط إلا بأداءٍ أو استحلال؛ فيبقى الغادرُ التائبُ مطالَبًا بالقصاص أو الدية لأولياء الدم. وفي هذا جمعٌ دقيق بين مقامي الحد والقصاص في هذه الجريمة المركبة.

الفصل الخامس: التطبيق القضائي المعاصر

جرى العمل في القضاء السعودي على قول المالكية بمقتضى قرار هيئة كبار العلماء، وقد عمّم وزير العدل السعودي على المحاكم أن «قاتل الغيلة يُقتل حدًّا ولا عفو فيه، وهو مقدَّم على الحق الخاص». وفي القوانين العربية المستمدة من الفقه الغربي يقابل هذا التشديدُ ظرفَ «سبق الإصرار والترصد» الذي يرفع العقوبة إلى الإعدام، غير أن الفارق الجوهري — كما بيّنت دراسة شندي — أن الشريعة على قول المالكية تسدّ باب إفلات الجاني بعفوٍ أو صلحٍ متى ثبتت الغيلة، بينما تُبقي القوانينُ سلطةَ تخفيف العقوبة بيد القاضي.

الباب الثاني: القَسامة — دراسة تأصيلية مقارنة

الفصل الأول: التعريف

أ. في اللغة

القَسامة مصدرُ أقسمَ إقسامًا وقسامةً: حلف. قال ابن الأثير في النهاية: «هي الأيمان، تُقسَم على أولياء القتيل إذا ادّعوا الدم»، وتُطلق على الأيمان نفسها وعلى القوم الحالفين، ومنه قولهم: «هو من أهل القسامة».

ب. في الاصطلاح

المذهبالتعريف
الحنفيةأيمانٌ يُقسم بها خمسون رجلًا من أهل المحلة التي وُجد فيها القتيل: «بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا». (بدائع الصنائع للكاساني)
المالكيةحلف خمسين يمينًا، أو جزءًا من خمسين، على إثبات الدم عند وجود اللوث. (الشرح الكبير للدردير)
الشافعيةاسمٌ للأيمان التي تُقسم على أولياء الدم عند التهمة الظاهرة (اللوث). (مغني المحتاج للشربيني)
الحنابلةالأيمان المكرَّرة في دعوى قتل المعصوم. (المغني لابن قدامة، وكشاف القناع للبهوتي)

فالجامع: أيمان خمسون مكررة، في دعوى قتلٍ خاصة، عند تعذر البينة الكاملة، بشرط قرينةٍ مرجِّحة عند الجمهور (اللوث)، أو بشرط وجود القتيل في محلةٍ عند الحنفية.

الفصل الثاني: أصل المشروعية

أ. السنة القولية والعملية

حديث سهل بن أبي حَثمة (واللفظ من الصحيحين): خرج عبدُ الله بن سهل ومُحيِّصةُ بن مسعود إلى خيبر — وهي يومئذ صلح — فتفرّقا، فأتى محيِّصةُ إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحّط في دمه قتيلًا، فدفنه ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيِّصة وحويِّصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ... فقال: «أتحلفون خمسين يمينًا وتستحقون قاتلكم — أو صاحبكم —؟» قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نرَ؟ قال: «فتُبرئكم يهودُ بخمسين يمينًا». قالوا: كيف نأخذ أيمان قومٍ كفار؟ فعقَله النبيُّ ﷺ من عنده، وفي رواية: فوداه بمائةٍ من إبل الصدقة.متفق عليه — وهو أصل الباب
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «إنَّ أوَّلَ قَسامةٍ كانت في الجاهلية لَفينا بني هاشم...» — وساق قصة الهاشمي الذي قُتل — ثم قال: «فأقرَّها رسولُ الله ﷺ على ما كانت عليه في الجاهلية»رواه البخاري (أول القصة) ومسلم (لفظ الإقرار)

