يزيد بن معاوية: بين “محكمة الوقائع” و“محكمة الدعاية”
في كل عصر تُدار فيه الذاكرة كسوقٍ للغضب، يُنتج المؤرخون صنماً جديداً: رجلاً تختصره الأمة في حادثة واحدة، ثم تُسمّي هذا الاختصار تاريخاً. وقضية يزيد بن معاوية هي النموذج الأوضح: سيرة يُراد لها أن تُقرأ من ثقب الباب (الداخل) لا من شرفة الدولة (الحدود والثغور). ميزان المجلة لا يشتغل بعاطفة منفلتة ولا بتبرير أعمى، بل بقاعدة واحدة: الدولة تُقاس بقدرتها على الاستمرار تحت الضغط، لا بارتفاع الضجيج فوقها.
خطة المقال
- التمهيد: سردية التشويه وحدودها
- السلسلة الذهبية: وراثة السيادة كابراً عن كابر
- الثمرة الناضجة: يزيد بين النشأة والتهيئة
- خلافة الحق والبيعة الشرعية: منطق الدولة لا ترف المثاليات
- حديث مدينة قيصر ودلالة الإمارة: منقبة حديثية ومعيار ثقة عسكرية
- الجبهة الغربية: إعادة عقبة بن نافع وفتح المحيط
- الجبهة الشرقية: خراسان وسجستان وعبور النهر
- الجبهة الشمالية: الصوائف والشواتي… الدولة التي لم تُطفئ حدودها
- قوة الهيبة والحزم الإداري
- خاتمة محكمة: إنصاف بلا تزييف
التمهيد: سردية التشويه وحدودها
أخطر ما في التشويه أنه لا يحتاج كذباً صريحاً دائماً؛ يكفيه الانتقاء: أن تضع العهد كله داخل غرفة الفتن، ثم تُطفئ الأنوار في ممرات الدولة الطويلة: الروم، إفريقية، خراسان، وما وراء النهر. بهذا فقط يُصنع الانطباع، ويُنتزع الزمن من سياقه، ويُستعمل الصمت عن الجهاد الخارجي شرطاً لتمرير حكاية الداخل وحده.
حكم يزيد من 680 إلى 683م تقريباً، أي ثلاث سنوات وشهوراً، وهذا الإطار الزمني مثبت في المراجع الحديثة العامة (انظر: Encyclopaedia Britannica). وفي هذه المدة كانت الخلافة تواجه تحديات الداخل، ومع ذلك بقيت الدولة تُحرّك جبهاتها.[ ]
قاعدة العمل: لا نعطي أحداً حصانة بلا دليل، ولا نقبل مقصلة بلا برهان، ولا نسمح لمدرسة الدمعة السياسية أن تُلغي مدرسة وثيقة الدولة.
السلسلة الذهبية: وراثة السيادة كابراً عن كابر
عندما نقول وراثة سيادة، فنحن لا نتغنى بالدم، بل نصف مدرسة قرار وإدارة: بيتٌ كان قلبه في مكة ثم صار قلبه في الشام، ينتقل من نفوذ قبلي إلى عقل دولة. تاريخياً، كانت قريش وبنو أمية من أكثرها نفوذاً وثراءً قبل الإسلام، وهو عامل سياسي معروف في تكوين القيادات المكية ثم الأموية.[ ]
هذا المعنى الوظيفي هو الأهم: من يملك شبكة الولاء ومفاتيح التموين ورجال الحرب يُصبح “قابلاً للدولة” في زمن التوسع. هنا لا نطلب إعجاباً، بل نفهماً لآلية تشكّل القرار السياسي في القرن الأول.[ ]
الثمرة الناضجة: يزيد بين النشأة والتهيئة
تذكر مصادر عربية تاريخية أن يزيد وُلد سنة 26 هـ تقريباً، وأن نشأته ارتبطت ببيئة الشام وبالاحتكاك بقبائلها. وتشير مواد موسوعية حديثة إلى أن سنة مولده محل خلاف، لكنها تضعه في منتصف أربعينات القرن السابع الميلادي وتثبت وفاته سنة 683م (انظر: Wikipedia كمصدر استئناسي، مع اعتماد الإطار الزمني العام على Britannica).
