أسطورة «الرزية» تحت مجهر النقد السياسي
جناية الرواية الكوفية على التاريخ الراشدي
بناءً على منهجنا في تفكيك السرديات المؤدلجة، لا بالاكتفاء بالحكم على الأسانيد، بل بإخضاع المتون للتحليل العقلي والسياسي، نضع اليوم ما سُمّي درامياً بـ«رزية الخميس» تحت مجهر النقد العلمي.
هذا المقال لا ينازع في صحة النقل عند المحدثين، بل يكشف جناية التوظيف السياسي للرواية، ويُظهر كيف تحولت حادثة عابرة في مرض النبي ﷺ إلى أداة طعن في شرعية الخلافة، وإلى حجر أساس في بناء المظلومية الهاشمية–الكوفية.
أولاً: قاعدة «ابحث عن المستفيد» – التوظيف السياسي لابن عباس
عند قراءة عبارة: «الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب»، فإن السؤال المنهجي الأول ليس: هل صح السند؟ بل: من القائل؟ ولماذا؟
القائل هو عبد الله بن عباس، "حبر الأمة بلا نزاع"، لكنه في الوقت ذاته القطب الهاشمي السياسي الذي كان يرى الخلافة حقاً لبني هاشم. هذا التفجع ليس نصاً نبوياً، بل تعليق سياسي من الراوي، يعكس حسرة سياسية لا فريضة دينية.
في النقد الحديث، لا تُقبل شهادة من كان خصماً وحكماً في آن واحد. فكيف تُبنى عقيدة «الوصية المغدورة» على تعليق صادر من صاحب مصلحة مباشرة في نتيجة الحدث؟
ثانياً: الضربة القاضية – ماذا حدث يوم الأحد؟
أقوى ما يهدم نظرية «الوصية الممنوعة» هو ما ثبت في صحيح البخاري بعد حادثة الخميس بثلاثة أيام.
قال العباس لعلي: «اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فلنسأله: فيمن هذا الأمر؟ إن كان فينا علمنا، وإن كان في غيرنا أوصى بنا». فقال علي: «والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعده أبداً».
التحليل العقلي للتناقض:
لو كانت هناك وصية واضحة يوم الخميس، فكيف يجهل العباس وعلي مصير الخلافة يوم الأحد؟
هذا الحوار يكشف حقيقة قاطعة: لا نص، ولا وصية، ولا تعيين. بل إدراك كامل أن الأمر شورى، وأن السؤال الصريح قد يؤدي إلى نفي نهائي.
إذا كان علي نفسه لا يرى في حادثة الخميس نصاً لصالحه، فكيف حوّلها المتأخرون إلى «مؤامرة عمرية»؟
ثالثاً: جناية الراوي الثائر – سعيد بن جبير ونفس الكوفة
العلة الخفية في هذا الملف هي البيئة السياسية للرواية.
راوي القصة هو سعيد بن جبير: عالم جليل، لكنه سياسياً خارجي على الدولة، شارك في ثورة ابن الأشعث ضد عبد الملك بن مروان.
سيكولوجية الثائر تبحث دائماً عن روايات:
– تُضعف صورة السلطة
– تُضخم «المظلومية»
– تُدين الدولة المركزية
ومن هنا نفهم لماذا تُنقل الرواية بصورة تصور «الخليفة» خصماً للنبي، و«أهل البيت» ضحايا مغدورين.
الكوفة، التي سماها الإمام مالك «دار الضرب»، كانت مصنع هذا النفس الروائي المتشنج، الذي يحوّل الوقائع الهادئة إلى مآتم سياسية.
رابعاً: عقدة «أكتب لكم» – اضطراب المتن ومقام النبوة
الإشكال الأول: النبي الأمي ولفظة «أكتب»
كيف يقول النبي ﷺ: «أكتب لكم» وهو الأمي الذي لا يكتب؟
الجواب التقليدي: «أي آمر بالكتابة» – لكن المجاز في أخطر لحظة تشريعية غير مقبول.
الإمام الأندلسي أبو الوليد الباجي ذهب إلى تأويل أخطر، فافترض أن النبي كتب بيده معجزة أو تعلم الكتابة، وهو طرح اضطراري يكشف مأزق الدفاع عن اللفظة.
والمنهج السليم: إذا كان الجمهور يرفض أن النبي كتب بيده، فإن عبارة «أكتب لكم» تصبح لفظة مضطربة في النقل، وليست أصلاً تشريعياً.
الإشكال الثاني: «الرزية» والدين المكتمل
كيف تكون «الرزية كل الرزية» وقد نزل قبل الوفاة بشهرين: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}؟
هذا التفجع ليس نفساً مدنياً راضياً بالقضاء، بل نفس كوفي شيعي يعظم المصيبة ليبني عليها سردية المظلومية.
أهل المدينة لم يعرفوا هذا اللطم السياسي؛ عرفوه لاحقاً من روايات العراق.
خامساً: عصمة النبي أم اتهام الصحابة؟
هذا هو المدخل العقدي الحاسم الذي قرره المازري والقاضي عياض وابن حزم.
يقول ابن حزم بصرامة:
لو كان الكتاب فرضاً من الله، لما تركه النبي ﷺ لاختلاف الصحابة، لأن الأنبياء معصومون في التبليغ.
مجرد أن النبي ﷺ قال: «قوموا»، يعني أن الأمر كان إرشاداً اجتهادياً، لا وحياً ملزماً.
القول بأن النبي كتم الوحي بسبب لغط الصحابة هو طعن في النبوة قبل أن يكون طعناً في عمر.
الخاتمة: الرزية الحقيقية
حديث «الرزية» ليس دليلاً على حق ضائع، بل شاهد على:
– صراع سياسي هاشمي
– توظيف كوفي ثوري
– تضخيم سردي لاحق
الدين لم يُعلّق على قرطاس لم يُكتب، بل اكتمل بنص محفوظ.
ومن يبحث عن عقيدته في «ما لم يُكتب»، فقد ضل عما كُتب وحُفظ.
مجلة معاوية بن أبي سفيان
نحو تصحيح البوصلة التاريخية
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.