ب. مَن قال بها ومَن توقف

ذهب إلى مشروعيتها والعمل بها جماهير الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، وحكى ابن المنذر وابن عبد البر أنه قول عامة فقهاء الأمصار. وتوقف فيها أو أنكر القودَ بها نفرٌ يسير: سالم بن عبد الله، وأبو قِلابة — وقصته المشهورة في صحيح البخاري إذ ناظر عمرَ بن عبد العزيز بمحضر الناس فقال: «يا أمير المؤمنين، عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيتَ لو أن خمسين منهم شهدوا على رجلٍ بدمشق أنه زنى ولم يروه، أكنت ترجمه؟... فكيف تقتل بأيمان قومٍ لم يشهدوا؟» — وعمر بن عبد العزيز في آخر أمره، والحكم بن عتيبة.

حجة المتوقفين: أنها على خلاف الأصلين المحكمين: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (والقسامة تجعل اليمين في جانب المدعي)، وأن الحالف يحلف على ما لم يعاينه. وجواب الجمهور: أن السنة الصحيحة الصريحة مقدَّمة على القياس والأصول العامة، وأن القسامة أصلٌ برأسه خُصَّ به بابُ الدماء احتياطًا لها؛ إذ القتل الخفي لا يكون غالبًا إلا حيث لا شهود، فلو أُجري على الأصل لَبطل دمُ كل قتيلٍ اغتيل خفيةً، وصار ذلك ذريعةً لسفك الدماء. قال ابن القيم في الطرق الحكمية ما حاصله: أن اليمين شُرعت في جانب أقوى المتداعيين، واللوث جعل جانب المدعين أقوى، فكانت اليمين فيهم على وفق القياس الصحيح لا على خلافه.

الفصل الثالث: اللَّوْث — الشرط الأعظم عند الجمهور

أ. تعريفه

اللوث لغةً: القوة، وشبه الدلالة. واصطلاحًا: قرينة ظاهرة تُغلِّب على الظن صدقَ المدَّعي في دعوى القتل. قال الشافعي: «اللوث: أن يكون هناك سببٌ ظاهر يُغلِّب على القلب صدقَ المدعي».

ب. أنواعه وأمثلته عند المذاهب

  • لوث العداوة الظاهرة: أن يوجد القتيل في محلة قومٍ بينه وبينهم عداوة أو حرب أو ثأر — كقتيل خيبر بين اليهود — وهو متفق على اعتباره لوثًا عند القائلين به.
  • لوث التفرق عن القتيل: أن تتفرق جماعةٌ عن قتيلٍ في دارٍ أو صحراء، فذلك لوث في حق كل واحد منهم عند الشافعية والحنابلة.
  • لوث الشهادة الناقصة: شهادة العدل الواحد على معاينة القتل لوثٌ عند المالكية والشافعية (في الأصح) والحنابلة؛ وكذا شهادة جماعةٍ لا تكتمل بهم البينة كالنساء والصبيان والفساق على تفصيلٍ وخلافٍ في المذاهب.
  • لوث الحال والقرائن المادية: أن يوجد المتهم قرب القتيل وعليه أو معه آثار القتل — سيف ملطخ بدم وليس ثَمَّ غيرُه ولا سَبُع — نص عليه الفقهاء، وهو أوسع الأبواب لإدخال القرائن الحديثة.
  • لوث التدمية (قول القتيل: دمي عند فلان): اعتبره المالكية لوثًا — وهو المعروف عندهم بمسألة التدمية البيضاء والحمراء على تفصيلٍ في المذهب — لأن المسلم لا يُتهم أن يقذف بدمه بريئًا وهو يعاين الموت؛ ولم يعتبره الجمهور.

فإن انعدم اللوث بالكلية فلا قسامة عند الجمهور، ويحلف المدعى عليه يمينًا واحدة ويبرأ، وينتقل النظر إلى أحكام الباب الثالث.

