تطهيرُ الموروث قبل أن ينفجر فينا

لسنا هنا في ترفِ إعادة قراءة ولا في هواية جدالٍ يُغري بالتصفيق. نحن أمام معيارٍ ينقضّ على التاريخ كما ينقضّ السيف على الزور: الدمُ الحرام فرقانٌ؛ إمّا أن يكون ميزانَ الشرعية، وإمّا أن يتحوّل بالتأجيل والتبرير إلى مصنعِ حصاناتٍ مزوّرة تُنتج دولًا رخوة وضمائرَ معطوبة وسردياتٍ تُربّي القاتل في حجر المقدّس.


خريطة المقال

  • ميثاق البراءة العثمانية: لا حصانة تعلو على الدم الحرام.
  • اللحظة الإبراهيمية: إسقاط الأصنام البشرية عند حدّ القصاص.
  • سلسلة التخريب: كيف تتحوّل الروايات إلى متاريس تحمي القتلة.
  • الأثر الدموي والسردي: من الباطنية السياسية إلى هندسة الهلال الحديث.
  • منهج المواجهة: المحجّة البيضاء ميزانًا والقصاص عنوانًا.
  • نداء للأمة: إغلاق منافذ التترّس وفضح الحياد حين يصير خيانة.
  • اعتراضات متوقعة والرد عليها لضبط المنهج.

دعوى الميثاق: براءةٌ عُثمانية حين يكون الدمُ فرقانًا

«يا قوم.. إني بريءٌ مما تشركون». على خُطى الخليل إبراهيم، لا نستعير اللفظ للزينة؛ نستدعي منطق البراءة: براءةٌ من صنمٍ يُعبد حين يمنع القصاص، لا من حجرٍ يُكسر. لا حرمة لنسب، ولا قداسة لسابقة، ولا عصمة لمخلوق إذا صار رداءُه حاجزًا دون القصاص أو ظلُّه مأوى للمارقين.

هنا يخرج الولاء والبراء من التلاوة إلى التطبيق: ولاءٌ للحقّ حيث وقف، وبراءةٌ من الباطل حيث احتمى. ومن هذه الزاوية يصبح قميص عثمان رايةَ تمييزٍ بين فسطاط العدل والقصاص وفسطاط الغوغاء والتترّس بالدم. لا بيعة لمن ضيّع الدم، ولا سمع ولا طاعة لمن صافح القتلة أو احتمى بهم أو سوّغ لهم مخرجًا شرعيًا.

كل حصانةٍ تعلو على الدم الحرام صنمٌ جديد؛ إسقاطها شرطُ بقاء الشرعية.

الدليل المؤسِّس: اللحظة الإبراهيمية وإسقاطُ الحصانة

البراءة عند إبراهيم عليه السلام لم تكن رفضًا لتماثيل؛ كانت إعلانَ حربٍ على رموزٍ تُستعمل لاستعباد العقل وإغلاق باب الحقيقة: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ}. اليوم تُعاد صناعة الأصنام بأدواتٍ أشد خبثًا: عصمة تُسوَّق بلا نصّ، وسيادة تُمنح بسلطة الانفعال لا بسلطة الدليل، وحرمة تتحول إلى حصانة جنائية ضد القصاص.

هنا تنقلب الموازين: الشرعية تسقط لحظة يصير الرداء ملجأً للغوغاء أو مظلّة لتعطيل القصاص؛ لأن الشرعية وُضعت لحفظ الدين والدم، لا لإدارة الجريمة. والمنطق النبوي واضح في تحريم الإيواء بوصفه مشاركةً في الإثم: حديث «المدينة حرمٌ… من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله…» ثابت في صحيح مسلم، ومعناه العملي أن من يحمي الجريمة شريكٌ في وزرها وظيفيًا وشرعيًا.

من هنا نفهم موقف طلحة والزبير وعائشة، ومعهم حزم معاوية بن أبي سفيان: لم يفاوضوا على مكانة أشخاص، بل واجهوا منطق الحصانة حين يُصادر القصاص.

سلسلة التخريب: الروايات كمتاريس لحماية القتلة

الخراب لا يبدأ من السيف؛ يبدأ من الجملة التي تُعاد حتى تصير دينًا: تبرير التأجيل، تطبيع التناقض، تسويق القاتل داخل الجماعة باسم تهدئة الفتنة، ثم فرض الصمت بوصفه ورعًا وحكمة. هكذا تنتقل الرواية من خبر إلى متراس يؤدّي ثلاث وظائف سياسية: إسقاط معيار الدم، إعادة تعريف الجريمة لصالح الجاني، واتهام القصاص بالفتنة.

عند هذه النقطة تولد أخطر بدعة سياسية: بدعة الحياد في الدم. الحياد هنا ليس ترفعًا؛ هو نقل الجرح من ساحة القضاء إلى ساحة الأسطورة حيث تُدفن المسؤولية وتُرفع رايات البكاء.

