تحريرية
خاصة
الإمام مالك «العثماني»: مهندس السنّة النقيّة… ومنظّر الشرعية قبل أن تُسمّى شرعية
كيف صاغ “عمل أهل المدينة” بوصفه دستوراً غير مكتوب، وكيف تحوّلت فتوى “طلاق المكره” إلى معيارٍ يفضح البيعة القهرية… ثم لماذا فُتحت البوابة من بعده باسم “تقديس الإسناد”؟
في تاريخنا الإسلامي، تُعاد برمجة الشخصيات الكبرى لتناسب “النسخة الآمنة” من السرد: بلا شوكة، بلا جبهة، بلا قرار. الإمام مالك بن أنس تعرّض لهذا الترويض أكثر من غيره. لكن القراءة التي تُمسك بالخيوط لا بالزينة تكشف حقيقة صادمة: مالك لم يكن فقيهاً “محايداً”، بل كان حارس حدود—يبني جداراً عازلاً بين السنّة وبين توظيف الرواية لمشاريع السلطة والخصومة معاً.
قاعدة المقال
مالك لم يكتب “كتاب حديث” فقط؛ مالك هندس منظومة شرعية:
السنّة = عملٌ مستقرّ (تواتر عملي)،
والحديث الآحاد—ولو صحّ سنده—لا يُسمح له أن ينسف ما استقرّ عليه عمل المدينة، لأن المدينة عند مالك ليست جغرافيا؛ إنها ذاكرة الدولة الأولى.
1) “عمل أهل المدينة”: الدستور غير المكتوب… قبل أن يخترع المتأخرون لفظ “الدستور”
عندما يقول مالك: “الأمر عندنا”، أو “السنة عندنا”، فهو لا يكتب رأياً شخصياً، بل يوثّق ما يشبه “النص الأعلى” الذي عاشته المدينة: سلوك جماعي، قضاء عملي، عرف تشريعي—توارثته الأجيال من زمن النبوة والراشدين.
هنا يولد “الفقه الدستوري” المالكي: الشرعية لا تُختزل في نصٍ منفرد إن كان النص—بطبيعته—ظنياً في التفصيل، بينما العملُ العام متواترٌ في التطبيق. لذلك لم يتعامل مالك مع السنّة بوصفها “مخزن نصوص”؛ تعامل معها بوصفها نظاماً حيّاً.
النتيجة السياسية المباشرة
من يملك معيار “العمل” يملك القدرة على كسر أي رواية تُستخدم كقنبلة تعبئة. ومالك كان يعرف أن الرواية قد تُستعمل لإعادة تشكيل “الهوية”، لا فقط لتقرير حكم فقهي.
2) تفكيك الأسطورة: “مالك لم يروِ عن علي ولا عن ابن عباس” — الحقيقة أدقّ وأخطر
بعض الخصومات تُنتج مبالغات: مرةً لتبرئة مالك من السياسة، ومرةً لاتهامه.
الحقيقة التي لا تُجامل:
الموطأ فيه مرويات عن علي بن أبي طالب، وفيه نقلٌ عن ابن عباس—لكن القضية ليست “وجود/عدم”؛ القضية: كيف يمرّ الاسم داخل المنظومة؟
التصحيح المنهجي
في بعض الإحصاءات المتداولة: ذُكر عليّ في الموطأ قرابة ثلاث عشرة مرة، وذُكر ابن عباس أكثر من خمسين مرة بين روايةٍ وفتوى وبيان.2 إذن ليست “صفراً”. لكن القِلّة هنا تحمل دلالة: مالك لا يسمح للاسم أن يتحول إلى “راية نزاع” تُمرَّر عبرها صناعة هوية مضادة.
مثال واضح: عليّ حاضر… لكن عبر قنوات المدينة
يروي الموطأ: “عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس القَسّي وعن تختم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع”.3 هذا نموذج: عليّ حاضر بوصفه صحابياً ناقلاً داخل بنيةٍ مدنية في الإسناد—لا بوصفه “شعاراً سياسياً”.
ومثال آخر: ابن عباس وعليّ كقيمة علمية لا كرمز تعبئة
في الموطأ بلاغٌ مشهور: “بلغه أن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح”.4 لاحظ: مالك ينقل القول بوصفه فهماً لا بوصفه “مفخرة” ولا “أداة صراع”.