الفصل الرابع: أركان القسامة وشروطها

  1. في القتيل: أن يكون آدميًّا معصوم الدم، وأن يُوجد به أثر القتل (جرح أو خنق أو نحوه) عند الحنفية؛ فإن لم يكن به أثرٌ فلا قسامة عندهم لاحتمال موته حتف أنفه.
  2. في الدعوى: أن تكون على معيَّن (واحدٍ أو جماعةٍ محصورة) عند الجمهور، محرَّرةً في وصف القتل: عمدًا أو خطأً، منفردًا أو مشاركًا؛ فإن تناقض الأولياء في الوصف بطلت.
  3. في المدَّعى عليه: أن يكون مكلفًا يُتصوَّر منه القتل؛ ولا يشترط إمكان اجتماعه بالقتيل عند بعضهم إذا قوي اللوث.
  4. في المدَّعين: أن يكونوا ورثةً أو عصبةً بالغين؛ واشترط المالكية في قسامة العمد الذكورةَ، وأدخلوا النساء في قسامة الخطأ لأنها مال.
  5. اللوث عند الجمهور كما سبق، أو وجود القتيل في محلةٍ مملوكة أو مسكونة عند الحنفية.

الفصل الخامس: كيفية القسامة ومَن يبدأ بالأيمان

مذهب الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة)

يبدأ المدَّعون فيحلفون خمسين يمينًا: «بالله الذي لا إله إلا هو، لَقَتل فلانٌ فلانًا»، ثم يستحقون بحسب الخلاف في الموجَب. وهذا على ظاهر ترتيب حديث خيبر: «أتحلفون وتستحقون؟» ثم «فتبرئكم يهود». توزيع الأيمان: تُقسَّم الخمسون على الورثة بقدر مواريثهم عند الشافعية، وعلى العصبة عند المالكية في العمد، ويُجبر كسرُ اليمين (مَن أصابه جزءُ يمينٍ حلف يمينًا كاملة)، وإن كان الوارث واحدًا حلفها كلها، واشترط المالكية في قسامة العمد ألا يحلف أقل من رجلين. النكول: إن نكل المدعون أو بعضُهم رُدَّت الأيمان على المدعى عليهم فيحلفون خمسين يمينًا ويبرؤون؛ فإن نكلوا أيضًا لزمهم الحق عند الشافعية والحنابلة، وحُبس المدعى عليه عند المالكية حتى يحلف.

مذهب الحنفية

لا يمين على المدعين أصلًا؛ بل يختار وليُّ الدم خمسين رجلًا من صلحاء أهل المحلة التي وُجد فيها القتيل، فيحلف كلٌّ: «بالله ما قتلتُه ولا علمتُ له قاتلًا»، فإذا حلفوا قضي عليهم بالدية مع ذلك؛ لأن الأيمان لدفع القود، والدية لتقصيرهم في حفظ ناحيتهم، إذ الواجب على أهل كل خُطة حفظُ ما يليهم. واستدلوا بآثار عن عمر رضي الله عنه، منها قضاؤه على أهل وادعة بالقسامة والدية وقوله: «إنما الأيمانُ لتُحقَنَ بها الدماء، والقسامةُ توجب العَقْل ولا تُشيطُ الدم». وضابط المسؤول عندهم مالكُ الخُطة أو سكانُها، فإن وُجد القتيل في فلاةٍ أو نهرٍ عظيم لا يملكه أحد فلا قسامة ولا دية على أحدٍ بعينه.

