ملف دومة الجندل: شفرة البخاري وإسقاط الزيادة اليمانية
تحقيق استقصائي في نقد مرويات عبد الرزاق ومَعمر بن راشد
ليست الأمانة العلمية في تكديس الأسانيد، ولا في تعليق العقل على شماعة “الصحيح”، بل في تحرير المتن من الإدراج، وفصل الحدث التاريخي عن الدعاية السياسية. وفي الحديث رقم (4108) من صحيح البخاري، وضع الإمام البخاري نفسه “فخًّا علميًا” لا يقع فيه إلا من قرأ النص بعينٍ واحدة.
نحن هنا لا نطعن في أصل الرواية، ولا نشكك في ثبوت اجتماع دومة الجندل، بل نفكك الزيادة المشحونة بالدراما النفسية والسياسية التي تسللت عبر طريق يمانيّ متأخر.
فهرس السلسلة
1. شفرة البخاري وأصل الخطبة
ليست الأمانة العلمية في تكديس الأسانيد، بل في تحرير المتن من الإدراج. أورد الإمام البخاري في جامعه (رقم 4108) النص التالي الذي يمثل قمة هيبة الدولة الأموية:
تؤكد الرواية أن هذه الخطبة كانت بعد أن "تفرق الحكمان"، وهو ما يفسر أنها قصة دومة الجندل وليست في زمن ولاية يزيد كما توهم البعض. إن عبارة "فليطلع لنا قرنه" تعني القوة والظهور، وهي دعوة لحسم الفوضى السياسية التي أعقبت استشهاد عثمان رضي الله عنه.
2. تفكيك الزيادة اليمانية
عند مقارنة رواية البخاري بما أورده عبد الرزاق في "المصنف"، نجد تسرباً لزيادات درامية تخدم سردية "المظلومية":
"قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام... فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت".
هذه الزيادة تُسقِطها المجلة للأسباب التالية:
- نكارة عبارة "من قاتلك وأباك": جملة تطعن في إسلام معاوية وأبيه رضي الله عنهما، وابن عمر أورع من أن يُحيي نعرات الجاهلية.
- إقحام حبيب بن مسلمة: حبيب قائد مخلص لمعاوية، وإظهاره كمحرّض هو حيلة سردية لتشويه وحدة الصف الأموي.
"فهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك… قال حبيب: حفظت وعصمت"
هذه العبارات تُسقَط لنكارتها ومخالفتها لمنهج الصحابة في تعظيم الإسلام بعد الفتح.
3. الجرح البيئي: مَعمر وعبد الرزاق
لماذا تفرّدت هذه الرواية بهذه الزيادة؟ الجواب في "البيئة اليمانية". فقد صنف ابن قتيبة في كتابه "المعارف" (ص 624) مَعمر بن راشد وعبد الرزاق ضمن "الشيعة".
ويؤكد ابن سعد أن مَعمر "لما خرج إلى اليمن شيّعه أيوب"، مما يشير إلى تأثر مروياته بجو اليمن البعيد عن دمشق، حيث كانت تُستنبت قصص الفتن. هذا "التشيع اللغوي" أدى لإدراج مناجاة ابن عمر النفسية كأنها حقيقة واقعة، لتصوير معاوية بمظهر المستبد، بينما الحقيقة أنه كان جامعاً للكلمة.
العلة ليست في العدالة، بل في البيئة اليمانية التي شكّلت وعاءً للزيادات السردية في أخبار الفتن.
وثائق التخريج (معرض علمي)
الخلاصة
معاوية خطب بالحق، وابن عمر صمت بالحق، والزيادة وُضعت بالباطل.
المصادر والمراجع
- صحيح البخاري – كتاب الفتن (4108)
- عبد الرزاق الصنعاني – المصنف
- محمد بن سعد – الطبقات الكبرى
- ابن حجر – تهذيب التهذيب
- ابن قتيبة – المعارف
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.