قراءة مغايرة في دفاتر المعارضة العلوية: من انتقائية القصاص إلى صناعة المظلومية
بقلم: هيئة تحرير مجلة معاوية بن أبي سفيان
تاريخياً، رُوّجت شخصية علي بن أبي طالب في المخيال الشعبي بوصفها "المعيار المطلق للعدالة"، وأن معارضته لعثمان بن عفان كانت "ثورة تصحيحية". لكن، عندما نضع هذه السردية العاطفية تحت مجهر "الفقه الجنائي" و"التحليل الدستوري"، تتكشف أمامنا صورة مغايرة تماماً: نحن أمام زعيم معارضة سياسية يمارس ضغوطاً انتقائية، ويستخدم النصوص والأحداث (كحادثة الوليد أو مقتل الهرمزان) كأدوات في الصراع على السلطة، لا كقضايا حقوقية مجردة.
نفتح اليوم ملفين شائكين يثبتان أن "الدولة" (عثمان ومعاوية) كانت أرحم وأفقه من "الثورة" (علي وشيعته).
المحور الأول: استراتيجية "الإرهاق السياسي" للخليفة
لم يكن علي بن أبي طالب مجرد ناصحٍ لعثمان، بل تشير الوقائع إلى أنه قاد ما يُعرف في السياسة الحديثة بـ "المعارضة الراديكالية" التي تهدف لإسقاط هيبة الدولة عبر مسارين:
1. تسييس القضاء (قضية الوليد بن عقبة):
حين اتُهم الوليد بن عقبة (والي الكوفة العثماني) بشرب الخمر، لم يتعامل علي مع الأمر كقضية جنائية عادية، بل كفرصة لضرب "الجناح الأموي" في السلطة. تشير الروايات إلى إصرار عجيب من علي على إقامة الحد، رغم أن الشهود كانوا مشكوكاً في نزاهتهم، ورغم مناشدة الحسن بن علي لأبيه بأن لا يكون هو "الجلاد" (المنفذ للحد) ترفعاً عن التشفي. لكن علياً أصر على أن يباشر أو يأمر بالجلد بنفسه، في رسالة سياسية مفادها: "سلطة الهاشميين فوق ولاة عثمان".
2. التحريض الشعبوي في موسم الحج:
الأخطر هو استغلال "المؤتمرات العامة" (الحج) للطعن في شرعية الخليفة. حادثة "الإتمام في السفر" (إتمام عثمان للصلاة بمنى) لم تكن بدعة، بل اجتهاد فقهي لخليفةٍ هو "إمام المصلين". لكن علياً وحلفاءه حولوا هذا الخلاف الفقهي الفرعي إلى "لائحة اتهام دستورية" تزعم أن عثمان يترك سنة النبي! هذا التهييج أمام وفود الأمصار (حيث الغوغاء والعامة) هو الذي مهد الأرضية النفسية لحصار الدار، وجعل قتلة عثمان يظنون أنهم يقتلون "مخالفاً للسنة".
المحور الثاني: ميزان الدم المكسور.. (الهرمزان vs عثمان)
هنا نصل إلى الدليل الدامغ على "العدالة الانتقائية".
الجريمة: عبيد الله بن عمر (المكلوم بمقتل أبيه الفاروق) يقتل "الهرمزان" (القائد الفارسي المتهم بالتآمر مع أبي لؤلؤة).
الحكم العثماني (رجل الدولة): رأى عثمان أن قتل ابن عمر سيفتح فتنة، وأن الهرمزان لا ولي له، فدفع عثمان "الدية" من ماله الخاص. حلٌّ شرعي، حقن للدماء، وأغلق الملف.
الموقف العلوي (رجل الثأر):
ظل علي يطارد عبيد الله بن عمر 12 عاماً! يتوعده بالقتل قصاصاً لدم "الهرمزان". وحين تولى السلطة، كان أول قراراته مطاردة عبيد الله، مما اضطر الأخير للجوء إلى معاوية.