الفصل السادس: موجَب القسامة — قَوَدٌ أم دية؟

القولأصحابهالمضمونأبرز الأدلة
القود في العمد المالكية، والحنابلة في ظاهر المذهب، ورجحه ابن القيم إذا حلف الأولياء في دعوى العمد ثبت القصاص، ولا يُقتل بالقسامة إلا واحد عند المالكية «أتحلفون وتستحقون قاتلكم؟» وفي رواية لأبي داود: «فيُدفَع إليكم برُمَّته» أي بحبله ليُقاد
الدية لا غير الحنفية، والشافعي في الجديد (المعتمد)، ورواية عن أحمد لا يُستباح الدم بأيمان المدعين، وإنما تثبت الدية على المدعى عليه أو عاقلته أو أهل المحلة القتل يُدرأ بالشبهة، واليمين حجةٌ يجوز فيها الغلط فلا يُراق بها دمٌ احتياطًا؛ ورواية «تستحقون صاحبكم» أي ديته

قال النووي مبيّنًا مأخذ الجديد: «القسامة حجة ضعيفة، لأن صاحبها يحلف على ما لم يعاينه، فلا يُستوفى بها القصاص الذي يُحتاط له بكل طريق». وأجاب المالكية بأن الشرع قوّى جانب المدعين باللوث والأيمان الخمسين حتى صارت كالبينة، وظاهرُ النص التمكينُ من القاتل نفسه.

الفصل السابع: القسامة والقرائن المعاصرة (الطب الشرعي والبصمة الوراثية)

من أخصب مباحث الدراسات المعاصرة: تخريج أدلة الإثبات الجنائي الحديثة على باب اللوث. فقد انتهت بحوث محكّمة — منها دراسات في حجية البصمة الوراثية (DNA) في الشريعة والإثبات الجزائي — إلى ما حاصله:

  1. البصمة الوراثية وتقارير الطب الشرعي (تحديد آلة القتل، زمن الوفاة، آثار المسرح) قرائن قوية تصلح لوثًا تُشرَع به القسامة أو يتقوى به جانب الدعوى؛ لأن الفقهاء نصّوا على أن وجود أثر القتل مع المتهم لوث، وهذه الأدلة أقوى دلالةً من سيفٍ ملطخ بدم.
  2. الجمهور المعاصر على أنها لا تستقل بإثبات القصاص أو الحد، لقاعدة الدرء بالشبهات ولاحتمالات التلوث والخطأ المخبري، فتبقى في رتبة القرينة/اللوث لا رتبة البينة الكاملة.
  3. بهذا التخريج تظهر عبقرية باب القسامة: فهو الإطار الشرعي الجاهز لاستيعاب أدلة العصر — قرينةٌ مرجِّحة + أيمانٌ مغلَّظة + احتياطٌ في الدم — من غير إهدارٍ للدم ولا تسرُّعٍ في إزهاق نفس المتهم.

وقد وثّقت دراساتٌ ميدانية استمرارَ العمل بيمين القسامة قضاءً وعرفًا، منها دراسة «يمين القسامة في الفقه الإسلامي والعرف القبلي المأربي» (مجلة جامعة البيضاء)، ودراسة «القسامة في الفقه الإسلامي والقانون اليمني» (مجلة القلم المحكمة) التي وصفت القسامة بأنها «طريق استثنائي لإثبات القتل عند عدم وجود دليل على متهم معين».

الباب الثالث: من وُجد قتيلًا ولا يُعرف قاتله ولا لوث

هذه خاتمة سلسلة الاحتياط للدماء: إذا انسدّت طرق الإثبات كلها — لا بينة، ولا إقرار، ولا لوث تُشرع به قسامة — لم يذهب الدم هدرًا، وتفصيل ذلك:

١. وُجد القتيل في محلة قومٍ أو دارِهم

عند الحنفية: يُقسِم خمسون من أهلها ما قتلوه ولا علموا قاتلًا، ثم تجب الدية عليهم (أو على عاقلتهم) لتفريطهم في حفظ ناحيتهم كما تقدم. وعند الجمهور: لا شيء على أهل المحلة بمجرد وجود القتيل إن لم تكن عداوة (لوث)، ويحلف من ادُّعي عليه يمينًا ويبرأ.