لماذا يهم هذا؟ لأن محاكمة رجل دولة تبدأ من أدواته: بيئة الشام عاصمة القرار والجند والإدارة، ومدرسة أبيه معاوية التي لا تُدار بالارتجال، بل بالمواثيق والولاة والحدود.[ ]
خلافة الحق والبيعة الشرعية: منطق الدولة لا ترف المثاليات
البيعة ليزيد حصلت في سياق سياسي شديد الحساسية: دولة واسعة، ذاكرة فتنة لم تجف، وحدود لا تنتظر. لذلك فإن قراءة البيعة كتوريث مجرد وحده قراءة مبتورة؛ لأن منطق الدولة في القرن الأول الهجري كان ينظر إلى وحدة الجماعة كأصل سياسي يسبق ترف التصورات اللاحقة.[ ]
سيبقى الجدل قائماً حول النموذج الأمثل، لكن الثابت تاريخياً أن انتقال السلطة وقع، وأن الدولة واصلت إدارة الثغور إلى أن انفجرت أزمات الداخل بأشكالها المختلفة.[ ]
حديث مدينة قيصر ودلالة الإمارة: منقبة حديثية ومعيار ثقة عسكرية
في صحيح البخاري يرد حديث أم حرام: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم (انظر: Bukhari 2924). وتضيف شروح الحديث أن إمارة ذلك الجيش كانت ليزيد بن معاوية، وأن الغزوة وقعت في زمن معاوية، وفيها من كبار الصحابة من عُرف ذكرهم في المصادر (انظر: فتح الباري).
ابن حجر يذكر أيضاً نقاش العلماء في معنى “المغفرة”، وهل هي مطلقة أو على الأغلب وبشرط السلامة من الكبائر. ويؤكد ذلك أن الوعد لا يُبطل المحاسبة الشرعية، لكنه يبقى وساماً حديثياً لا يُمحى لمجرد الهوى السياسي (انظر أيضاً: فتوى إسلام ويب).
«أولُ جيشٍ من أمتي يغزون مدينةَ قيصر مغفورٌ لهم»
الجبهة الغربية: إعادة عقبة بن نافع وفتح المحيط
في أخبار سنة 62 هـ تذكر المصادر أن يزيد أعاد ولاية إفريقية إلى عقبة بن نافع، وأن عقبة خرج بجيشه حتى وصل إلى شاطئ البحر، ويُروى عنه قوله المشهور عند المحيط (انظر: خبر ولاية عقبة، والكامل في التاريخ). هنا لا نقف عند جمال العبارة بقدر ما نفهم قيمة القرار: إعادة القائد المجرّب إلى ثغر حساس تعني قراءة استراتيجية لدفع الدولة غرباً.
لو كانت الدولة “منهارة” كما تُصوَّر، لما استطاعت أن تُنتج هذا النوع من الحملات البعيدة: تمويناً وطرقاً وتحالفات قبائل وإدارة ثغور. الفتن الداخلية تلتهم المركز عادة، لكن هنا نرى المركز ما يزال يُصدر أوامر ويُحرّك جبهة.[ ]
المشهد الخالد: «يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك».
