جناية الزيادة الشاذة
تفكيك حديث عمار وتبرئة الصحابة من وصمة «الدعوة إلى النار»
مقدمة: حين تتحول الزيادة إلى عقيدة
من أخطر ما ابتُلي به العقل المسلم عبر القرون أن تتحول زيادة حديثية شاذة إلى عقيدة سياسية راسخة، وأن يُبنى على رواية معلولة حكمٌ خطير بتبديع خيرة الصحابة، بل واتهام كتلة ضخمة من المهاجرين والأنصار وأهل الشام بأنهم «دعاة إلى النار».
أبرز تجليات هذا التشويه الممنهج يتمثل في الزيادة المقحمة في حديث عمار بن ياسر: «تقتله الفئة الباغية»، وهي زيادة استُعملت عبر التاريخ لإدانة الصحابة سياسيًا، لا لفهم الحديث علميًا.
في هذا التحقيق، نقوم بعملية تنظيف علمي صارم لهذه الرواية، مستندين إلى أئمة النقد الحديثي الذين رفضوا أن تُذبح عدالة الصحابة على مذبح رواية مضطربة.
أولًا: البخاري… بوصلة الصحة والتعليل الخفي
العمدة في هذا الباب هو الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ولم يكن مجرد جامع للحديث، بل كان ناقدًا بصيرًا بالعلل الخفية.
النصّ الأصلي بلا تلوّث
ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال لعمار أثناء بناء المسجد:
«ويح عمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار»
السياق الزمني
الحديث ورد في السنة الأولى للهجرة، في لحظة الحماسة الجماعية لبناء المسجد، حيث كان عمار يحمل لبنتين وغيرُه يحمل لبنة، فقال له النبي ﷺ ذلك إشفاقًا عليه من الجهد، لا إخبارًا عن غيبٍ سياسي في صراع لم يقع بعد.
عبقرية التبويب
أدرج البخاري الحديث في باب التعاون في بناء المسجد، وتجنّب إدخاله في كتاب الفتن أو قتال أهل البغي. وهذه إشارة بليغة بأن الحديث لا علاقة له بصفّين، وأن الزيادة السياسية حول القتل والبغي ليست على شرطه في الصحة.
ثانيًا: لماذا بتر البخاري الزيادة؟ (فقه العلل)
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري:
«إنما ترك البخاري هذه الزيادة عمدًا لنُكتة خفيّة».
ومعنى ذلك واضح لا يحتمل التجميل:
- البخاري كان يعلم بالزيادة.
- لكنه رآها مدرجة معلولة.
- ولا تقوى على معارضة الأصول القرآنية التي زكّت الصحابة.
فكان حذفها قرارًا نقديًا واعيًا، وتطهيرًا للنص من توظيف سياسي لاحق.
ثالثًا: إجماع المحققين… رفض شيطنة الصحابة
لم يكن البخاري وحده. بل تتابع كبار الشراح والمحدثين على إسقاط هذه الزيادة:
- المهلب بن أبي صفرة (ت 435هـ).
- ابن بطّال القرطبي (ت 449هـ).
- قوام السنة الأصبهاني (ت 535هـ).
وجميعهم قرروا قاعدة واحدة:
«لا يصح أن يُقال في أحد من الصحابة إنهم دعاة إلى النار».
لأن هذا الوصف قرآني خاص بالكفار:
{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ}
أما الصحابة، فاقتتالهم كان اجتهادًا، والمجتهد المخطئ له أجر، فكيف يُجعل داعية إلى النار؟!
رابعًا: من أين تسللت الزيادة؟ (جناية الرواة المتشيعين)
عند تتبع أسانيد زيادة «تقتله الفئة الباغية» نجد أن مدارها على رواة فيهم مقال، وأبرزهم أبو نضرة العبدي:
- قال ابن سعد: «ليس بذاك القوي».
- ذكره العقيلي في الضعفاء.
- عُرف بميله السياسي ضد عثمان وبني أمية.
ثم جاءت المخالفة المتنية الفاضحة:
- جعلوا الحادثة في السنة الخامسة (الخندق).
- بينما الثابت الصحيح: السنة الأولى (بناء المسجد).
وهذا هو الشذوذ المتني بعينه: مخالفة الضعيف للثقات الأثبات.
خامسًا: دُحيم الدمشقي… صرخة في وجه التزوير
الإمام الحافظ عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي (دُحيم)، قاضي الشام ومحدثها، أدرك مبكرًا أن قبول هذه الزيادة يعني الطعن في نصف الصحابة.
فقال كلمته الحاسمة:
«من قال إن أهل الشام هم الفئة الباغية فهو ابن الفاعلة».
وهذا ليس سبًّا، بل حكم عقدي صارم ضد من يخترق حصانة الصحابة بروايات مدخولة.
سادسًا: الشافعي وتأسيس القاعدة الكبرى
يقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي:
«ما صحّ في الفتنة حديث عن النبي ﷺ إلا حديث عثمان: هذا يومئذٍ وأصحابه على الحق والهدى».
بهذا النص، نسف الشافعي الاعتماد على أحاديث الفتنة المضطربة، وثبّت الأصل:
الحق كان مع عثمان، ومع الذين طالبوا بدمه: عائشة، طلحة، الزبير، ومعاوية.
الخلاصة: تصحيح البوصلة
- الأصل: رواية البخاري بلا زيادة.
- الزيادة: شاذة، معلولة، مُسقطة عمدًا.
- أئمة الحديث حذفوها وصرّحوا بخطرها.
- لا يجوز شرعًا وصف الصحابة بأنهم دعاة إلى النار.
- السردية العباسية-الشيعية بُنيت على هذا الخلل.
هكذا تُحفظ السنة، وهكذا يُنقّى الحديث، وهكذا يُدافع عن أصحاب محمد ﷺ.
ملحوظة توثيقية
إن كنت تنقل من هذا المقال: انقل المقطع مع سياقه، واذكر المصدر الذي نُحاكمه هنا. اختصار الفكرة هو أسرع طريق لتحريفها.
التعليقات
حوارٌ محترم، في صلب الموضوع. اقرأ سياسة التعليقات قبل المشاركة.