٢. وُجد في مكان عام لا يُنسب لأحد

(سوقٌ، مسجدٌ جامع، جسرٌ، شارعٌ أعظم، فلاة): فديتُه في بيت مال المسلمين؛ لفعل النبي ﷺ في قتيل خيبر إذ وداه من عنده — قال العلماء: لئلا يَطُلَّ دمُ امرئٍ مسلم — ولقضاء عمر وعلي رضي الله عنهما بذلك. قال ابن قدامة في المغني ما معناه: إن دية من لا يُعرف قاتله في بيت المال، لأن المسلمين يرثون من لا وارث له، فيَعقِلون عنه أيضًا.

٣. من قُتل في تزاحمٍ أو فتنةٍ عمياء

«مَن قُتل في عِمِّيَّا أو رِمِّيَّا، بحجرٍ أو سوطٍ أو عصا، فعقلُه عقلُ خطأ، ومن قُتل عمدًا فقَوَدُ يدِه [وفي رواية: فهو قَوَد]»رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس

العِمِّيّا: الأمر الأعمى الملتبس لا يتبين قاتلُه، كقتيل الزحام في المواسم والجُمَع، وقتيل الفتنة إذا اقتتلت الفئتان. فحكمُه حكم قتل الخطأ: دية على من عُرف من المتسببين، فإن لم يُعرف أحدٌ فعلى بيت المال، وذهب بعض السلف إلى دِيَته على الفئتين المقتتلتين. وقد أفردت الدراسات المعاصرة هذا الفرع بالبحث، ومنها دراسة «جرائم القتل المجهولة وأحكامها — دراسة فقهية» المنشورة في المجلات العراقية المحكمة.

٤. القاعدة الجامعة

القاعدة: «لا يُطَلُّ دمٌ في الإسلام» — فالترتيب: بينةٌ فقصاص أو دية ← فإن تعذرت فقسامةٌ بلوث ← فإن تعذرت فديةٌ على أهل المحلة (عند الحنفية) ← فإن تعذر الجميع فبيتُ المال ضامنٌ. وهو نظام تكافلٍ جنائي لم تعرف النظمُ الوضعية له نظيرًا في اكتماله.
الباب الرابع: الدراسات الجامعية والبحوث المحكّمة في الموضوعين

لمن أراد التوسع الأكاديمي، فهذه أبرز الدراسات العليا والبحوث المحكّمة المتاحة:

في قتل الغيلة

في القسامة

الخاتمة: أهم النتائج وحكمة التشريع
  1. قتل الغيلة قتلٌ بخديعةٍ في خفيةٍ حيث لا احتراز، وهو أغلظ صور العمد إجماعًا، والخلاف في تكييفه: حدٌّ عند المالكية والليث واختيار ابن تيمية وابن القيم وقرار هيئة كبار العلماء، وقصاصٌ عند الجمهور.
  2. أظهر ثمرات الخلاف: سقوط حقِّ العفو والصلح على قول المالكية، وعدم اشتراط المكافأة، وكون الاستيفاء للإمام. وعليه العمل قضاءً في السعودية.
  3. القسامة أصلٌ شرعي ثابت بالسنة المتفق عليها، خُصَّ به باب الدماء احتياطًا، وشرطها الأعظم عند الجمهور اللوثُ، ويبدأ بأيمانها المدعون عند الجمهور وأهلُ المحلة عند الحنفية.
  4. موجَبها القودُ في العمد عند المالكية والحنابلة، والديةُ فقط عند الحنفية والشافعية في الجديد — عملًا بقاعدة درء القتل بالشبهة.
  5. القرائن المعاصرة (البصمة الوراثية، الطب الشرعي) تصلح لوثًا تُبنى عليه القسامة وتتقوى بها الدعوى، ولا تستقل بإيجاب قصاصٍ أو حد.
  6. من لم يُعرف قاتله البتة لم يُطَلَّ دمه: ديةٌ على أهل المحلة عند الحنفية، أو على بيت المال عند الجمهور، ومَن قُتل في عِمِّيّا فعقله عقل خطأ.
  7. المقصد الجامع للبابين: صيانة الدماء من طرفيها — تغليظُ العقوبة حيث يعجز الضحية عن الاحتراز (الغيلة)، وتيسيرُ الإثبات حيث تعجز البينة عن القيام (القسامة)، وضمانُ بيت المال حيث ينسد كل طريق — فتكاملت حلقات النظام الجنائي الإسلامي في حفظ النفس.
تنبيه منهجي: هذا بيان فقهي علمي مقارن، وتطبيقه القضائي — لا سيما في مسائل الدماء — مردُّه إلى المحاكم الشرعية والجهات المختصة في كل بلد.
ثبت المصادر والمراجع