الأثر الدموي والسردي: من الدولة الباطنية إلى هندسة الهلال الحديث

حين يختل معيار العدل داخل الأمة، تظهر قوى تتقن استثمار العاطفة وتستعملها كرافعة نفوذ. في القرن الرابع الهجري انتقل النفوذ الفعلي في بغداد إلى الأمراء البويهيين فصار الخلفاء العباسيون تحت سلطانهم، وبقي اسم الخلافة غطاءً سياسيًا. وفي المغرب ثم مصر قامت الدولة الفاطمية (909–1171) كدولة دعوية سياسية امتدت وبنت القاهرة مشروعًا لمزاحمة العباسيين.

حديث الهلال الشيعي مصطلح سياسي حديث شاع بعد تحذير الملك عبد الله الثاني سنة 2004، واستُخدم إطارًا لتفسير اصطفافات إقليمية؛ وقد حذّرت دراسات من إسقاط قالب طائفي جاهز يزيد الاشتعال. القاسم المشترك: كل سردٍ يُعطّل القصاص ويصنع الحصانات يفتح الباب لاستثمارٍ سياسي يوسّع الخراب.

منهج المواجهة: المحجّة البيضاء ميزانًا والقصاص عنوانًا

كتاب الله ميزانٌ يفضح التترس بالدم، والسنّة المنقّحة قفلٌ شرعي ضد تحويل الجريمة إلى حماية.

الدواء منهج: ميزان أول هو كتاب الله لقياس المعنى السياسي: هل يصون الدم أم يبرر تعطيله؟ ميزان ثانٍ هو السنّة المنقّحة التي تثبّت تحريم الإيواء وتجريم الملاذ للمارقين، وحديث الإيواء في الصحاح حاضر كقفل شرعي. ميزان ثالث هو سبيل المؤمنين الأول في التعامل مع الدماء حدًا لا يُساوَم عليه.

قاعدة الأخبار: ما وافق الأصول قُبل، وما خالفها رُدّ ولو لمع اسمه، وما اضطرب أُوقف حتى تقوم البيّنة. ترك الروايات المسمومة دون تفكيك ليس حيادًا؛ هو تفريط في معيار الأمة.

اعتراضات متوقعة والرد عليها

اعتراض 1: المطالبة بالقصاص تُشعل الفتنة وتفتح باب الدماء. الرد: الفتنة تنشأ حين يُعطَّل الحق ويُترك الدم بلا حكم؛ إقامة القصاص بضوابطه الشرعية تغلق باب الثأر وتعيد هيبة الدولة، كما فعل عمر بن الخطاب في كل حدٍّ حُكم به على قريب وبعيد.

اعتراض 2: حماية بعض الرموز ضرورة لحفظ وحدة الجماعة ولو تأخر القصاص. الرد: الوحدة لا تُشترى بتجميد الحد، لأن الشرعية تسقط لحظة يصبح الرداء ملاذًا للغوغاء. السيرة العملية للصحابة بعد مقتل عثمان تُظهر أن وحدة الجماعة عُلّقت على إقامة الحق لا على تعويم الجريمة.

نداءٌ للأمة: سدّ الثغرات وفضح الحياد

الصمت عند اشتعال الفتنة موقف يقوّي المتراس الذي يحمي الجريمة. الحياد حين يكون الدم موضوع النزاع ليس حيادًا؛ هو انحياز مستتر. واجب الأمة عملي وواضح: إغلاق منافذ التترّس سياسيًا ورواييًا، مساندة الجهد العلمي لفرز الصحيح من المسموم، وتجريم فكرة أن المكانة تعطل العدالة.

من لم يكن في خندق العدل والقصاص فهو، شاء أم أبى، يرمّم خندق الحصانة.


خاتمة محكمة

قميص عثمان ليس شعار فتنة؛ هو اختبار شرعية: إما عدل وقصاص يحفظان الجماعة، وإما غوغاء رواية وحصانة دم. كل رواية تُبقي القاتل في مأمن لغمٌ مؤجّل؛ تفكيكها واجب وتقديسها خيانة. كتاب الله ميزان، والسنّة المنقّحة طريق، وسبيل المؤمنين الأول سقفٌ تُقاس به السياسة قبل العاطفة.

هوامش وتوثيق

  1. سياق براءة إبراهيم: سورة الزخرف، الآية 26: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ}.
  2. حديث «المدينة حرم… من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا…» في صحيح مسلم (كتاب الحج، باب فضل المدينة، رقم 1370 طبعة دار إحياء التراث).
  3. شرح معنى الإيواء بوصفه مشاركة في الإثم: شرح النووي على صحيح مسلم (موضع الحديث نفسه، مع التنصيص على تغليظ الوعيد).
  4. سيطرة البويهيين على بغداد والخلافة العباسية: الكامل في التاريخ لابن الأثير، حوادث 334هـ وما بعدها.
  5. الدولة الفاطمية (909–1171) وبناء القاهرة وتمددها: اتعاظ الحنفاء للمقريزي، ج1 من أخبار الدولة الفاطمية.
  6. مصطلح «الهلال الشيعي» كإطار سياسي حديث: تصريح الملك عبد الله الثاني (واشنطن بوست، 2004) ودراسات نقدية تحذر من التعميم الطائفي على الوقائع المتغيرة.

ملحوظة توثيقية

إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.

شارك المقال

انشر الرابط كما هو، ولا تقطع النص من سياقه.

X Telegram WhatsApp

التعليقات

حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.