فكرة دقيقة جداً
مالك لم يُلغِ أحداً، لكنه يُجرِّد الأسماء من حمولة التجييش: يمرّر العلم… ويغلق بوابة “التقديس الحزبي”. هذا هو الفرق بين إمام يُدير “نظاماً” وإمام يدوّن “مادة خام”.
3) “الحجر الصحي الحديثي”: لماذا كانت الكوفة عند مالك ملفاً أمنياً لا مجرد مدينة؟
لم يبنِ مالك موقفه على كراهية جغرافيا، بل على تشخيصٍ واقعي: بيئات الفتن تُنتج تضخماً في الروايات التي تخدم الاستقطاب. القاعدة المالكية هنا ليست شتيمة؛ إنها سياسة احتراز معرفي: لا تجعل الدين العام رهينة “سوق الرواية” حين يتحكم في السوق الصراع.
| المعيار | منهج مالك | المنهج التجميعي المتأخر |
|---|---|---|
| تعريف السنّة | عملٌ مستقرّ وتطبيقٌ متوارث (تواتر عملي) | الغلبة للخبر والإسناد ولو خالف العمل |
| رتبة خبر الآحاد | يُعمل به بشرط ألا يهدم العمل المستفيض | قد يُقدّم مطلقاً إذا “صحّ” السند |
| فقه السياسة والشرعية | العقد لا ينعقد بالإكراه (الرضا شرط) | تسويغ واسع لشرعية المتغلب عملياً |
| مخاطر “تسييس الرواية” | يُحاصرها بمنطق العمل ومناخ المدينة | ينفتح عليها لأن معيار “العمل” تراجع |
هذه ليست معركة “حديث” ضد “حديث”، بل معركة: نظام حفظٍ ضد تسيّبٍ معرفي. مالك يفكر كمهندس: أين نقاط الاختراق؟ أين البوابة الخلفية؟ وكيف تُغلق؟
4) فتوى تحت السوط: “طلاق المكره”… حين تحوّل الفقه إلى معيار دستوري يهزّ البيعة القهرية
هنا قلب المقال. لأن كثيراً من الناس يظنون قصة محنة مالك “حكاية سيرة”؛ بينما هي في الحقيقة درس دستوري. فتوى مالك: “ليس على مستكره طلاق” لم تكن مجرد جواب أسري؛ كانت قاعدة: العقود لا تنعقد بالقهر.
كيف وقعت المحنة؟ (الوقائع كما نقلها أهل التراجم)
تذكر روايات في كتب التراجم أن مالك مُنع من تحديث الناس بحديث “ليس على مستكره طلاق”، ثم دُسّ إليه من يسأله على رؤوس الناس، فلما حدّث به ضُرب بالسياط.5 وفي رواية أخرى ضمن سياق الوشاية: “لا يرى أيمان بيعتكم هذه شيئاً”… فغضب الوالي، وأُمر بتجريده وضربه، وذُكر أن يده جُذبت حتى انخلعت من كتفه.6
تنبيه تاريخي ضروري
المؤرخون اختلفوا: هل كان مالك يقصد إسقاط البيعة واقعاً ضمن سياق ثورة “النفس الزكية”، أم أن الفتوى كانت فقهية محضة ثم استُثمرت سياسياً؟ المهم دستورياً: القاعدة نفسها—أن الإكراه يبطل العقد—هي التي جعلت السلطة ترتجف من أثرها.7
الترجمة الدستورية للفتوى
- الشرعية ليست غنيمة: لا تُنتزع بالسياط ثم تُسمّى “إجماعاً”.
- العقد السياسي لا يصحّ بلا رضا معتبر، وإلا صار “حكماً قهرياً” لا “إمامة”.
- حماية الجماعة لا تعني تقديس الغلبة؛ تعني منع الفوضى مع حفظ معيار الرضا بقدر الاستطاعة.
هذه هي “القنبلة” الفكرية—مجازاً
لأن من يضع شرط الرضا في العقد، يُسقط من تحت أقدام كل تبريرٍ واسع للبيعة القهرية. مالك لم يحتج لخطابة سياسية؛ قال جملة فقهية… فارتعبت السياسة.
