مناظرة ابن عباس للخوارج: المسرحية المؤلَّفة في دهاليز البلاط العباسي
تتردّد في بعض كتب التفسير والحديث روايةٌ مشهورة تزعم أنّ عبد الله بن عباس خرج إلى الخوارج بعد واقعة “التحكيم”، فدخل عليهم وخاطبهم وحاورهم، ثم أبطل شبهاتهم، فرجع منهم أربعة آلاف، وبقيت بقية القوم على ضلالهم. وقد شاع تداول هذه القصة حتى صارت تُستعمل في المجالس العلمية والوعظية كأنها “حقيقة تاريخية” لا تقبل السؤال، مع أن ميزان النقد العلمي لا يرحم ما لم يثبت سنداً ولا يستقم متناً ولا ينسجم سياقاً.
وعند التحقيق الدقيق، لا تصمد هذه الرواية أمام قواعد الصناعة الحديثية ولا أمام منطق الواقع السياسي؛ بل تبدو مثالاً واضحاً لسردٍ رغائبي جرى تسويقه تحت عناوين “المناقب” و“الفضائل”، ضمن بيئةٍ عُرفت بإعادة تشكيل التاريخ وفق مصالح السلطة والهوى، وتمرير صور مثالية لمن يُراد تلميعهم، وصور كاريكاتورية لمن يُراد تشويههم.
أولاً: نقد السند… السقوط من أول الطريق
أقدم طرق القصة وأشهرها ما رُوي من طريق: عبد الرزاق الصنعاني، عن معمر بن راشد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة الجرمي البصري، قال: «جاء ابن عباس إلى الخوارج…» إلى آخر القصة. (انظر: المصنَّف لعببد الرزاق، ج10 ص150 رقم 18678). ولنا معها ثلاث وقفاتٍ فاصلة:
1 - انقطاع بيّن (إرسال واضح): أبو قلابة توفي سنة 107هـ، وابن عباس توفي سنة 68هـ، والواقعة المدّعاة تُساق في سياق سنة 37هـ تقريباً؛ فأبو قلابة يحكي حدثاً لم يدركه، وبلا تصريح سماع ولا واسطة، فهي رواية مرسلة منقطعة، لا تصلح للاحتجاج ولا حتى للبناء عليها في الترجيح التاريخي.
2 - إشكالات عبد الرزاق في هذا الباب: مع أن الرجل إمام في الجملة عند كثير من أهل العلم، إلا أن النقد على رواياته من جهة الميل والهوى حاضر في كلام النقّاد، خصوصاً في أبواب تتداخل فيها السياسة والفضائل. وقد نُقل عن الذهبي في ميزان الاعتدال (ج2/ص610) ما يفيد أنه “كان يتشيع ويحمل على السلف”، ونقل ابن عدي في الكامل (ج5/ص1783) أن عنده “مناكير، وبعض ما يرويه لا يُتابَع عليه”. وهذا النوع من الأبواب—حيث تتغذّى الرواية من مناخ الدعاية—أشد ما يحتاج إلى الاحتراز.
3 - تفرّد مُريب وخروج عن مسار المرويات المبكرة: القصة لا تعرفها كتب المغازي الأولى على نحو يُطمئن—كالواقدي وابن إسحاق—ولا تظهر كخبرٍ راسخ في مدونات أهل الشام ومصر، وإنما تتألق في روايات بيئاتٍ عُرفت بكثرة القصص السياسية والتلوينات المذهبية، حيث تكثر “الحكاية التعليمية” التي تُصاغ لتخدم فكرة جاهزة أكثر مما تُخبر عن واقعٍ مُعقّد.
ثانياً: نقد المتن… مشهد دعائي لا يُصدَّق
1 - هل يُعقل أن يدخل ابن عباس على ستة آلاف خارجي مسلّح بلا حماية؟ المعروف عن الخوارج—في وقائع كثيرة—حدة الغلو وسرعة التكفير واستباحة الدم عند الاشتباه، فكيف يُتصوَّر أن يخترق صفوفهم وحده، ويطيل المقام في مناظرة هادئة، ثم يخرج سالماً؟ هذا تصويرٌ قصصي يُشبه الأدب الوعظي أكثر مما يشبه مسرح السياسة الملتهب.
2 - لغة الحوار “خُطَبيّة” مُصنَّعة: عبارات من جنس: “أتيتكم من عند أصحاب محمد…” تُشبه افتتاحيات الوعّاظ التي تُكتب لتأثير السامع، لا لتسجيل مناظرة واقعية وسط توترٍ أمني. كما أن تتابع الأسئلة والأجوبة يأتي بنظامٍ بلاغي مثالي، وكأنه “نص مُهيّأ” لا سجال حيّ تتداخل فيه الانفعالات والمفاجآت.
3 - أربعة آلاف يذعنون دفعة واحدة؟ هذا رقمٌ ضخم، يصطدم بالسلوك التاريخي المعروف للخوارج من العناد والصلابة، ويصعب تصور انقلاب هذا العدد في مجلس واحد بحجج مرتجلة، ثم بقاء البقية فقط “على ضلالها” وكأن الأمر توزيعٌ مسرحي للأدوار.
ثالثاً: السياق السياسي للرواية… صناعة عباسية
حين يشتد صراع الشرعيات، تُستدعى “الحكاية النموذج” لتأدية وظيفة سياسية: تمجيدُ رموزٍ بعينها، وإخضاع الخصوم لصورةٍ مُشوّهة، وتقديم السلطة في ثوب “حامية العلم والحجة”. وهذه القصة تخدم هدفين واضحين: تلميع ابن عباس (بوصفه رمزاً قريباً من النسب العباسي)، وتحويل الخوارج إلى كتلة ساذجة تهزمها خطبة واحدة، بما ينسجم مع رغبة السلطة في تحقير خصمٍ مزعج ومتكرر.
في هذا المناخ، تُصاغ روايات تُلبس ثوب الفضائل، أو تُمرّر ضمن أبواب المناقب، ثم تُتداول بمرور الزمن كحقائق مسلّمة. وإذا كان الطريق الذي وصلت به القصة مضطرباً، والمتن متهافتاً، والسياق السياسي يصرخ بوظيفتها الدعائية، فإن التعامل العلمي معها لا يكون بالتسليم، بل بوضعها في خانة “السردية الرغبوية” لا “الواقعة المحقّقة”.
والخلاصة: رواية “مناظرة ابن عباس للخوارج” لا تثبت سنداً لانقطاعها، ولا تستقيم متناً لركاكة تصويرها ومبالغاتها، ولا تُفهم سياقاً إلا باعتبارها نصاً وظيفياً تسرّب عبر قنوات الرواية في زمنٍ اشتغلت فيه السياسة على إعادة هندسة الذاكرة. والباحث الجاد لا يجوز له أن يبني عليها وعظاً ولا تاريخاً، بل يقرأها بوصفها نموذجاً لكيف تُصنع الأسطورة عندما يغيب التحقيق.
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.