المفارقة الكبرى (حجة ابن تيمية):
كيف ينتفض عليٌّ لدم "مجوسي" متهم بالمؤامرة، ويجعل قتله قضيته الأولى، بينما يسكت ويهادن قتلة عثمان بن عفان (خليفة المسلمين، وزوج ابنتي النبي، والمبشر بالجنة)؟
• هل دم الهرمزان أقدس من دم عثمان؟
• أم أن دم الهرمزان هو "قميص سياسي" لتصفية ابن عمر، بينما دم عثمان "عقبة سياسية" تم تجاهلها للتحالف مع قتله؟
إن لجوء عبيد الله بن عمر إلى الشام لم يكن هروباً من العدالة، بل هروباً من "تسييس القصاص". لقد أثبت معاوية بحمايته له أنه يفهم "مقاصد الشريعة" (حفظ الدماء والاستقرار) أفضل من فهم "حرفية النص" إذا استخدمت للانتقام.
المحور الثالث: تفكيك "سردية المظلومية" (رزية الخميس)
تعتمد الماكينة الدعائية للتشيع (والهوى الهاشمي) على "بكائية" عبد الله بن عباس المعروفة بـ "رزية الخميس"، لتصوير أن النبي ﷺ مُنع من كتابة "وصية الخلافة لعلي". وهنا نفكك هذه الأسطورة بثلاث ضربات قاضية:
1. الضربة الاستباقية (العباس وعلي يوم الأحد):
أقوى دليل ينسف نظرية "الوصية الممنوعة" هو حديث صحيح البخاري لما بعد الخميس بثلاثة أيام (يوم الأحد). حيث طلب العباس من علي الدخول على النبي لسؤاله عن الأمر. فرفض علي قائلاً: "والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعده أبداً".
• التحليل: لو كان النبي قد أراد كتابة "خلافة علي" يوم الخميس، وعلم علي والعباس بذلك، فلماذا يشكون في الأمر يوم الأحد؟ ولماذا يخاف علي من "المنع"؟ هذا يثبت أن علياً نفسه كان يعلم أنه لا يوجد نص، ولا وصية، وأن الأمر متروك للأمة.
2. جناية الراوي الثائر (سعيد بن جبير):
راوي "حديث الرزية" هو سعيد بن جبير، وهو وإن كان فقيهاً، إلا أنه "سياسي ثوري" خرج مع ابن الأشعث ضد الدولة (عبد الملك بن مروان). هؤلاء الرواة الكوفيون كانوا يسقطون مشاعرهم الثورية ضد الدولة الأموية على أحداث التاريخ الأول، فيصورون الصحابة وكأنهم "سلطة قمعية" منعت النبي من الكتابة، لتغذية شعور المظلومية.
3. اكتمال الدين قبل القرطاس:
منطقياً وعقدياً، القول بأن "رزية" حلت بالمسلمين لأن كتاباً لم يُكتب، هو طعن في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}. الدين اكتمل قبل وفاة النبي بشهرين في حجة الوداع. فما الذي كان سيضيفه الكتاب؟ إن كان تشريعاً فقد تم، وإن كان تعييناً سياسياً فقد تركه النبي للشورى.
الخاتمة: الدولة هي الحل
إن قراءة التاريخ بعين فاحصة تكشف لنا أن:
• عثمان ومعاوية: مثلا تيار "الدولة"، التي تقدم المصلحة العامة، وتحقن الدماء بالديات، وتفهم روح الشريعة.
• علي ومن معه: مثلوا تيار "المعارضة الثورية"، التي ترفع شعارات مثالية (القصاص من عبيد الله، إنكار إتمام الصلاة) لكنها تعجز عن تحقيق الأمن، وتقع في فخ الانتقائية (السكوت عن قتلة عثمان).
نحن في مجلتنا ننحاز لمنطق الدولة، لا لمنطق الثأر. رحم الله عثمان الذي فدى الأمة بماله، ورحم الله معاوية الذي آوى المظلومين من سيف العدالة المسيسة.
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.