معاوية بن يزيد "معاوية الثاني" الخليفة "الأُموي" الوهمي الذي صنعه البلاط العباسي !!
من كل شخصيات الدولة الأُموية لا توجد شخصية أكثر اضطراباً واختلاقاً من "معاوية بن يزيد"، فهي شخصية وُلِدَت في دكاكين الورَّاقين العباسية لا في التاريخ البشري الحقيقي، حيث صنعها رواة الكوفة ومؤرخي البلاط العباسي لضرب شرعية الخليفتين الراشدين معاوية ويزيد رضي الله عنهما، فأوَّل ظهور لهذه الشخصية كان متأخراً مع صمت غريب ومريب من المعاصرين وجميع المتقدِّمين، فلا عروة بن الزبير، ولا ابن شهاب الزهري، ولا الشعبي، ولا رواة الشام المتقدِّمين، ولا النقوش، ولا أي مصدر أُموي معاصر يذكر "الخليفة معاوية بن يزيد"، وظهوره يبدأ فقط عند رواة القرن الثالث الهجري، فأقدم نص ذكره ابن سعد (ت 230 هـ) "كاتب الواقدي" عن مجاهيل وبصيغة التمريض في الطبقات الكبرى – ج 5 / ص 66 - ط : دار صادر – بيروت : « وقالوا : وولي الناس بعد يزيدَ بن معاوية ابنُه معاويةُ بن يزيد ، وكان شابًّا قليلَ اللحم ، فمكث يسيرًا ، ثمَّ مات ، وقيل إنه لم يتم له أمر »، فغياب الأثر المتقدِّم أصح علامة على الاصطناع !
السؤال الجوهري هنا: أين خالد؟ فكما هو معلوم أن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية رضي الله عنهما كنيته أبو خالد، وخالد كان موجوداً عند وفاة أبيه، وهو الإبن الأكبر له، وكان حينها طفلاً، والأسئلة الأخرى تتوالى أيضاً: فمن أين خرج لنا "معاوية الثاني" إذاً؟ ولماذا لم يُكنَّى يزيد بـ"أبي معاوية" وهو أسن من خالد كما يتَّضح؟ ولماذا لا تذكره وثيقة واحدة؟ ولماذا لم يظهر في أي نقش أُموي؟
سيرة مبنية على كلمة "قيل"، وهي صيغة تمريض، فلا توجد شخصية في التاريخ يكثر ذكر كلمة "قيل" بهذا الكم الهائل من الإختلاف حول كل أمر مفصلي في حياة هذه الشخصية التاريخية المضطربة والممتلئة بالمغالطات الواضحة والتناقضات الفاضحة؛ ففي سنة الميلاد نجد ست روايات متناقضة، وفي سنِّه عند توليه الحكم تكثر الأقوال وتتأرجح بين غلام حدث السن لا يبلغ العشرين وشاب يافع تجاوز العشرين، وفي مدَّة الحكم من أسبوع وشهر وعشرة أيام وشهرين وثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، وفي سبب الوفاة منهم من قال بمرض عضال أو سقي السم أو طُعن أو خُنق، وحتَّى في من أمَّ المسلمين بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة والدفن وموقع قبره على الحقيقة حيث لا يُعرف له قبرٌ معلوم، وموته بلا عقب والغموض حول مسألة زواجه من عدمها، والحالة الصحية المعتلَّة إذ قيل أنه ولي الخلافة وهو مريض بمرضٍ عضال، فكيف تصح إمامة الخليفة المعتلّ العاجز، وكيف رضيوا به وبايعوه أهل الحل والعقد ورجال الدولة والقادة ؟؟!!
اضطرابٌ كهذا لا يظهر في سيرة رجل حقيقي، بل في سيرة شخصية ملفَّقة مصطنعة، فالوظيفة السياسية للشخصية تظهر بعد وفاة الخليفة يزيد حيث حصل فراغ سياسي كبير في الشام "كما قيل في السردية التاريخية العباسية"، ولكي يغطِّي الرواة ومؤرخي البلاط العباسي ذلك الفراغ اخترعوا خليفة صغيراً ضعيفاً هزيلاً لا يحكم ويموت سريعاً في ظروف غامضة ليكون "جسراً ورقياً" حتَّى يصل أمير المؤمنين مروان بن الحكم رضي الله عنهما ..!!
ابن حجر الهيتمي (ت 974 هـ) نقل هذه الخرافة في "الصواعق المحرقة" بلا سند ولا نقد، واعتمد على قصَّاص حمراء كوفة، ووقع في فخ الرواية العباسية التي تطعن في شرعية خلافة معاوية ويزيد الراشدة، فهو الذي روّج لأسطورة "الخليفة النادم الزاهد"، وابن حجر الهيتمي بالإضافة لكونه من المتأخرين كان أشعرياً صوفياً متشيِّع، ومن الذين سبقوه من المتأخرين وسار على نهجهم ابن الأثير، والذهبي، وابن كثير وغيرهم، فقد نقلوا الروايات المتضاربة دون تمحيص، واعتمدوا على أخبار كوفية شعوبية !
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.