بيعة السيف والقصاص المعطَّل
هل كان علياً هو "القائد السري" للانقلاب؟
ليس التاريخ سلسلة وقائع معزولة، بل بنية سياسية مترابطة؛ إذا شددت خيطًا دقيقًا فيها انكشفت العقدة الكبرى التي حاول المؤرخون إخفاءها لقرون.
وحين نعيد وصل الخيوط المقطوعة، بدءاً من "عام الرعاف" – حيث كانت القلوب والعقول تتجه إلى الزبير بن العوام بوصفه الأحق – وصولاً إلى "يوم الدار" الدامي، تتجلّى الحقيقة العارية بلا رتوش.
إن موقف "التيار العثماني" (الزبير، طلحة، عائشة، معاوية) لم يكن خروجاً على الشرعية، بل كان كشفاً للوجه الحقيقي للانقلاب الذي أطاح بالخلافة الراشدة واستبدلها بحكم الميليشيات.
التاريخ الذي جرى دفنه عمداً يخبرنا بحقيقة مؤلمة: الزبير بن العوام لم يبايع مختاراً قط. لقد سيق "حواري رسول الله" ورفيقه طلحة بن عبيد الله تحت تهديد سيوف "الأشتر النخعي" وعصابات الغوغاء، وحُشرا في (حُش) -بستان- بني فلان، وقيل لهما بلهجة الإرهاب السياسي:
أيُّ بيعةٍ هذه التي تنعقد والسيف فوق الرقاب؟ وأيُّ شرعيةٍ تُستخرج من "حُشٍّ" مُحاصر بالميليشيات لا من "سقيفة" عامرة بالشورى؟ إن ما حدث كان "اغتصاباً سياسياً" للسلطة.
أخطر ما في هذه المرحلة ليس اتهامات الخصوم، بل اعترافات صاحب السلطة الجديد نفسه. لقد أدرك علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- منذ اللحظة الأولى أن البيعة التي جاءت به هي "بيعة أزمة" فرضها القتلة، فقال:
وحين طالبه الصحابة بالقصاص من القتلة الذين يعسكرون في جيشه، أطلق عبارته التي تعتبر "شهادة وفاة" لهيبة الدولة:
لم يخض "التيار العثماني" معركته بالعاطفة، بل بمعادلة سياسية ومنطقية صارمة وضعت علياً في الزاوية، وكشفت المستور عبر ثلاثة احتمالات لا رابع لها:
- 1. إما أنك بريء من دم عثمان: فيجب عليك فوراً القبض على القتلة وإقامة حد الحرابة (وهو ما عجز عنه باعترافه).
- 2. وإما أنك تحميهم وتستنصر بهم: فأنت شريك في "الإيواء"، وبالتالي أنت خصم يجب قتاله لا خليفة تجب طاعته.
- 3. وإما الخيار الأخطر (وهو الراجح بالقرائن): أن تكون أنت المحرض والقائد العسكري السري للانقلاب، وما تعطيلك للقصاص وتمييعك للعدالة إلا إثبات بأنك "حليفهم السري" الذي صعد على أكتافهم.
لفهم حجم الكارثة، يجب تصحيح حديث مروان بن الحكم عن "عام الرعاف". حين اشتد المرض بعثمان، لم يوصِ لبني أمية، بل اتجهت نيته إلى الزبير بن العوام.
لماذا الزبير؟ لأن عثمان كان يدرك ما يحاولون طمسه اليوم: الزبير ليس غريباً عن البيت النبوي. إنه ابن عمة النبي (صفية بنت عبد المطلب)، وخالته هي أم المؤمنين خديجة. فاختياره كان جمعاً بين "الكفاءة" وبين "قرابة الدم" بالنبي، وقطعاً للطريق على الطموحات الشخصية الأخرى.
يحاولون تصوير علي بن أبي طالب بالزاهد في الحكم، لكن الأدلة الصحيحة تكشف عن "طموح سياسي" قديم ومبكر، لجمه الخوف من "الرفض النبوي".
في الحديث الصحيح (المسند لأحمد)، قال علي لعمه العباس حين أراد العباس أن يسأل النبي ﷺ عن الإمارة في مرضه:
لماذا خاف من السؤال؟ لأنه كان يخشى أن يقول له النبي ﷺ "لا"، فيصبح "فيتو" أبدياً يمنعه من السلطة. هذا الموقف يكشف عن نفسٍ تواقة للحكم، تتحين الفرص، وتخشى النص القاطع الذي يحرمها منه.
ويؤكد هذا ما قاله له الصحابي الجليل المقداد بن الأسود يوم الشورى حين بويع عثمان: "يا علي، لا تجعل لنفسك عليك حقاً" (تاريخ ابن كثير)، في إشارة واضحة لتحذيره من اتباع هوى النفس في طلب السلطة.
تتراكم الأسئلة التي لا يملك الطرف الآخر إجابة عليها، والتي تشير بأصابع الاتهام بوضوح:
- لماذا لعب دور "الوسيط" لقتلة عثمان عند خصومهم (كما ذكر الطبري) بدلاً من أن يكون سيفاً عليهم؟
- لماذا لم يقتص من قتلة عثمان ولو برقبة واحدة لتهدئة الأمة؟
- لماذا لم يُصلِّ علي على عثمان؟ وهو الإمام والمصاهر؟!
- لماذا ترك المدينة المنورة (مركز الشرعية الإسلامية) ونقل العاصمة إلى الكوفة (موطن الفتن والجيوش المتمردة)؟ أليس هذا هروباً إلى "الحاضنة الشعبية" للانقلابيين؟
- لماذا قاتل طلحة والزبير (المبشرين بالجنة) بدلاً من مطاردة قتلة الخليفة؟
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.