الجبهة الشرقية: خراسان وسجستان وعبور النهر
في سنة 62 هـ أيضاً تذكر روايات التاريخ أن يزيد ولّى سلم بن زياد على خراسان وسجستان، وأن الغزو بلغ السغد، مع أخبار عن عبور النهر والوصول إلى سمرقند وما حولها في سياق تلك الحملة.[بحاجة إلى مصدر]
هذه ليست تفاصيل تزيينية؛ إنها خريطة توسع: خراسان بوابة الشرق، وعبور النهر مؤشر على أن آلة الفتح لم تُسحب من الخدمة، بل استمرت ضمن قدرة الدولة على تمويل الجبهة وتدوير قادتها.[ ]
تنبيه تاريخي ضروري
تفاصيل الغزوات الشرقية تختلف في بعض الروايات، لذلك نثبت الخط العام، ونحيل إلى مقابلة المصادر عند التوسع.[ ]
الجبهة الشمالية: الصوائف والشواتي… الدولة التي لم تُطفئ حدودها
الحدود البيزنطية كانت ميزان حرارة الخلافة: إذا تعطلت الصوائف والشواتي فاعلم أن الدولة فقدت نبضها. ومن الأخبار التي تُستعمل لإثبات استمرار الغزو ما يورده خليفة بن خياط في سياق سنوات يزيد، إضافة إلى أخبار طبريّة في وقائع الصوائف (انظر: تاريخ خليفة بن خياط).
المغزى السياسي واضح: الدولة في عهد يزيد كانت تتحرك على أكثر من محور، وهذا وحده يهدم أسطورة الفراغ التي تُلصق بالعهد.[ ]
قوة الهيبة والحزم الإداري
الخصم يقول: الداخل انفجر. نعم، وقع انفجار سياسي، لكن السؤال الأهم: هل توقفت الدولة كآلة؟ إن أخبار الولاة والجيوش والتحركات في الأطراف تعني أن المركز ظل قادراً على التعيين والتمويل وضبط خطوط الإمداد.[ ]
الدولة ليست خطبة الجمعة؛ إنها أوامر وتنفيذ. قد ينهار الخطاب الأخلاقي في أعين الناس بسبب الفتنة، لكن استمرار الجبهات يعني أن عصب الدولة لم يُقطع.[ ]
خاتمة محكمة: إنصاف بلا تزييف
إذا أردت أن تنصف يزيد بن معاوية في ميزان التاريخ لا في ميزان القبيلة السياسية، فابدأ من الحقائق: الحديث ثابت في البخاري، وابن حجر عدّه منقبة وذكر إمارة يزيد، وفي الغرب إعادة عقبة وخروجه حتى شاطئ البحر، وفي الشرق تولية سلم بن زياد وأخبار العبور، وفي الشمال استمرار الصوائف. من يختزل هذا العهد في الداخل فقط لا يكتب تاريخاً بل منشور تعبئة.
هوامش وتوثيق
- حديث “أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر” (صحيح البخاري 2924): sunnah.com/bukhari:2924
- فتح الباري لابن حجر، باب ما قيل في قتال الروم (ذكر إمارة يزيد ونقاش معنى المغفرة): islamweb.net/ar/library/content/52/5319/باب-ما-قيل-في-قتال-الروم
- خبر ولاية عقبة بن نافع على إفريقية سنة 62هـ (نص مستقل): islamweb.net/ar/library/content/200/18290
- الكامل في التاريخ (خبر سنة 62هـ): islamweb.net/ar/library/content/126/608
- موسوعة بريتانيكا: Yazid I (680–683م): britannica.com/biography/Yazid-I
- فتوى إسلام ويب حول حديث “أول جيش…” وإمارة يزيد والتنبيه على المآخذ: islamweb.net/ar/fatwa/69079
- صفحة موسوعية للاستئناس الزمني: wikipedia.org/wiki/Yazid_I
- خليفة بن خياط، التاريخ: ia903401.us.archive.org/16/items/tatikh_khalefa_pdfbook_ara/tkhalefa.pdf
- يُستدلّ لمعنى وحدة الجماعة ومنع الشقاق بأحاديث كتاب الإمارة: «مَن أتاكم وأمركم جميع… يريد أن يفرّق جماعتكم…» (مسلم 1852) و«إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (مسلم 1853)، مع تقرير النووي في شرح مسلم بأن عقد الإمامة لخليفتين لا يجوز وذكره الإجماع في ذلك: sunnah.com/muslim:1852a، sunnah.com/muslim:1852c، sunnah.com/muslim:1853، islamweb.net/ar/library/content/53/5616. ولتعليل الخشية من التفرّق في بعض التحليلات اللاحقة: islamqa.info/en/answers/186682
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.