أولًا: كتب التفسير وأحكام القرآن

  • أحكام القرآن — ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣هـ).
  • الجامع لأحكام القرآن — القرطبي (ت ٦٧١هـ)، تفسير آيتي القصاص [البقرة: ١٧٨] والحرابة [المائدة: ٣٣].
  • أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣هـ).

ثانيًا: كتب الحديث وشروحه

  • صحيح البخاري — كتاب الديات؛ وصحيح مسلم — كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات.
  • الموطأ — مالك بن أنس، كتاب العقول (وفيه نصوص الغيلة والقسامة وأثر عمر في الصنعانيين).
  • سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه — أبواب القسامة والديات (وفيها حديث العِمِّيّا وروايات «برُمَّته»).
  • فتح الباري بشرح صحيح البخاري — ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)، شرح باب القسامة ومناظرة أبي قلابة.
  • المنهاج شرح صحيح مسلم — النووي (ت ٦٧٦هـ)، كتاب القسامة.
  • نيل الأوطار — الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ)، أبواب القسامة.

ثالثًا: الفقه المالكي

  • المدونة الكبرى — سحنون عن ابن القاسم عن مالك.
  • الكافي في فقه أهل المدينة، والاستذكار، والتمهيد — ابن عبد البر (ت ٤٦٣هـ).
  • بداية المجتهد ونهاية المقتصد — ابن رشد الحفيد (ت ٥٩٥هـ)، كتاب القسامة وكتاب الجراح (من أنفس ما كُتب في تحرير الخلاف).
  • الذخيرة — القرافي (ت ٦٨٤هـ).
  • تبصرة الحكام — ابن فرحون (ت ٧٩٩هـ)؛ ومواهب الجليل — الحطاب (ت ٩٥٤هـ)؛ والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي — الدردير.

رابعًا: الفقه الحنفي والشافعي والحنبلي

  • المبسوط — السرخسي (ت ٤٨٣هـ)؛ وبدائع الصنائع — الكاساني (ت ٥٨٧هـ)، كتاب القسامة.
  • الأم — الشافعي (ت ٢٠٤هـ)، كتاب دعوى الدم والقسامة؛ والحاوي الكبير — الماوردي؛ ومغني المحتاج — الشربيني.
  • المغني — ابن قدامة (ت ٦٢٠هـ)، كتاب القسامة وكتاب الجنايات؛ وكشاف القناع — البهوتي.
  • مجموع الفتاوى، والسياسة الشرعية — ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ)؛ وزاد المعاد، والطرق الحكمية، وإعلام الموقعين — ابن القيم (ت ٧٥١هـ).

خامسًا: المعاجم وغريب الحديث

  • لسان العرب — ابن منظور (مادة: غيل، قسم)؛ والقاموس المحيط — الفيروزآبادي؛ والنهاية في غريب الحديث والأثر — ابن الأثير.

سادسًا: الدراسات والقرارات المعاصرة (بروابطها)

دراسة فقهية مقارنة موسّعة — قتل الغيلة والقسامة وأحكام مجهول القاتل • أُعدت بالاعتماد على أمهات المصادر والدراسات الجامعية المحكّمة

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.