5) لماذا يُسمّى مالك هنا “عثمانياً”؟ لأن مركزه: المدينة قبل الثورة… والشرعية قبل الفتنة
اصطلاح “عثماني” هنا لا يُراد به شعاراً مستهلكاً، بل توصيف “مركزي”: مالك يقرأ الدين من جهة المدينة الراشدة، من جهة الاستقرار قبل أن يُصبح التاريخ ساحة تعبئة. لذلك كان “عمل أهل المدينة” عنده امتداداً عملياً لمرحلة: أبو بكر–عمر–عثمان، ثم ما استقرّ من نظم الدولة بعد ذلك.
عند مالك: السياسة تُوزن بميزان الشرع… لا الشرع يُعاد تشكيله لخدمة السياسة
هذا هو الفارق بين إمام يبني “مناعة”، وبين مدارس لاحقة قد تنشغل بتكثير المادة دون تحصينها من التوظيف. من هنا نفهم لماذا كان مالك “راس حربة” في معركةٍ غير معلنة: معركة تعريف السنّة نفسها.
6) الجريمة المعرفية التي وقعت بعده: حين تراجع معيار “العمل” وتقدّم معيار “المرويات”
بعد مالك، توسّع التجميع الحديثي، وارتفع شعار: “الصحيح يكفي”. النية قد تكون حسنة، لكن النتيجة: تراجع “فلتر العمل”، فدخلت إلى مركز السنّة نصوصٌ تحمل قابلية عالية للتأويل المذهبي والاستثمار السياسي.
الخطر ليس في الإسناد وحده
الإسناد شرط لازم، لكنه ليس وحده “نظام أمان”. مالك كان يضيف طبقة أمان أخرى: ماذا فعلت المدينة بهذا النص؟ هل عاشته الأمة عملاً؟ أم بقي مادة “قابلة للتفجير” في النزاعات؟
7) برنامج الإحياء: كيف نُعيد مالك إلى مركز العالم الإسلامي من بوابة “الفقه الدستوري”؟
الإحياء هنا ليس تعصباً لمذهب، بل استعادة “نظام”: نظام يحمي السنّة من التحول إلى مادة نزاع. هذه خطوات عملية قابلة للتنفيذ في البحث والكتابة والتعليم:
- إعادة تعريف السنّة: السنّة ليست “مجرّد نص”، بل “نظام تطبيق” تراكمي.
- تأسيس معيار “التواتر العملي”: كل ما تعلّق بالعبادات العامة والمعاملات الشائعة لا يُقبل أن يُقلب بخبرٍ منفرد يهدم العمل المستفيض.
- إعادة ترتيب الأدلة: القرآن أصل، والسنّة العملية تليه، ثم خبر الآحاد بضوابطه.
- قراءة السياسة بعين العقد: البيعة عقد، والإكراه يفسد معنى العقد… وهذه ليست ثورة، بل فقه ضبط.
- تنقية “ثقافة التقديس”: لا تقديس للسرديات المتأخرة إذا ناقضت العمل الراشد.
هوامش وتوثيق
- التمييز بين “السنّة” بوصفها عملاً وبين “الحديث” بوصفه رواية آحاد: هذا هو جوهر المعمار المالكي كما في بناء المدرسة منذ ربيعة ومالك. ↩
- إشارة إلى إحصاءات تداولها باحثون: ذكر ابن عباس في الموطأ أكثر من خمسين مرة، وذكر علي قرابة ثلاث عشرة مرة (مع التنبيه إلى اختلاف الطبعات والحصر). ↩
- حديث النهي عن لبس القَسّي وتختم الذهب وقراءة القرآن في الركوع: من طريق مالك عن نافع… عن علي. ↩
- بلاغ “الصلاة الوسطى صلاة الصبح” عن علي وابن عباس في شروح الموطأ. ↩
- قصة منع مالك من تحديث “ليس على مستكره طلاق” ثم دَسّ من يسأله فضُرب: مروية في كتب التراجم. ↩
- ذكر سحب اليد حتى انخلاع الكتف ضمن رواية المحنة في كتب السير. ↩
- اختلاف المؤرخين: هل كانت الفتوى جزءاً من سياق سياسي (النفس الزكية) أم فقهية محضة ثم استُثمرت؟ هذا الخلاف لا يلغي الدلالة الدستورية للقاعدة. ↩
مراجع مقترحة داخل “ملحق المصادر” في موقع المجلة: سير أعلام النبلاء (ترجمة مالك – المحنة)، ترتيب المدارك للقاضي عياض، الموطأ (رواياته وشروحه)، تاريخ الطبري (أخبار تلك المرحلة)، البداية والنهاية (سياقات الأحداث).
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.